الخميس : 21 فبراير 2019 |


الكوميديا ودورها في نشر اللهجة المصرية

كتب منال السعيد

الأربعاء 03 أكتوبر, 2018 | 12 : 13 م

اللهجة المصرية هي إحدى اللهجات العربية وتختلف اللهجة المصرية بين محافظات مصر اختلافا بسيطًا، ويفهمها الشخص بغض النظر عن محافظته، فهي تنقسم إلى العديد من اللهجات الفرعية منها اللهجة الصعيدية التي يتحدثها أهل الجنوب، واللهجة السكندرية في الشمال وهناك الريفية والبدوية، وأشهرها لهجة القاهرة.

لكن في النهاية الاختلافات بين هذه اللهجات الفرعية طفيفة وبسيطة، وأغلبها يقتصر على أسلوب الحديث وسرعة نطق الكلام أو تعطيش حرف الجيم.. إلخ، أما الألفاظ نفسها فهي متقاربة بدرجة كبيرة وقد تكون متطابقة.
سهّل هذا التقارب في اللهجات الفرعية المشتقة عن العامية المصرية من عملية فهمها واستيعابها، وبالتالي ساهم في انتشارها بصورة أسرع وأكبر مقارنة باللهجات العربية الأخرى.

واللهجة المصرية هي لهجة محكية في الأساس، وكمثل باقي اللهجات العربية فإن اللهجة المصرية غير معترف بها رسميًا ولا تكتب بها الأبحاث العلمية بالرغم من استخدامها شفويًا في التدريس في المدارس والجامعات.
وتعتبر اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة، مع استخدام اللهجة المصرية كلهجة دارجة في الحياة اليومية.

بعد الفتح الإسلامي لمصر أصبحت اللغة العربية لغة الديار المصرية كحال أغلب أقطار الدولة الإسلامية، وكان المصريون على دراية باللغة العربية في فترة ما قبل الإسلام عبر التجارة مع قبائل العرب في سيناء والجزء الشرقي من دلتا النيل، ويبدو أن اللهجة المصرية بدأت تتشكل في الفسطاط العاصمة الإسلامية الأولى لمصر، التي هي الآن جزء من مدينة القاهرة.
تعد اللهجة العامية المصرية هي اللهجة الأكثر شيوعًا في الوطن العربي، فجميع أبناء الدول العربية يمكنهم فهم مصطلحاتها ولا يجدوا أدنى صعوبة في التواصل مع أي شخص يتحدث بها، في حين الأمر يختلف بالنسبة للهجات الأخرى المنتشرة في البلاد العربية، فعلى سبيل المثال اللهجة الخليجية أو اللهجة الشامية أو لهجات دول شمال إفريقيا، جميعها يصعب على غير الناطقين بها فهمها واستيعاب مدلولات مصطلحاتها.. وهذا بالتأكيد لم يكن من قبيل الصدفة، فترى ما العوامل والأسباب التي كفلت للهجة العامية المصرية التميز وجعلتها الأوسع انتشارًا والأسهل استيعابًا عربيًا؟

دورالفن والدراما :
دائمًا وأبدًا سيظل الفن هو سفير الأمم ولب قواها الناعمة، ويعد انتشار العامية المصرية في الوطن العربي أحد الأدلة على أهمية الفن وقوة تأثيره.. مصر هي هوليود الشرق باعتبارها أول دولة عربية تعرف صناعة السينما، وحتى اليوم لا تزال محتفظة بالصدارة باعتبارها الأغزر إنتاجًا بهذا المجال، تليها دولتي سوريا ولبنان.
حظيت الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية المصرية -منذ عقود طويلة- بنسب مشاهدة مرتفعة في الدول العربية، وشيوع هذا النوع من الأعمال الفنية في الوطن العربي ساهم في انتشار اللهجة العامية المصرية واعتياد الآذان العربية عليها وفهم مصطلحاتها واستيعاب معانيها.

لِماذا يُقْبلُ غيرُ الناطقين بالعربية على تعلم اللهجة المصرية بنسبة كبيرة؟
وذلك للأسباب السابقة الذكر وهي أن اللهجة المصرية أكثر سهولة من اللهجات العربية الأخرى ولتحرُّر اللهجة نفسها وكلماتها من قواعد النحو والصرف العربية ولأنها أوسع اللهجات انتشارًا ولوفرة موادِّها من مسلسلات وأغانٍ وأفلام وكتب.

