الثلاثاء : 22 مايو 2018 |


"حيتان شريفة" .. تسرد رواية الفساد في العالم العربي

كتب صلاح عبد المنعم

الإثنين 14 مايو, 2018 | 09 : 55 م

يفاجأ القارئ وهو يقرأ رواية الكاتب العماني محمد سيف الرحبي" حيتان شريفة" إلى مدى تقارب الأحوال الاجتماعية والسياسية والثقافية في البلدان العربية كافة. الرواية الصادرة مؤخراً عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، تتحدث عن الفساد، رجاله، وظروف وميكانيزمات نشأته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
تدور أحداث الرواية في عُمان على ضفاف وادي سمائل، الذي يلجأ إليه شخص مجهول اسمه ماهل بن جمعة الحوت وعشيقته شريفة، مخفيين خلفهما قصة تبقى غامضة.
يبدأ الاثنان حياتهما من الصفر، ماهل يقوم بكل الخدمات المطلوبة لأهالي الوادي من الاعتناء بنخيلهم، حتى يصبح أكثرهم ثراء، ويتمكن من شراء الكثير من المزارع، والأملاك، ولم يعد ماهل ذاك الشخص الذي يخدم الآخرين.
يكبر أبناؤه الثلاثة، ويصل كبيرهم إلى مرتبة وزير، وعندما يخرج من السلطة، ويفقد لذة الجلوس على الكرسي، يحاول من خلال أحد الكتاب، أن يتحول إلى معارض أيضاً، وليقدم نفسه أنه كان من أهم بناة الوطن، وأن ما جاء بعده فرّط بالإنجازات، والثاني يصبح رجل أعمال كبير، يتشارك مع أخيه الوزير في نهب المال العام، وتسخير السلطة لصالح بناء ثروة طائلة، يتنازع عليها لاحقا مع أخيه، والثالث يدخل دوامة البورصات الوهمية، ليسقط من ارتفاع ساحق، ويتعرض للإفلاس والسجن، لكنه يحترف النصب والاحتيال في كل شيء، حتى السياسة، فهو يتحول إلى معارض يقود المظاهرات ضد الحكومة وضد الفساد. وفي رؤية قدمها الكاتب بمثابة خاتمة للرواية، يراه وقد رُشِّح لمنصب وكيل وزارة، بمثابة خطوة أولية ليرتقي بعدها، فهو في نهاية المطاف من سلالة الحيتان، التي لا يجوز أن تختفي . يحرك الحيتان جميعاً شخصية تقبع في الظل" الصاحب".
الرواية تتعرض بالتفصيل لصعود الإخوة الثلاثة (حيتان شريفة) (ولاختيار العنوان دلالات ذكية من المؤلف، فقد اختار الكاتب اسم الحوت للشخصية الرئيسية ليحمل دلالة الشراهة والفساد كما رسخ في ثقافة الناس، وشريفة لتعطي عكس مدلولها، فأبناء الحوت الثلاثة، يدّعون الشرف، والأم التي حملت الاسم، لكن تظل تحوم حول ماضيها الشبهات.
الكاتب هنا لا يقدم للقارئ شخصيات استثائية، بل هي نماذج للشخصيات الفاسدة، وهي حالة تكاد تكون واحدة في البلدان العربية، فساد رجل السلطة، الذي يسخر سلطته للإثراء، وفساد رجال الأعمال بتزاوجه مع السلطة، وفساد النظام الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام، فظواهر مثل البورصات الوهمية، والفقاعات العقارية، وغيرها، وانحدار القيم الاجتماعية، إذ ترفع من قيمة صاحب السلطة، والثروة والمال، وتدفع عامة الناس للتملق للسلطة ولأصحاب المال.
ورغم تركيز الكاتب على تتبع سيرة شخصيات الحيتان" غير الشريفة"، إلا أن الرواية أبرزت في خلفية العمل شخصيات أخرى، كانت الصورة الإيجابية المعاكسة لصورة الحيتان، هنا يُبرز الكتاب الروائي، المثقف، اليساري، الذي يكتب عن الفساد، وشخصية المعلم، والشيخ خالد بن ناصر، وكذلك بعض الشخصيات النسائية، وأولها" شريفة" زوجة ماهل جمعة الحوت، والدة الحيتان الثلاثة، ورغم أنها تزوجت ماهل الحوت، غير معروف الأصل، ورغم أن الكاتب لم يجزم بحكايتها ومقدمها إلى وادي سمائل، وارتباطها بماهل الحوت، إلا أنه يكشف بعض أسرارها، فهي ابنة عالم، ذكية، حكيمة، ماكرة، قوية الشكيمة، لكنها لم تكن على قدر من الجمال، وربما هو العمل الذي جعلها ترتبط بعلاقة غامضة مع ماهل الحوت، وتتزوجته، وتساهم معه ببناء ثروته، وتنجب له حيتانه الصغار.
يضاف إلى شريفة شخصية شمس، زوجة الابن الثاني لماهل الحوت، المرأة الصابرة الصامتة، ابنة الشايب حمّاد، والتي تتزوج صالح الحوت مضطرة، وتصمت، وتصبر على خيانة زوجها، وأخوه وزوجة أخيه الوزير مسعود .
هذه هي العلاقة الملتبسة بين الفاسدين والشرفاء، وهي صورة مصغرة للمجتمع، إذ تتداخل مصائر هاتين الفئتين، شريفة تتزوج ماهل الحوت الساعي إلى الثروة والسلطة، لتنجب نماذج متنوعة من الفاسدين، وشمس، تتزوج صالح لتنجب أبناء يتجهون للتعليم، والكاتب الذي لا يستغني عن علاقته بالوزير حتى يتمكن من تأمين لقمة عيشه، والشيخ خالد بن ناصر الذي يحفظ سر الحوت، ويزوجه شريفة...
علاقات الفساد تبدو وكأنها غثاء، فقاعات، لا تغني صاحبها، وتبقى عقدة الانتماء عقدة العقد بالنسبة للفاسد، فها هو مسعود ابن ماهل الحوت " لم يشقه شيء كخلو اسمه من قبيلة يتفاخر أبناء سمائل بلصقها شرفا في خاتمة أسمائهم حين ينطقونها لسائل مقيم، أو عابر درب."
كتب الرحبي" ولد ماهل بن جمعه الحوت كبيرا، عرفته سمائل هكذا، لم يولد كما حدث لبقية أهالي حارة المكاتيب ولا غيرها من الحارات، يأتون من أرحام أمهاتهم أطفالا بالغي الصغر ليتنفسوا رائحة النخيل والأرض، فيها يعيشون وعليها يموتون، وفي ثراها يعودون للتراب مرة أخرى.. 
الحوت، كشريفة، نبت آخر، شجرتان لا يعرف ساكنو حارة المكاتيب لهما أصل اختارتا حافة الوادي، كأنهما لا تخشيان فوران الماء وقت السيل، ولا تباليان أي أرض أخرى سيجرفهما إليها ماء الوادي المندفع. 
الحوت ارتفع كنخلة، عين المحتاجين لأي عمل في بيوتهم ومزارعهم لا تذهب بعيدا عنه.. لا يذكر كثيرون في سمائل أن اسمه ماهل، وأن أباه جمعة، اسم الحوت منارة يعرفها الناس، صغيرهم وكبيرهم، حيث لا ترى سمائل إلا الحوت، ويمكنها أن تنادي الحيتان بأسمائهم مع تفخيم لفظة القبيلة.

