معرض القاهرة للكتاب 2026: عرس التنظيم والبهجة.. فهل نصون وعينا من “مذبحة التريند”؟بين تجربة الزوار الاستثنائية وتغول “تجار الوهم” في رحلة البحث عن المعرفة

​بقلم : محمد تمام

​بينما تُفتح الأبواب لـ “عرس القراءة” السنوي في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، تتجلى صور النجاح الباهر في جوانب متعددة، تجعل من زيارة المعرض تجربة لا تُنسى ومليئة بالبهجة. لكن هذا المشهد البهي لا يخلو من تحديات فكرية عميقة تستوجب وقفة؛ فخلف هذا التنظيم الرائع، تتوارى ظواهر سلبية تهدد بتسطيح الوعي وتشويه الذائقة الثقافية لجيل كامل. إنها لوحة متناقضة تجمع بين روعة الجهد التنظيمي ومرارة تردي بعض المحتوى المعروض.

​أولاً: الوجه المشرق.. قصة نجاح “مصري” في التنظيم والخدمة
​من يتجول في أروقة المعرض هذا العام، لا يملك إلا أن يشيد بجهود الدولة المصرية والمشرفين على تنظيم هذا الحدث الثقافي الضخم. لقد تحولت زيارة المعرض إلى تجربة “فريدة، لذيذة، وممتعة” بكل المقاييس، حيث تضافرت الجهود لتقديم صورة مشرفة ومبهرة:
​سهولة الوصول وانسيابية الحركة: لقد أولت الجهات المنظمة اهتماماً غير مسبوق بتيسير حركة الجمهور. توافرت أتوبيسات “خدمة معرض الكتاب” بكثافة غير مسبوقة، تمتد خطوطها لتغطي معظم أنحاء القاهرة الكبرى، وتعمل بانتظام ملحوظ. والأهم هو الرقابة الحازمة على سعر التذكرة الموحد (10 جنيهات فقط)، مما قضى على أي محاولات للاستغلال وضمن خدمة موثوقة ومريحة للقاصدين من كل الطبقات.
​تجربة دخول ميسرة: على عكس سنوات ماضية شهدت طوابير طويلة وإرباكاً، أصبحت منظومة حجز التذاكر هذا العام غاية في السلاسة. سواء عبر التطبيقات الذكية أو شبابيك البيع المباشر، فإن عملية الدخول لا تستغرق سوى دقائق معدودة، بفضل التنظيم الاحترافي الذي يضمن تدفقاً سلساً للزوار دون تكدس.
​الرقي في التعامل وجودة الإشراف: هذا العام، كان هناك فرق واضح في مستوى التعامل. أفراد الأمن والإشراف، وكذلك المتطوعون، يتعاملون بأقصى درجات الذوق والرقي. إذا كان هناك تنبيه مطلوب، يتم تقديمه بأسلوب مهذب ومحترم، وإن كان هناك سؤال عن مكان دار نشر أو خدمة معينة، يقابل المتطوعون الجمهور بصدر رحب ومعلومات دقيقة، مما يضفي جواً من الود والراحة على الأجواء العامة للمعرض.
​أسعار معقولة وعروض جاذبة: على الرغم من التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف الطباعة، لاحظ العديد من الزوار أن دور النشر بشكل عام، وخاصة الحكومية منها، قدمت أسعاراً في المتناول. بل وهناك العديد من الدور التي حرصت على تقديم عروض وخصومات مميزة داخل المعرض، مما شجع الكثيرين على اقتناء الكتب دون الشعور بالعبء المالي المفرط.
​انتظام وتخطيط رائع: المعرض بأكمله يشهد انتظاماً وتخطيطاً على أعلى مستوى. من اللوحات الإرشادية الواضحة، إلى توزيع الأجنحة، إلى توفير الخدمات الأساسية، كل شيء يسير وفق خطة محكمة تعكس جهداً كبيراً يستهدف راحة الزائر ونجاح هذا العرس الثقافي.
​الحقيقة، كان يوماً ولا أروع، وتجربة المعرض ككل هذا العام تدعو للفخر وتستحق كل الإشادة على هذا التنظيم المتقن.