ومن خلال لقائنا مع الفنان الكوميدي مُسعد المصري نستعرض الحديث عن دور الكوميديا في نشر اللهجة والمواقف التي تعرَّض لها من خلال اختلاف معنى الكلمات من لهجة عربية لأخرى ومن خلال رد فعل غير الناطقين بالعربية أثناء استماعهم للنكت المصرية.
في البداية نرحب بالفنان مسعد المصري ونطلب منه أن يحدثنا عن نفسه وعن بداية مشواره الفني :
أنا من مواليد الدقهلية وأعمل حاليا مونتيير (مونتاج) في التليفزيون المصري واكتشفت موهبتي عندما كنت في الصف السادس الابتدائي أثناء مشاركتي في الاحتفالات المدرسية بسرد مواقف مضحكة وسرد مواقف سلبية بأسلوب ساخر وكنت أقوم بتقليد الممثلين وخاصة يونس شلبي في مسرحية (مدرسة المشاغبين) وساعدني أحد المدرسين على اكتشاف موهبتي هذه وتنميتها.
وفي عام 1981 كنت مدعوا في أحد الأفراح ولم يحضر المونولوجست فقدمني أحد الأصدقاء للحضور لأقدم فقرة النكت ومن هنا بدأت شهرتي الفعلية.
نريد أن نعرف ماهي النكتة ؟
النكتة ترجمة لحكاية أو لموقف ومن رأيه أن النكتة لايمكن تأليفها إنما هي تخرج نتيجة موقف معين أو ظروف معينة سواء اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية فمثلا عند غلاء سعر تذكرة المترو خرجت بعض النكت التي تفيد معنى أن (المترو هيبقى فُسْحَة بعد كدة) أو نكتة تفيد معنى أن المخطوبين سيقطعون علاقتهم ببعض بسبب غلاء تذكرة المترو فيقول الشاب لخطيبته (أنا آسف إحنا لازم نسيب بعض علشان إنتي من حلوان وأنا من شبرا) فالأزمات هي التي تخلق الفكاهة ومن خلالها نقول النكتة وهذا نسميه (الكوميديا السوداء) بمعنى السخرية من الأزمة التي نمر بها وهي تختلف بالطبع عن كوميديا الموقف) ومن أشهر مدارسه هي مدرسة (مدبوليزم) نسبة للفنان الراحل عبدالمنعم مدبولي.
هل ممكن أن تذكر لنا بعض المواقف التي تعرضت لها بسبب اختلاف اللهجة أو اللغة وكيف تجاوزت هذه المواقف؟
كنت أعرض نكت في حفلة في ليبيا ومن ضمن كلمات النكتة كلمة (سُوسْتَة) ولم يفهموا معناها لأنهم يطلقون عليها اسم (سَحَّاب) وعندما عرفت هذا استبدلت كلمة سوستة بكلمة سَحَّاب فأصبح عندهم رد فعل وضحكوا من النكتة.
وفي حفلة من الحفلات كان هناك عدد من الضيوف الألمان وبينهم يجلس مُتَرْجِم فلاحظت أن كل الناس يضحكون عندما أقول النكتة مباشرة بينما هم ينتظرون قليلا حتى يعرفوا ترجمتها ثم يضحكوا ومنهم من كان يضحك بناءً على ضحك من حولهم لأن الضحك يُسبب عدوى للمحيطين.
إذن نلاحظ أن رد فعل المستمع للنكت يتوقف على شيئين مهمين وهما فهم معنى الكلمات التي يسمعها في النكتة أولا وفهم المحتوى الثقافي للمجتمع الذي يُنتج النكتة ثانيا لأن كلا الأمرين مهمين ليُعطيانه مدلول ومعنى ومُعطيات ويُحْدثان رد فعل عنده بالضحك.
ويؤكد هذا المعنى قول مدرب التنمية البشرية الدكتور أحمد عمارة بأن رد فعل الإنسان تجاه كلام معين يسمعه يكون ناتجًا عن مُعطيات محددة داخل عقله هو ويختلف رد الفعل من إنسان لآخر تبعًا للمعطيات المخزونة في عقله.
هل الكوميديا المصرية نفس الكوميديا في الدول العربية الأخرى وهل هذا ساهم في انتشار اللهجة المصرية؟
أجاب الفنان مسعد بقوله بالطبع لكل دولة عربية الكوميديا الخاصة بها لأن كل مجتمع له ثقافته ولكن الدول العربية تهتم بمعرفة وتعلم معنى الكلمات المصرية مما ساهم في معرفة الكثير من الكلمات والمصطلحات وبعض من الثقافة المصرية من خلال النكت المصرية.
هل يحتاج الفنان الكوميدي في بعض الأحيان لفهم ودراسة ثقافة الدولة التي سيزورها حتى يستطيع التأثير فيهم ؟