 

 

اخبار ذات صلة

د. مروة السيد أستاذ الباطنة والسكر: يمكن لمريض السكر أن يستمتع بصيام شهر رمضان  إذا أتبع هذه التعليمات

الإثنين 21 مايو, 2018 | 12 : 09 م

أكدت د. مروة السيد عطية استشاري التغذية العلاجية وأستاذ الباطنة والسكر بضرورة إلتزام مريض السكر بالطعام المناسب وأدوية السكر التي نصح بها الطبيب، وذلك حتي ينضبط معدل السكر في جسم المريض، ويستطيع الإستمتاع بصيام شهر رمضان الفضيل بدون معاناه او تعب.. لذلك قدمت د. مروة إرشادات هامة لمرضي السكر ....

المزيد >>

فى ندوة " قانون ذوى الإعاقة" بالأعلى للثقافة .. القومى للمرأة يلقى الضوء على بنود القانون بقلم ليلي حسين

الإثنين 21 مايو, 2018 | 08 : 03 ص

  أقام المجلس الأعلى للثقافة، بأمانة الدكتور سعيد المصرى، الأمين العام للمجلس، أمس الأحد، ندوة تحت عنوان "قانون ذوى الإعاقة" تنظمه وحدة أمانة المؤتمرات بالمجلس برئاسة وائل حسين، وذلك بمقر المجلس فى ساحة دار الأوبرا، وقدمت الندوة الإذاعية جانيت فاخورى، كبير مذيعين بإذاعة البرن ....

المزيد >>

الانتهاء من تصوير مشاهد فيلم "عمر خريستو" في لبنان

الإثنين 21 مايو, 2018 | 06 : 41 ص

أعلنت شركة ترافللرز ميديا للانتاج الفني عن بدء تصوير ثالث تجاربها السينمائية فيلم " عمر خريستو" بعد فيلميها المرسي ابو العباس و رحلة يوسف. قالت الشركة المنتجة في بيان لها اليوم إن فيلم "عمر خريستو " من نوعية أفلام الاثارة والتشويق والأكشن وتدور أحداثه بين لبنان والقاهرة ....

المزيد >>

في دار نهضة مصر : "في معية الله" كتاب جديد للداعية مصطفى حسني

الإثنين 21 مايو, 2018 | 03 : 34 ص

تزامنًا مع بداية شهر رمضان تطلق دار نهضة مصر للطباعة والنشر وصاحبتها د. داليا ابراهيم أحدث إصداراتها؛ وهو كتاب"في معية الله" للداعية مصطفى حسني،والذي يذكرنا بأن الله دائمًا معنا أينما كنا حتى في أحلك اللحظات والظروف التي نظن فيها أننا وحدنا لا منقذ لنا لما نحن فيه. ويعلق مصطف ....

المزيد >>
التعليقات