كتب..محمد تمام
حين تصبح الأوطان مادة للمزايدة على طاولات المقاهي الافتراضية، وتباع الأوهام في سوق “اللايكات” الرخيصة، يصبح الصمت خطيئة توازي الخيانة. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة أرقام وجداول اقتصادية فحسب، بل هي معركة “وعي” ضد طوابير من الموتورين وتجار الأقنعة الذين اتخذوا من التدليس مهنة، ومن تجهيل العوام مذهباً، متناسين أن الدول لا تُبنى بالكلمات المرسلة، ولا تُحمى بدموع التماسيح، بل بالقرارات الجراحية الشجاعة والرؤى الاستراتيجية النافذة.
إلى كل مَن يمارس التدليس باسم التحليل الاقتصادي، وإلى كل مَن يجتزئ العبارات ليدغدغ عواطف العوام، وإلى من بلغت بهم الجرأة حد مقارنة مؤسسات الدولة الشرعية العريقة بميليشيات وتنظيمات مسلحة.. إليكم الحقائق الجافة التي لا تصمد أمامها الشعارات الجوفاء، والكلمات المرسلة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الفهم الاستراتيجي والوعي بقوانين بناء الدول وحماية الأمن القومي في الأوقات العصيبة.
إن الحديث عن سعر الدولار وأرقام الديون بلغة التخوين والتباكي العاطفي هو تعامٍ متعمد عن جوهر الأزمة وجذورها الحقيقية؛ فالجميع يعلم، أو ينبغي له أن يعلم، أن الاستقرار الذي عاشت فيه مصر لعقود لم يكن اقتصاداً إنتاجياً حقيقياً، بل كان اقتصاداً قائماً على المسكنات المؤقتة وتأجيل الأزمات وتثبيت سعر الصرف اصطناعياً عبر استنزاف مرير للاحتياطي النقدي الأجنبي دون بناء قاعدة صناعية أو بنية تحتية قادرة على تحمل صدمات المستقبل، وهذه السياسة العقيمة هي التي أورثتنا بلداً يئن تحت وطأة الترهل.
وجاءت أحداث عام ألفين وإحدى عشر وما تلاها من اضطرابات وشلل تام لتعمق الجرح، حيث توقفت شرايين الاقتصاد الكلي، وضُرب قطاع السياحة في مقتل، وهربت الاستثمارات الأجنبية بالكامل، وأغلقت آلاف المصانع، مما خلق فجوة تمويلية هائلة تطلبت ضخ مئات المليارات لإعادة بناء ما تم تدميره وإعادة الدولة إلى نقطة الصفر ثم الانطلاق بها. ومن هنا يتضح أن الفارق بين الأمس واليوم هو الفارق بين طبيب يعطيك مسكناً لمرض عضال حتى يتفشى في الجسد، وبين قيادة تملك الشجاعة الجراحية لاستئصال المرض بمواجهة الأزمات وجهاً لوجه وتحمل كلفة الإصلاح الحتمي حماية للأجيال القادمة؛ لأن الأوطان لا تُبنى أبداً بدفن الرؤوس في الرمال أو بالانصياع لمنطق المزايدات.
وفي سياق متصل، يتباكى هؤلاء الموتورون على نقل المقرات الإدارية والسيادية إلى العاصمة الجديدة، ويسوقون تحليلات متناقضة تكشف زيف عقولهم؛ فتارة يزعمون أنها ثكنة محصنة لعزل السلطة والتصدي للشعب، وتارة أخرى ينقضون غزل أنفسهم ويدعون أنها بؤر رخوة وهدف سهل يمكن تدميره في بضع ساعات، وهذا التخبط يعكس جهلاً مطبقاً بأبسط أبجديات العلوم العسكرية والجيوسياسية الحديثة.
إن تكدس مراكز إدارة الدولة والوزارات السيادية ومراكز البيانات الحساسة في عمق كتلة سكنية كبرى ومزدحمة مروريًا كالقاهرة التاريخية هو الخطر الأكبر على الأمن القومي وقت الأزمات والحروب؛ لأنه يشل تماماً قدرة القيادة على السيطرة وإدارة العمليات، ويجعل الملايين من المواطنين المدنيين بمثابة دروع بشرية ورهائن لأي استهداف أو فوضى، ولا توجد دولة عاقلة في العالم المعاصر تترك مفاصل حكمها رهينة للتكدس أو الشغب.