بالطبع أنا أقوم بهذا وبدأت فعلا أفهم ثقافة كل دولة قبل زيارتها واستخرج نكت من خلال بعض المواقف عندهم فمثلا عندما زرت الكويت قلت نكتة (واحد سعودي اشترى جمل وجابله سواق فلبيني) لاقت استحسان كبير عندهم وهذه كانت نصيحة الفنان الراحل (سيد الملاح) بأن أدرس ثقافة الدولة التي سألقي فيها النكت أولا وأن ألقي النكتة باللهجة المصرية مع تغيير بعض الكلمات والمصطلحات التي يفهمها أهل هذا البلد واختيار النكتة التي تناسب ثقافتهم وهكذا مع أي دولة عربية أخرى.
وكما هو معروف أن جنوب أي دولة تعاني من بعض الرجعية فمثلا عندنا في مصر نُطلق أكثر النكت على أهل الصعيد ولكن عندما كنت أزور بعض الدول العربية منذ عشر سنوات كنت أسأل عن اسم منطقة الجنوب عندهم فمثلا في سوريا أقول (واحد حمصاوي ..) نسبة إلى مدينة حمص في جنوب سوريا وبسبب انتشار القنوات الفضائية ووسائل الإعلام المختلفة بدأ معظم العرب يعرفون معنى (واحد صعيدي ..) فيبدأون بالضحك مباشرة.
هل كان لك تجربة في القاء نكت مصرية على أهل المغرب والجزائر وتونس بما أن لهجتهم من أصعب اللهجات العربية؟
في الحقيقة أنا تقابلت مع بعض الجزائريين والمغاربة في مصر في بعض الحفلات ولاحظت أنهم لايفهمون كلمات النكتة إلا إذا تمت ترجمتها لهم بلهجتهم ولكنهم يضحكون على فقرة تقليد الشخصيات الكوميدية وذلك لمعرفتهم للشخصيات الكوميدية المصرية من خلال الإعلام.
ماهو أكثر موقف كوميدي تعرضت له خلال عملك؟
أذكر بأن أحد المراكب النيلية تعاقدت معي وصادف أول يوم عمل معهم أن كان كل الضيوف الحاضرين من اليابان وعندما كنت أقول النكت لم أجد من يضحك عليها سوا فريق الخدمة على المركب وأما الضيوف فلا أي رد فعل لهم.
هل الفنان الكوميدي يحتاج إلى تطوير نفسه دائما وتطوير أداءه حتى يناسب جميع الأذواق ويواكب المتغيرات؟
بالفعل أنا أهتم بتطوير أدائي وأنا لي دور في فن المونولوج وأول من ناقش قضية التَّحَرُّش من خلال المونولوج لأنه فن يقوم على سرد مشكلة من خلال حوار بين شخصيات ومعالجتها في شكل عمل غنائي يناقش مشكلة في المجتمع ويعرض حلَّها ومن أشهر من قدم هذا الفن قديما هما الفنان إسماعيل يس والفنان شكوكو وكذلك الفنان يوسف وهبي في فيلم الأستاذة فاطمة.
كما تعلم أن كل شيء يتطور ويتغير وكذلك اللغة واللهجة فهل هذا أصاب مُسمَّى النكتة أو المونولوجست؟
نعم بالفعل فلقد أصبح الجيل الجديد يُطْلِق على النكت كلمة (أَلْش) فيقولون مثلا (الراجل ده بِيئْلِش) بمعنى أنه يقول نكتة وأيضا مفهوم المونولوجست تغير ويتعرض للانقراض الآن وأصبح هناك فنان (ستاند أب كوميدي) وهو الذي يحكي مواقف مضحكة فقط لكنه لايناقش قضية سلبية وعلاجها مثل فن المونولوج.
هل ترى أن اللهجة المصرية سهلة التأثر بأي لهجة أو لغة أخرى ؟
لا أنا أرى أن اللهجة المصرية هي الوحيدة التي لم تتأثر بالاستعمار ولم نتأثر بلغة المستعمر كما تأثرت بلاد المغرب باللغة الفرنسية بل على العكس فنحن طوعنا الكلمات القليلة التي أخذناها بما يتناسب مع لغتنا العربية ولهجتنا المصرية مثل طريقة نطقنا لكلمة (هانم) وكلمة (باشا) فهما يختلفان عن نطق أهل تركيا لها فهم ينطقون الهاء والألف مُفَخَّمَة في (هانم) والباء والألف في (باشا) مُفَخَّمَة أيضًا.
في نهاية هذا اللقاء نشكر الفنان مسعد المصري ونتمنى له مزيدًا من التقدم ونرجو أن نكون قد ساهمنا ببعض المعلومات التي تفيد المهتمين باللهجة المصرية ودور الكوميديا في انتشارها.


