الأخلاق.. صمام أمان الأمة وبوصلة البناء الإنساني

كتب..محمد تمام

​شهدت جنبات المسجد في هذا اليوم المبارك غرسًا فكريًا وإيمانيًا استثنائيًا، حيث ارتقى منبر الجمعة فضيلة الدكتور عثمان متولي، استشاري أمراض الباطنة ومدير مستشفى سنورس الأسبق، حفظه الله.
ولم تكن هذه الخطبة مجرد سرد لوَعظ مكرر أو إلقاء عابر، بل كانت بمثابة تشخيص طبي واجتماعي دقيق لواقع الأمة المعاصر، انطلق فيه الخطيب من خلفيته العلمية الرصينة كطبيب خبير يداوي الأبدان، وكمصلح غيور يسعى لمداواة الأرواح والظواهر الاجتماعية التي طرأت على مجتمعاتنا. لقد اتخذت الخطبة من الأخلاق محورًا ثابتًا يدور حوله صلاح الفرد واستقامة المجتمع بأسره، وتطرق فيها فضيلته ببيان بليغ مستفيض الأركان، ممتد الأبعاد، إلى فريضة الإخلاص في العمل، محذرًا في الوقت ذاته وبأعلى درجات الحرص من طوفان الانفلات الأخلاقي الذي بات يهدد البناء الاجتماعي ويقوض أركانه في العصر الراهن.
​لقد استهل الخطيب حديثه الممتع بتأصيل عميق للمفهوم الإيماني للأخلاق في الإسلام، موضحًا ومستفيضًا في أن الأخلاق ليست مجرد سلوكيات تجميلية أو نوافل تطوعية يختار المرء ممارستها وقتما يشاء، بل هي جوهر الرسالة المحمدية وشرط أساسي لاكتمال الإيمان وعلامة على صحة العقيدة. وبينت الخطبة أن الله سبحانه وتعالى لخص عظمة نبيه الكريم في آية جامعة مانعة، فقال عز وجل: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” في سورة القلم، ليتضح لنا أن الأخلاق هي الثناء الأسمى الذي استحق به الرائد الأول للأمة هذه المكانة الرفيعة عند رب العالمين. وعضد الدكتور عثمان هذا التأصيل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يختصر غاية البعثة النبوية كلها في قوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. ولم يقف عند هذا الحد بل أفاض في تبيان منزلة حسن الخلق في الميزان يوم القيامة، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم: “ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق”، ليرسخ في نفوس الحاضرين أن العبادة الحقة هي التي تثمر سلوكًا قويمًا يراه الناس في المعاملات اليومية.
​ثم انتقل الخطيب بحسه المهني المسؤول وعاطفته الأبوية ليضع يده على ثغرة عظيمة من ثغور المجتمع، وهي الأخلاق المهنية وركيزتها الكبرى المتمثلة في الإخلاص في العمل. وأكد بإسهاب شديد أن العبادة في المنظور الإسلامي الشامل لا تنحصر أبدًا في المحاريب والمساجد، بل تمتد لتشمل الإتقان المطلق في العيادة، والمدرسة، والمصنع، والورشة، وفي كل ميدان من ميادين الحياة. وبحكم موقعه وخبرته الطويلة، أفاض الخطيب في الحديث عن أمانة الطبيب في مداواة الأبدان وحفظ أسرار المرضى، واصفًا مهنة الطب بأنها خلافة في الأرض لرفع الألم عن البشر، وشدد على أن إخلاص الطبيب يتجلى في يقظة ضميره الدائمة، وفي نظره إلى المريض كإنسان مكرم متألم لا كحالة مادية أو وسيلة للتكسب، مستشهدًا بروح المسؤولية التي تحتم بذل قصارى الجهد في التشخيص والعلاج دون تفريط أو تجارة بآلام الناس ومواجعهم.
​وقد تعمقت هذه الرؤية الطبية حينما لامس فضيلته واقع الممارسات المعاصرة في القطاع الصحي، منبهًا بضمير الحيّ الغيور على مهنته إلى أن التزام الطبيب الأخلاقي يتنافى تمامًا مع كتابة أدوية غير ضرورية للمريض أو توجيهه لتحاليل وأشعات لا يحتاجها طمعًا في نسب أو عمولات مادية، ومحذرًا من تراجع البُعد الإنساني في المنظومة الطبية أمام طغيان البُعد الاستثماري، ومؤكدًا أن الطبيب حين يفقد تعاطفه مع المريض يتحول من مداوٍ للأوجاع إلى شريك في تعميقها، وهي شهادة حية نابعة من قلب المعاناة والخبرة الطويلة للخطيب في إدارة المستشفيات ومعاينة أحوال الناس ومآسيهم عن قرب.