إن نقل هذه المؤسسات إلى عاصمة ذكية مؤمنة ومترابطة شبكياً عبر مراكز بيانات موحدة بشرق القاهرة ليس هرباً ولا عزلة، بل هو تأمين عبقري لاستمرارية الدولة وتحصين لقرارها السيادي تحت أي ظرف، فضلاً عن أنه يمثل اقتراباً استراتيجياً مدروساً من الجبهة الشرقية لإقليم القناة وسيناء، حيث تُحاط العاصمة بأحزمة دفاع جوي هي الأقوى وأكبر القواعد العسكرية ومراكز القيادة لضمان الردع السريع ضد أي تهديد خارجي، متحفزة بجوار شبكة أنفاق وتنمية شاملة تهدف إلى ملء الفراغ الجغرافي شرق القناة كما تقتضي أصول الجغرافيا السياسية الحقة.
ولقد بلغ الإفلاس الفكري بهؤلاء الأبواق حداً مقززاً حين تجرأوا على المقارنة بين رداء وجلال القادة النظاميين في الجيوش العريقة، وبين المظهر الزاهد المصطنع لزعماء جماعات مسلحة وإرهابية خارجة عن القانون، غافلين في غيهم عن أن النياشين والأوسمة العسكرية التي تزين صدور القادة في الجيوش النظامية ليست ألعاباً أو وجاهة شخصية يضعها المرء لنفسه، بل هي بروتوكولات صارمة ورموز رسمية معتمدة في كافة الجيوش النظامية حول العالم تعكس عقوداً طويلة من التدرج الوظيفي، والخدمة الوطنية، والفداء، والالتزام بالقوانين والأعراف الدولية في حماية الأرض والشعب.
أما الميليشيات والتنظيمات المسلحة فما هي إلا كيانات فاقدة للشرعية الدولية والتاريخية، لا تملك تقاليد عسكرية ولا عهوداً وطنية، وما ذلك المظهر البسيط الذي يتعمد قادتها التصدير به إلا بروباغندا رخيصة ومدروسة لدغدغة مشاعر الأتباع وتجنيد العقول المغيبة، بعد أن برعوا وتخصصوا في تكفير مجتمعاتهم، وسفك دماء الأبرياء، وتفكيك الدول الوطنية لتحويل بلدانهم إلى ساحات ممزقة ورهينة للقوى الإقليمية والدولية، وشتان شتان بين جيش نظامي يحمي وطناً عمره آلاف السنين وبين أمير جماعة مسلحة تخصص في هدم أركان وطنه.
إن الدولة المصرية قد وَعَتِ الدرس القاسي الذي مرت به جيداً، ولن تسمح مجدداً تحت أي شعار براق أو غطاء حقوقي زائف بشل مفاصلها، أو محاصرة مقراتها السيادية، أو جرها إلى مستنقع الفوضى والانهيار الذي ابتلع دولاً بأكملها من حولنا ولم تقم لها قائمة حتى الآن. إن هذه المشاريع العملاقة والتحديث الشامل للدولة هما درع الأمان الذي يقطع الطريق على طموحات الخونة وأصحاب الأجندات التخريبية في إسقاط الوطن، ومهما تعالت أصوات المشككين الذين يقفون على الرصيف متباكين، متمنيين من أعماق قلوبهم سقوط الدولة ليعودوا هم إلى صدارة المشهد، فإن وعي الشعب المصري وصموده يظلان الصخرة الصلبة الحرة التي تتحطم عليها كل هذه الأباطيل والمؤامرات.
حفظ الله مصر.. شعباً عظيماً واعياً، وجيشاً وطنياً باسلاً، ومؤسسات عريقة راسخة أبد الدهر. 🇪🇬❤️
✍️ بِقَلَمْ: مُحَمَّد تَمَام
![]()