اخبار ذات صلة

ظاهرة تفسير الأحلام بين الواقع والخيال الجزء الثانى من حوار الأستاذة منى بدران

الأربعاء 20 فبراير, 2019 | 09 : 28 ص

بالرغم من الإختلاف بين مؤيد ومعارض لظاهرة تفسير الأحلام إلا أن الواقع يفرض علينا أن نستمع باقى الحوار مع الأستاذة منى بدران مفسرة الأحلام  والتى تروى لنا عن أغرب الحالات التى سألت عنها وفسرتها حيث تقول سألنى أحد الناس والذى كان قد عاد من المصيف بالأسكنرية حيث رأى طفلا يغرق وأمه منهارة ....

المزيد >>

ظاهرة تفسير الأحلام بين الواقع والخيال

الإثنين 18 فبراير, 2019 | 11 : 21 م

انتشرت فى الآونة الأخيرة على السوشيال ميديا ظاهرة جديدة على المجتمع المصرى وإن كانت موجودة منذ القدم إلا انها أصبحت الآن واقعا ملموسا لدرجة أن كبار الفنانين والرياضيين وبعض الشخصيات العامة تلجأ إلى هؤلاء المفسرين فى كثير من احوالهم وأحلامهم وهل هى أضغاث احلام ام انها رؤيا من الله ولهذا اردت ....

المزيد >>

ازهار واشجان ورحلة حب وعطاء لنموذج مشرف من اساتذة الجامعات المصرية .

الجمعة 28 ديسمبر, 2018 | 09 : 07 ص

رصدت وسجلت جريدة الحلم العربى نيوز رحلة حب وعطاء للاستاذ الدكتور السيد عبده السيد احمد عميد كلية الزراعة الاسبق فى حوار ولقاء مميز حول دور التنمية المستدامة فى تطوير الاداء ومن ثم المساهمة فى الشعور بالرضا والكيان النفسى والاجتماعى . واضاف عبده ان الحياة سلسلة من المتغيرات النفسية والجسمية ....

المزيد >>

الشربيني للحلم العربي نيوز مرضى ضعاف السمع يعانون من الارتفاع الجنونى لأسعار سماعات الأذن الطبية

الخميس 20 ديسمبر, 2018 | 10 : 32 ص

 على مستوى العالم والذى أكد فى حديثه أن مبيعات الشركة والتى تضم أكثر من فرع لها على مستوى الجمهورية والتى تعتمد على تقديم الأفضل لعملائها والذى أكد أن عملية البيع فى تراجع مستمر للمبيعات الخاصة بالشركة والسبب هو غلاء المنتج المرتبط بسعر الدولار وان هناك الكثير من مرضى السمع وضعاف السمع ....

المزيد >>
التعليقات