السبت : 28 مارس 2020 |


،،الى ما قبل بابل،،،،الى ما بعد بابل،،،،تقويض بابل،،لخالد البلوشي

كتب صلاح عبد المنعم

الجمعة 20 مارس, 2020 | 12 : 52 م


يسعى العُماني خالد البلوشي، في مشروعه الجديد "ترحال عبر قصص مترجمة"، الذي يتكون من ثلاثة أجزاء: "إلى ما قبل بابل"، "إلى ما بعد بابل"، "تقويض بابل"، إلى رصد التفاعلات الداخلية للغة حين تخرج من إطارها المحلي نحو ثقافات أخرى، وإلى رفد المكتبة العربية بمجموعة من الأعمال الإبداعية التي كُتبت باللغة الإنجليزية، وألّفها عدد من المبدعين الذين
ينتمون إلى دول تتّخذ الإنجليزية لغة أمّاً، أو لغة ثانية، أو لغة أجنبية.
الثلاثية الصادرة عن الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن، جاء الجزء الأول منها "إلى ما بعد بابل" في مئتين وسبع وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، وحفل باثنتي عشرة قصة من أربع دوائر حضارية، مثلت أولاها دولا غربية مثل أميركا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزلندا، والثانية دولا إفريقية مثل نيجيريا وزامبيا، والثالثة دولا آسيوية مثل الهند وسنغافورة، بينما جاءت الرابعة من دول كاريبية مثل هايتي.
وقد مثلت المجموعة رغم هذا الامتداد الجغرافي عالماً أحادي اللغة (قبل بابلي)، في محاولة من البلوشي للحصول على "ثيمة" موحدة تكشف عن الطريقة التي تتطور بها اللغة، حين يمتد نطاق استخدامها إلى خارج الدائرة الضيقة التي تقصرها على الناطقين بها بوصفها لغة أولى لهم، وهو الشيء الذي ينقص المكتبة العربية بحسب البلوشي. ويكمل قائلا إن هذا التنوع يأتي ليسد هذه الثغرة؛ فهي تقدم قصصا قصيرة من آسيا وإفريقيا وأوروبا وامريكا والبحر الكاريبي، وتتوزع القصص على أجزاء عدة، يمثل كتاب "إلى ما قبل بابل" –أحادي اللغة- أول هذه الأجزاء.
وهذا التوزيع هو عمل إجرائي في نهاية المطاف؛ لأن الإنسان سواء كان أحادي اللغة أم متعدد اللغات، يبقى غريبا ومنفيا أينما كان وكيفما كان. ومأتى غربتنا هو إنسانيتنا، فنحن نفوس لا تتسق على منوال، ولا تطّرد على حال.
أما الكتاب الثاني "ما بعد بابل" الذي جاء في مئتين وخمس وستين صفحة وحفل كذلك باثنتي عشرة قصة، فيطّرد على نفس الخط، مع إضافة مهمة، هي اختياره نصوصاً لكتاب بريطانيين وأمريكيين، لكنهم يعودون إلى أصول آسيوية وإفريقية، أو نصوصا أخرى تدور في فلك الحضارة الغربية والحداثة بينما كتابها ينتمون إلى دول من خارج الدائرة الجغرافية الغربية.
ويرى البلوشي أن ما يجمع هذه القصص بقصص الكتاب الأول هو أنها تُصنف بوصفها "أدب ما بعد الكولونيالية"، فتخوض فيها شخصية البلدان التي خضعت للاستعمار تركة الحقبة الاستعمارية بـ"هجنة" فيها عناصر من الثقافة المحلية وأخرى من ثقافة المستعمر. لكن ما يميز قصص الكتاب الثاني، أن التفاعل فيها بين الثقافة المستعمِرة والثقافة الخاضعة للاستعمار يأخذ وجها صداميا أحيانا، لكنه لا يفضي إلى نصرة ثقافة على أخرى، بل يخلق فضاء ثالثا تتجلى فيه الخبرة الإنسانية متشابكة متداخلة ملتبسة غامضة؛ فالقارات والدول والهويات تعجز عن احتوائها. هذا التوجه لا يأتي من فراغ، وإنما من خلفية فكرية أقرب إلى الاحتفاء بالاختلاف والشك والتردد منها إلى تمجيد الائتلاف واليقين والحسم؛ فاليقين والحسم يقتضيان كائنات لكل فرد منها شحصية صلدة صماء، أما الأدب فهو يعامل الإنسان برزخاً و"مابينية"، مثلما تكشف عنه قصص الجزء الثاني.
