السبت : 24 أغسطس 2019 |


د. محمد السعيد يكتب: "معرض الكتاب" بين غياب النخبة وبزنسة الثقافة

كتب سمية النحاس

الإثنين 04 فبراير, 2019 | 04 : 45 م

 

بقلم: د. محمد السعيد

حين تلوذُ بفرصةٍ تمكنك من الذهاب في زيارةٍ لمعرض القاهرة الدولي للكتاب ، وسط هالة من ضغوطات العمل والحياة اليومية ، لتلحق بركاب رواد تلك التظاهرة الثقافية الكبرى ، والحدث العلمي والأدبي الجلل الذي تحتضنه مصر كل عام ، لتشعر بلذة الحصول على تلك الفرصة ، بالرغم من مشقة السفر إليه بعد انتقال مكانه من مدينة نصر إلى مكانٍ أبعدَ منه ، لاعتبارات كثيرة أهمها التخفيف من التكدس الهائل الذى كان يتسببُ في أحيان كثيرة إلى شلل مروري كانت تصاب به الشوارع المؤدية إليه ومناطق حيوية عديدة بقلب العاصمة المصرية "القاهرة" ، ليتم البحث من قبل المسئولين عن وسائل أخرى بديلة ليستقر الأمر بمكانه الحالي بالقاهرة الجديدة ، والتي أرى من وجهة نظري أنه قراراً صائباً حيث الإنتقال إلى مكانٍ أرحب ، وأبعد عن زحام القاهرة المعتاد .

وبالرغم من طول الفترة الزمنية التي يتكبدها رواده من قاطني وسط المدينة والمقيمين على أطرافها حال انتقالهم إليه ، لكنك حال وصولك إلى أرض المعرض ، لتتفاجأ بوجود هذه الحشود الغفيرة التي أتت قاصدةً ذلك المكان بعينهِ ، فإنك حينها فقط تستحضر شعوراً يدورُ في خلدك يحدثكَ بأن تاريخ  الأمم والشعوب ذخر بالعديد من المثقفين والأدباء الذين أثروا الحياة الإنسانية بالكثير من إبداعاتهم الفكرية ، والتي باتت نبراساً يتوهج ضياءه كلما مر عليه الزمان أوطال به العمر ، فيزداد بريقه ولمعانه ، ذلك لأنهم أصبحوا الدررُ الكامنة في أعماقِ التاريخ الذى خلد ذكراهم بأن حَفِلَ بمؤلفاتهم وروائعهم البديعة ، فكان احرىٌ بنا أن نقتفى أثرهم كلما حطوا برحالهم .

وأجد أن في احتضان مصرَّ لهذه المناسبة السنوية ، وبخاصةٍ في عامنا الحالي الذى يواكبُ ذكرى اليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الخمسين ، بمثابة استحضارٍ لأرواحِ العظماءَ من المفكرين والأدباء الذين فارقوا دنيانا ، لكنهم لايزالون يحيون بمؤلفاتهم الثمينة في وجدان قرائها الذين أتوا من كل حدبٍ وصوب ، ليجعلوا مصر قبلتهم ووجهتهم ، قاصدين ذلك العرس الدولي الذي رُصعت حُلته وازينت بالكتب النفيسة التي جعلت مرتاديه ما بين زائر طموح وباحث مهتم أو مدقق بإمعان ، جاءوا جميعاً مصوبين أنظارهم إلى منتجات فكرية تمخضت عن إبداعاتٍ لعقولٍ عبقرية ، سُردت في كتبٍ قيمة وقد امتلأت بها  جنبات المعرض ، يُمعنون النظر بين ثنايا هذه الكتب ويدققون في عناوينها ، وكأنهم في رحلة بحثٍ عن معدنٍ نفيس ، تلك الحالة التي تجد عليها هؤلاء الزوار تجعلك تشعرُ بقيمة ذلك الحدث الجلل الذى يحدث في بلادنا كل عام .

و كعادتي أتحين الفرص لحضور أكبر عدد من المحاضرات التي تقام على هامش فعاليات هذا المحفل الضخم لمناقشة أصحاب المؤلفات في ما أخرجوه لنا من قيمٍ فكرية ومعرفية وأدبية بعدد من قاعات المعرض لأخلص وأتزود بالمعلومات التي قد لا أستخلصها بسهولة حين قراءتي لكتبهم ، ذلك لأن صاحب الكتاب أحياناً يحكي حينها عما كان يدور في خاطره أو دوافعه التي دفعته لإصدار ذلك الكتاب ومناسبته ، ولعلي لا أستشعر الإمتاع إلا حينما أكونُ على مقربةٍ من المؤلف لأسمع منه سرده لتفاصيل كتابه أو روايته محل النقاش ، وأُرجعُ ذلك السبب إلى الثقافة التي تأصلت في العديد من شعوب وطننا العربي أو ما أُسميها الثقافة القصصية أو السمعية ، تلك المتمثلة في ميلنا لسماعِنا القصصَ أكثر من قراءتها ، تلك الثقافة التي أفرزتها فينا عواملٌ تراثية غرسها فينا أجدادنا وأمهاتنا ، منذ نشأتنا الأولى حين كانت تُقص علينا القصص والحكايات أو مايعرف فى تراثنا المصري "بحدوتة قبل النوم"، ذلك الأمر الذي أثر فىّ وجعلني وإلى الآن محباً وبنهمٍ للاستماعِ بدأبٍ إلى ما يحكيه الرواه عن منتجاتهم الإبداعية التي لطالما أجدها خلاقة باقتدار ، فتارة تسمع لدبلوماسىٍ سابق يحكي تجربته وأيام كفاحه خلال عمله بدولة ما ، وتحليله الدقيق والمتأنِّ لتلك الفترة من حياته ، وتارة أخرى أستمع إلى حديث عالم النحو وهو يبحر في جنبات اللغة العربية وآدابها مستخدماً في شرحه أدق العبارات وأصوبها مستعرضاً في ذلك مهاراته المتقنة ، وآخرون يحكون عن حياةِ شخصيات تاريخية لها شأنها في حقباتٍ عاصروها وكانت شاهدةً على أحداثٍ غاية في الدقة والخصوصية ، وكان لها أكبر الأثر في تحولاتٍ سياسية في منطقة ما من العالم .