​ثانياً: الوجه المظلم.. أغوار “الوهم” وتآكل الوعي في ظل غياب المعايير
​لكن هذا النجاح التنظيمي لا يجب أن ينسينا “المذبحة الفكرية” التي تُرتكب بصمت في بعض أروقة المعرض. فبينما ننعم بالراحة اللوجستية، تُباع سموم المحتوى وتُشوه الذائقة، مما يهدد بتسطيح الوعي العام لجيل كامل. إنها أزمة محتوى تستوجب وقفة حاسمة:
​1. “بورنوغرافيا الرومانسية” وسموم الأغلفة الزاهية:
لقد تحول الأدب الرومانسي، الذي كان يوماً يهذب الروح ويسامي المشاعر، إلى ساحة لـ “الهوس الجنسي” الفج. روايات تُكتب بلغة مبتذلة، لا هدف لها إلا دغدغة الغرائز البدائية للمراهقين. تُغلف بأسماء براقة وتصاميم “وردية” جاذبة لتمرير محتوى يخدش الحياء ويشوه فطرة الشباب الطاهرة. إنها “تجارة بالجسد” تحت مسمى “الأدب”، وجريمة تُرتكب في حق جيل يبحث عن هويته فيجد نفسه غارقاً في مستنقع من الابتذال الذي يُسوق له زوراً كـ “تحرر” و”مشاعر عميقة”. هذه الكتب تخلق تصورات مشوهة للعلاقات الإنسانية، وتغرس قيماً بعيدة كل البعد عن أصالة ثقافتنا.
​2. “أدب الرعب”.. حين يصبح الجهل “بضاعة” والمنطق يُغتَال:
أما “وهم الرعب” فهو الأزمة الكبرى والمتاجرة العلنية بالخوف الأعمى. نحن لا نرى أدباً يواجه النفس أو يحلل القلق الإنساني العميق بأسلوب فني، بل نرى “وجبات سريعة” من الخرافات، والجن، والطلاسم المسروقة من أفلام الدرجة الثانية. هؤلاء الكتاب يبيعون “الخرافة” لشبابنا، ويكرسون للجهل وتغييب العقل، محولين “الكتاب” من أداة تنوير إلى “حجاب” دجل يُباع في ورق مطبوع. إن الرعب الحقيقي ليس في قصصهم المكررة، بل في جيل يخرج وهو يؤمن بـ “الدجل” والشعوذة أكثر مما يؤمن بالعلم والمنطق، مما يمثل تهديداً خطيراً لمستقبل الفكر.
​3. مافيا “التريند” واغتيال “الكاتب الحقيقي”:
المأساة الكبرى تكمن في كواليس هؤلاء “النجوم الجدد”. بعضهم لا يكتب حرفاً واحداً، بل يعتمد على “ورش كتابة خفية” تصنع له المحتوى، نظير أجور بينما يتفرغ هو لجيوشه الإلكترونية و”فرق العمل” التي تصنع زحاماً مفتعلاً، ومسابقات وهمية، وطوابير “سيلفي” لا تهدف للقراءة، بل للاستعراض الاجتماعي. لقد هزم “الرقم” (Followers) القيمة (Value)، وأصبح الكاتب يُقاس بـعدد “اللايكات” لا ببلاغة الكلمات وعمق الفكرة، مما أدى لانسحاب وتواري الكاتب الحقيقي، الموهوب والجاد، خجلاً من هذا الصخب المبتذل.
​4. القلاع الصامدة.. بين العزلة وضجيج التفاهة:
في زوايا المعرض الهادئة، تقبع كنوز حقيقية تمثل “ضمير الأمة”: مجمع اللغة العربية، وزارة الثقافة بمبادراتها القيمة (مثل مكتبة الأسرة)، والمجلس الأعلى للثقافة، ودور النشر العريقة والمحترمة. هؤلاء هم حراس “اللغة” وحماة “الفكر”، يقدمون درراً فكرية بأسعار مدعومة وجهد علمي رصين. لكن للأسف، في زمن “الضجيج” و”اقتصاديات التفاهة”، يضيع صوت الحق. المفارقة موجعة: عالِم لغويات أفنى عمره في حماية لسان الأمة يجلس في جناح هادئ، بينما “مراهق فكري” يغلق الطرقات بمريديه!
​5. جريمة “المسخ اللغوي” واغتيال الذائقة:
لا يتوقف الأمر عند المحتوى، بل يمتد لـ “جريمة لغوية” مكتملة الأركان. هذه الإصدارات “التريند” تُكتب بلغة هي “مسخ” بين العامية الركيكة ولغة “الشات”، مما يؤدي لتآكل الذائقة اللغوية لدى الشباب. نحن أمام جيل لن يستطيع قراءة “طه حسين” أو “العقاد” مستقبلاً، لأن ذائقته أفسدتها هذه “السموم المطبوعة”، مما يهدد بقطع الصلة بين الجيل الجديد وتراثه الفكري العظيم، ويجعل اللغة العربية عرضة للتشويه والاندثار.
​ثالثاً: روشتة الإنقاذ.. نحو “ميثاق شرف” للكلمة واستعادة الوعي
​إن الاستمرار في هذا الانحدار يعني ضياع هوية أمة، لذا وجب التحرك بإجراءات “جراحية” تهدف لإعادة التوازن:
​رقابة “رقم الإيداع” وميثاق أخلاقي: لا يجب أن يكون الترقيم الدولي حقاً مكتسباً لأي إسفاف. يجب إلزام الناشرين بـ “لجنة تدقيق فني وأخلاقي” داخل كل دار نشر، وإقرار قانوني يضمن الحد الأدنى من الجودة اللغوية والقيمية.
​محاصرة “اقتصاديات التفاهة”: على اتحاد الناشرين شطب كل دار نشر تخصصت في الابتذال أو السرقات الأدبية، وفرض عقوبات صارمة على الدور التي تتاجر بالغرائز.
​تسويق “القيمة” بأدوات “العصر”: يجب على المؤسسات الرسمية المحترمة أن تخرج من عباءة “التقليدية” وتسوق إصداراتها العظيمة بأسلوب عصري جذاب يواكب الشباب وينافس “كتب الوهم” في عقر دارها (السوشيال ميديا)، لإثبات أن المعرفة ليست مملة.
​تفعيل دور النقد الحقيقي: يجب استعادة دور النقاد الأكاديميين الحقيقيين، وتوفير منصات لهم ليفضحوا هذا الزيف ويوجهوا الشباب نحو الأدب الحقيقي.
​ختاماً..
​إن المعرض هو “الترمومتر” الذي يقيس صحة عقل الأمة، وما نراه اليوم يشير إلى “حمى فكرية” تستوجب التدخل. المعرض ليس “سوقاً للورق”، بل هو “محراب للفكر”. فإما أن نستعيد هيبة الكتاب وسلطان اللغة، أو نترك الساحة لـ “تجار التفاهة” ليشكلوا عقول أبنائنا كما يشاءون. لنستمتع بالتنظيم الرائع، ولكن لنكن يقظين في اختيارنا، فـ “الكتاب أمانة، والكلمة مسؤولية؛ فاحذروا أن تبيعوا عقول جيل كامل في سوق المزايدات والتريندات الرخيصة.”

Loading

Ahmed El sayed

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