وهنا يطرح البلوشي سؤالا: هل لهذه الترجمات دور يمكن أن تؤديه في الحراك الثقافي العربي المعاصر؟ ذلك أن المتعة أو الدهشة الأدبية مخاض نُعرَّض فيه لخلاف مألوفنا بوصفنا كائنات اجتماعية؛ إلا أن المعرفة والألفة ليست عملية إدراك مجردة نقايس بها خبراتنا الجديدة على ما ترسخ في أذهاننا من افتراضات مسبقة، وإنما هي حكم وموقف؛ فما عُرف –بحسب موروثنا- وجب تبنيه، وما لم يُسمع به كان شرا وجب تجنبه، والحال أن الخير والشر يفسران بطرائق مختلفة، وكل تفسير محكوم بزمانه ومكانه، وبما فيهما من متغيرات آنية؛ إلا أن التصور السائد عندنا أنهما منتجان صلدان أصمان.
ومنظومتنا الثقافية السائدة في عالما العربي الإسلامي تفصل المعنى عن صانعه؛ فالحق ليس ما تفهمه بحسب سياقك، زمانا ومكانا، وإنما هو منتج موضوع فيما عُدَّ منبعه الأصلي، فإن اختلف فهمك عن ذلك المنتج كان خطأ أو انحرافا أو ضلالا [فيك] بحسب درجة الاختلاف. وقوام ذلك كله توحيد المعنى برده إلى ما عدت ماهيته.
وفي سياق الإجابة عن السؤال يرى البلوشي في الجزء الثالث "تقويض بابل" الذي جاء في مئة وخمس وعشرين صفحة، وجعله تحليلا للجزئين السابقين، أن التشظي والاضطراب هو الأصل، أما الثبات والتماسك فهو اصطناع؛ وبهذا الأخير نأتي بتصنيفات على شاكلة الأنا والآخر، الشرير والخيّر، المؤمن والكافر، الشرقي والغربي، هذه الثنائيات ومثيلاتها ليست كتلا وجودية صماء صلدة، وإنما هي فروض مسبقة إذا انعدمت انعدمنا، وإذا وُجدت وُجدنا، على أننا نحن الأفراد إن كنا أثرا لهذه الفروض فنحن أثر فيها في آن، فنحن بهذه الجدلية يخلق بعضنا بعضا، شأننا في ذلك أفرادا هو شأننا طقوسا وأعرافا، نخلقها وتخلقنا.
فإن رأينا ذلك كان الإسلام فهما/ترجمة، بل ترجمات كل له شخصية، كل حدث فريد يأبى الاستنساخ، ولا يمكن فهمه أبعادا وظلالا وألوانا ودرجات، ومن ثم لا معنى لأقوال على شاكلة العودة إلى الإسلام الحق أو إسلام السلف، أو مقولة الإسلام بوصفه دينا للسلام أو دينا للعنف، فأبلغ صوغ لنا، لإسلامنا أو لأي معنى آخر أن نترجم أجزاء منه، وإن كان هذا يُصطلح عليه في أدبيات الترجمة بأنه "خسارة" فإنه من المنظور الفكري والأخلاقي مكسب أيما مكسب؛ فهو يغرس فينا فضيلتي التواضع والاحترام الفكريين في آن، فإن رأينا أن "إسلام"نا إنما هو فهمنا/ترجمتنا دون سوانا أدركنا أنه أقرب إلى ما نحن عرضة له من الاجتماع والثقافة والاقتصاد والسياسة منه إلى نقطة تاريخية اتُّفق عليها مبدأً أو كلمة نُسبت إلى السماء، ومن ثم لا نراه حقا مطلقا كان علينا فرضه على غيرنا.
بمثل هذا التواضع والحزم نمد أيدينا إلى أهل الضفة الثانية، إلى المختلفين عنا، كائنة ما كانت أوجه الاختلاف بيننا، مؤمنين بأننا يمكن لنا أن نخلق لغة بشرية صافية تسمو على المذاهب والأديان والأعراق والأقطار والأمصار، وتتجاوز بل تحطم سلسلة المجازات التوحيدية، ومن ثم لا تكون لنا ضرورة ولا حاجة إلى المعنى الواحد ولا إلى الحق الواحد ولا إلى الأصل الواحد.
والخلاصة -بحسب المؤلف- أن اختلافنا واختلاجنا وتأرجحنا وتذبذبنا وخرفنا وبلهنا وهوسنا صوت كبت أُلبس السيئ من الأسماء، صوت إن أعرناه سمعنا كان مهمازا لنا لأن نسائل أنفسنا، مؤنبين موبخين إيانا على خمولنا ذهناً ومسلكاً؛ فنحن الأفراد أقرب إلى الكمال مبددين كل ما بُني على الأرض من أبراج وأيقونات منا إلى الاتكاء على علم راسخ وإقامة صرح ثابت يصل بنا إلى السماوات.
وخالد البلوشي أديب ومترجم عُماني، صدرت له مجموعة من الترجمات والأعمال الإبداعية والنقدية، مثل:
"عُمان في عيون الرحالة البريطانيين".
ترجمة مختارات من خمس مجموعات شعرية عُمانية.
هذا الليل لي لهلال الحجري (مترجم من العربية إلى الإنجليزية).
"جندي في مسكن شهد الذاكرة".
"استشراف التجربة العُمانية في جوادر".
"في القصيدة العُمانية الحديثة، نحو نقد ثقافي".
"الرواية العُمانية في ميزان النقد الثقافي".
وديوانا شعر هما: "سماوات دامسة" و"بوح خالد آل خالد".