ولما أصبحنا في عالمٍ قل فيه الإبداع الأدبي فكان لزاماً على من بقي من أولي الأمر المثقفين أن يهموا من ثُباتهم العميق وأن ينتبهوا إلى ما فقدته الأمة من أبنائها من نخبٍ مثقفة ، أولئك الذين كان لهم أكبر الأثر في التوعية بالحقوق والواجبات ، واستدعاء أرواحهم أصبح واجباً حتمته المسئولية المجتمعية ، واستدعاء هذه الأرواح يكون حينئذٍ بتخليد ذكراهم والعمل بتجاربهم السابقة بما يتلاءم مع متطلبات عصرنا الحالي الذي بات يعج ببعض الهرج الناجم عن الفوضى ، وأن تسعى البقية الحاضرة من أولئك المثقفين بممارسة أدوارهم تجاه أوطانهم بتقديم نصائحهم التي من شأنها أن تجنبنا الوقوع في غياهب الجهل مما يجعل من أفراد مجتمعاتنا فريسةً سهلة لقوى الشر والتطرف نظراً لتراجع دورهم التنويري مؤخراً إما عمداً من خلال سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على منصات الإعلام مما مكن البعض منهم بخلق مايسمى بـ "بزنسة الثقافة" ،  وطمس هويتنا ، أو من دون قصدٍ من خلال التهميش والتجاهل للمثقفين والمبدعين .

لذا فأجد أنه للحيلولةِ دون تفاقم هذه الأخطار المحدقة بنا ما يجعلها مصدر تهديدٍ لمستقبل أجيالٍ قادمة أن نستدعي أرواح أسلافنا فينا من المثقفين والمفكرين والعمل بمقتضى نتائجهم التي خلصوا إليها ولنتح الفرص أمام مثقفينا باعتلاء منابرهم كل في تخصصه وأن نفوت الفرصة على أصحاب المصالح الشخصية من تلويث الفكر والتراث ، وأن نعلي من قدر المثقفين في بلادنا لننهض ونرتقى .


اخبار ذات صلة

أحلام غير مشروعة بقلم ليلي حسين وتصوير ليلي حسين 

الجمعة 23 أغسطس, 2019 | 05 : 50 ص

عن السلام وللسلام بريطانيا تعترض سفينة تحمل مهاجرين . الي متي ؟؟؟ لماذا لا يريد الناس ان يتعلم من أخطاء غيرهم في الهجرة الغير شرعية  لماذا الاصرار علي تحقيق حلم غير مشروع بطريقة غير مشروعة فتصبح حياتة غير مشروعة وعليه يتعرض للأتجار بهذا المهاجر الغير مشروع . الي متي ؟؟؟ عزيزي المهاجر ب ....

المزيد >>

لماذا الصين الان وخاصتا هونج كونج ؟ ومناورات بين امريكا وسول ؟؟ بقلم ليلي حسين بقلم ليلي حسين

الإثنين 05 أغسطس, 2019 | 01 : 52 ص

اليس  من حق الصين ان تضع القانون الذي يحمي وطنها فلماذا الاعتراض ولما كل هذه الضجة   هل لأنها أصبح لها سوق اقتصادي رائج في كل المجالات ومعظم البلدان  هل ناتج عن تطورها تكنولوجيا بما يفوق الحميع ؟! فالننابع المتظاهرون يبدأون  إضرابا الرفضهم قانون تسليم المج ....

المزيد >>

مصر الامن والامان . بقلم / رامي ابراهيم

الخميس 01 أغسطس, 2019 | 01 : 45 ص

هاااااام جدااا...  كتير من الناس اللى بترقص وتطبل على الوجهين .. و تتفاجئ بتنزيل اخبار تتهم مصر بعدم الامان . بالتحرش .. بالاضطهاد . بالسرقة . بالنهب . بالمحسوبيه . بالفقر . بالمرض .....الخ الى اخره  ..مصر دى مش هى البلد اللى نشات فيها و عملتك انسان او انسانة و اتعلمت مجانا و اتعا ....

المزيد >>

ياسر عامر يكتب ....صراع العلم والدين " الجزء الرابع"

الإثنين 29 يوليه, 2019 | 09 : 03 ص

اذا كنت قد استهللت مقالي السابق " الصراع بين العلم والدين 3" بحدوث بعض الظواهر المعيقة لكتابة مقالي السابق، فاني استهل مقالي هذا بحدوث ظاهرة عكسية لما حدث، فالتقطت اجهزتي الاستقباليه بوابة مليئه بالاسرار ساكشف عنها فى حينها واستخدمها في كشف بعض الحقائق الخفية المعقدة باسلوب مبسط ج ....

المزيد >>
التعليقات