​ولم يغفل الخطيب في هذا السياق الممتد دور المعلم ورسالته العظيمة في بناء العقول وصياغة هوية الأجيال، فوصف المدرس بأنه مهندس العقول الحقيقي والمسؤول الأول عن صياغة وجدان الأمة. واعتبر الدكتور عثمان أن تقاعس المعلم عن أداء رسالته كاملة داخل فصول العلم، أو حجب المعرفة والأسرار التعليمية لتوجيه الطلاب نحو مسارات أخرى ضيقة تنهك كاهل الأسر، هو بمثابة هدم ممنهج لجيل كامل، وضياع لأمانة عظيمة سيسأل عنها المعلم بين يدي الله يوم القيامة صراحة. واسترسل الخطيب ليربط هذا الأمر بمسؤولية صاحب كل حرفة ومهنة، من نجار وسباك وبناء وموظف، مؤكدًا أن استقرار المجتمع وأمنه يعتمد بالكلية على تكامل هذه المهن وإخلاص أصحابها، فإذا غش الصانع في خاماته، أو تماطل الموظف في قضاء مصالح الناس، اختل توازن الحياة العام، ودخل المجتمع في دائرة مفرغة من الفوضى والفساد المتبادل الذي يكتوي بناره الجميع. ودعم الخطيب هذا المحور العظيم بالأدلة الشرعية والآثار، فقرأ من القرآن الكريم قول الله تعالى: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” في سورة التوبة، واستحضر من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”، ثم أورد أثرًا بليغًا عن الصالحين يروى عن الإمام الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى “ليبلوكم أيكم أحسن عملاً”، حيث قال: “أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة”، مما أضفى على هذا المحور عمقًا سلوكيًا هز وجدان المصلين.
​وفي النصف الثاني من الخطبة المباركة، قرع الدكتور عثمان متولي ناقوس الخطر بجرأة المصلح الحكيم وشجاعة الداعية المخلص، مسميًا الأشياء بمسمياتها دون مواربة فيما يخص ظاهرة الانفلات الأخلاقي التي بدأت تتسلل كالنار في الهشيم إلى بيوتنا وشوارعنا وعلاقاتنا الاجتماعية بجميع أشكالها. واستفاض الخطيب في تشخيص مظاهر هذا الانفلات المقلق، متحدثًا بإسهاب عن تراجع قيم الحياء والستر في المعاملات اليومية، وخاصة على منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات مفتوحة للمجاهرة بالمعاصي، ونشر الخصوصيات، وتتبع العورات، وهتك أستار البيوت. كما أطال النفس في بيان خطورة غلبة الماديات والأنانية المفرطة التي تسببت في سيطرة ثقافة “الغاية تبرر الوسيلة”، فصار السعي وراء الكسب السريع وجمع المال هو المحرك الأساسي لكثير من الناس بغض النظر عن كونه حلالاً أم حرامًا. وحذر الخطيب بشدة من انتشار العنف اللفظي والجسدي في الشوارع، وغياب الكلمة الطيبة الكاشفة عن طيب المنبت، والاندفاع السريع نحو الخصومة والفجر فيها، وهجر قيم التسامح والصفح والعفو التي كانت تميز مجتمعاتنا الأصيلة. وتلا الخطيب زاجرًا من القرآن الكريم يبين شؤم المعاصي وذهاب الأخلاق، وهو قول الله عز وجل: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” في سورة الروم، وعقبه بالتحذير النبوي الشديد من المجاهرة واستهان الناس بالذنوب، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين”.
​ولم تنتهِ خطبة الدكتور عثمان عند حدود التشخيص وذكر الداء، بل إنه كطبيب حاذق ومصلح بصير، وضع روشتة علاجية متكاملة ومطولة لاستعادة التوازن الأخلاقي المفقود وإصلاح ما أفسدته الأيام. وتوسعت الخطبة في تبيان الخطوات العملية للعلاج، وبدأتها بضرورة تفعيل الرقابة الذاتية والوصول إلى مقام الإحسان، بأن يستشعر كل عامل وصاحب مهنة وطبيب ومعلم مراقبة الله سبحانه وتعالى له في سره وعلنه، ويعلم أن الله مطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ثم شدد الخطيب مستفيضًا على أهمية إحياء دور الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية، ليعود البيت وتعود المدرسة إلى دورهما الأصيل والأساسي في غرس القيم، وبناء الرجولة، وتربية الفتيات على الحياء، وحماية الأبناء من رياح التغريب والانفلات الفكري والسلوكي. واختتم الخطيب خطبته المطولة بالتأكيد على أصل عظيم من أصول النجاة وهو التكافل والتناصح بين أفراد المجتمع، وتفعيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة الرفيقة، دون عنف أو تشهير أو تجريح، ليبقى المجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
​وخلاصة البيان التي تضمنها هذا اليوم المشهود، أن الأخلاق هي الدعامة الحقيقية والحصن الحصين الذي لا تنهض أمة ولا تستقر حضارة بدونها، وحينما يمتزج علم الطب التجريبي بوعي الدين الإيماني، يخرج للمجتمع خطاب رصين بليغ كالذي استمعنا إليه اليوم؛ خطاب يذكرنا بأن صلاح دنيانا واستقرار عيشنا مرتبط أشد الارتباط بصلاح ديننا وأخلاقنا واستقامة ضمائرنا.
​إن هذه الخطبة الشاملة لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء صلاة الجمعة أو بإنصات المصلين لها في سياقها الزمني، بل إنها تطالبنا جميعاً بتحويل كلماتها إلى ورشة عمل حقيقية نعيشها داخل كل بيت، وعيادة، ومدرسة، ومصنع؛ فالسؤال الحقيقي والملحّ الذي يواجه كل واحد منا الآن بعد قراءة وتدبر هذه الكلمات: ما هي الخطوة العملية الأولى التي سأتخذها في حركتي اليومية لإصلاح ذاتي وأخلاقي المهنية والشخصية، لأكون طوبة صالحة في بناء هذه الأمة؟ جزى الله الخطيب الفاضل الدكتور عثمان متولي خير الجزاء على ما قدم وأفاض، وحفظ الله مجتمعاتنا وبيوتنا من كل سوء وانفلات، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