 


اخبار ذات صلة

(أكاذيب النّساء) عمل إبداعيّ مميز للدكتورة سناء الشعلان يستحق القراءة

الجمعة 27 مارس, 2020 | 04 : 25 ص

خصت الأديبة الأردنية د.سناء الشعلان بالتحليل الأدبى لرواية " أكاذيب النساء " الذي قامت به د.منى محيلان الأستاذ المشارك بالجامعة الأردنية حيث قالت صدرت الطبعة الأولى لهذه المجموعة القصصية سنة 2019 عن أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، وهي المجموعة السادسة عشرة من سلسلة مجموعات الكاتبة ....

المزيد >>

"دفء" لعلا العمري.. متتاليات قصصية

الجمعة 27 مارس, 2020 | 04 : 23 ص

يشي عنوان المجموعة القصصية "دفء" للكاتبة الأردنية عُلا العُمري بالمعنى الذي تنطوي عليها الحكايات بما تحمل من حنين وذكريات، فالدفء، هو جانب معنوي يأنس إليه الإنسان بالحكاية التي ترتبط بمشاعره، ولكن الحكايات في الأردن بلد الكاتبة ترتبط أيضا بطريقة القص التي كانت تقوم بها الجدات وقت ....

المزيد >>

"عُمان وقضايا الإنسان في أدب هاشمية الموسوي".. تسليط الضوء على أدب الشاعرة الموسوي

الجمعة 27 مارس, 2020 | 04 : 20 ص

يشتمل كتاب "عُمان وقضايا الإنسان في أدب هاشمية الموسوي" الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بعمّان مؤخرا من مقدمة وخمسة فصول تتوزع على مئة وثلاثين صفحة من القطع المتوسط. تناول الفصل الأول من الكتاب الذي أعده ناصر أبو عون تجربة هاشمية الموسوي في مجال النقد عبر مقالين للدكتورة ....

المزيد >>

حياة الشيخ العلّامة الفقيه سعيد بن جويد الصوري في إصدار جديد

الجمعة 27 مارس, 2020 | 04 : 13 ص

صدر عمل تضمن مجموعة من الدراسات التي تناولت حياة الشيخ سعيد بن جويد الصوري وإنتاجه الفكري. وجاء الإصدار بالتعاون بين النادي الثقافي- سلطنة عُمان، و"الآن ناشرون وموزعون" في الأردن وذلك ضمن سلسلة البرنامج الوطني لدعم الكتاب في سلطنة عُمان، وقد حوى العمل مجمل الأوراق العلمية التي قُد ....

المزيد >>
التعليقات

فريق العمل




رئيس مجلس الإدارة
عبـــيـــر عيد سليمان


رئيس التحرير
صلاح عبد المنعم



مدير التحرير
احمد السيد


المدير العام للجريده
المستشار محمد عباس ابو مدرك


المستشار الاعلامي



المستشار السياسي
د.أحمد برعي


المستشار الإقتصادى
دكتور فكري السعيد


المستشار القانوني
المستشار ايمن نجيب مؤمن
المستشار جمال عبد الناصر
المستشار تامر سلامة


المستشار الفني
محمد تمام



مدير مكتب بورسعيد
جمال غنيم

سوزان البربري




مدير مكتب فلسطين


ناصر شحادي

نادرالحاجة
مدير مكتب السعودية
فهيمه حنان مراد





مدير قطر
خالد ابراهيم

مدير مكتب المغرب
سعيد بو نعجا


مدير مكتب كفر الشيخ
صلاح غبير

مدير مكتب لبنان
د.ايمان غصين
د.جمال شبيب






مدير مكتب الجيزة
رضا بدير


مدير مكتب جنوب سيناء
ياسر عامر
مديرمكتب سوهاج
عبد الحي عطوان








مدير مكتب الشرقية
رضا ماهر




مكتب البحيره
وائل القمري


مدير مكتبالمنوفية
مجدي عبدالله


مدير قسم التعليم
حمدي الروبي
رئيس قسم التعليم والتكنولوجيا
ليلي حسين


رئيس قسم الثقافة والفن
شيماء العطيفي