معلمة رياض الأطفال بين رسالة التربية وأعباء الإدارة.. مسؤوليات مضاعفة في ظل العجز

بقلم: هاله حامد

في الوقت الذي نؤكد فيه أهمية مرحلة رياض الأطفال باعتبارها حجر الأساس في بناء شخصية الطفل وتشكيل وعيه، تبرز على أرض الواقع مشكلة تحتاج إلى وقفة جادة، وهي نقص الإداريات داخل العديد من مؤسسات رياض الأطفال، الأمر الذي جعل المعلمة تتحمل أعباءً إدارية إضافية إلى جانب مسؤوليتها التربوية والتعليمية.

فلم تعد مهمة معلمة الروضة مقتصرة على استقبال الأطفال، وتنفيذ الأنشطة، وتنمية مهاراتهم، ومراعاة الفروق الفردية بينهم، بل أصبحت مطالبة أيضًا بأداء العديد من المهام الإدارية، من متابعة السجلات والملفات، وإعداد البيانات والإحصاءات، ومتابعة الحضور والغياب، وتنظيم الأعمال اليومية، واستيفاء المستندات المطلوبة، وغيرها من الأعمال التي تستنزف جزءًا كبيرًا من وقتها وجهدها.

معلمة واحدة.. مسؤوليات متعددة

إن معلمة رياض الأطفال تؤدي رسالة شديدة الخصوصية؛ فهي تتعامل مع طفل في مرحلة عمرية تحتاج إلى رعاية واهتمام ومتابعة مستمرة، ولا يمكن أن ينشغل دورها الأساسي عن الطفل أو يتراجع بسبب تراكم الأعباء الإدارية.

فكيف نطالب المعلمة بتقديم تعليم متميز، وتنفيذ أنشطة إبداعية، ومتابعة النمو اللغوي والمعرفي والسلوكي للأطفال، وفي الوقت نفسه نكلفها بأعمال إدارية متعددة في ظل غياب العنصر الإداري المتخصص؟

إن تعدد المسؤوليات لا يعني بالضرورة ضعف الأداء، ولكنه قد يؤدي إلى استنزاف طاقة المعلمة، ويقلل من الوقت المتاح للتخطيط والإبداع والتفاعل المباشر مع الأطفال.

بين الواقع والمأمول

لا شك أن المعلمات يتحملن هذه الأعباء بدافع الإخلاص والانتماء وحرصهن على انتظام العمل داخل الروضات، ويبذلن جهودًا تستحق كل التقدير والاحترام، ولكن لا ينبغي أن يتحول هذا الإخلاص إلى بديل دائم عن توفير الاحتياجات الفعلية للمؤسسة التعليمية.

فالعجز في الإداريات ليس مجرد مشكلة تتعلق بتوزيع الأعمال، بل هو تحدٍّ يؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في جودة العملية التعليمية، وفي قدرة المعلمة على التفرغ لرسالتها الأساسية.

ما الحل؟

إن مواجهة هذه المشكلة تتطلب رؤية عملية، تبدأ بحصر العجز الفعلي في الإداريات داخل الروضات، والعمل على توفير العدد المناسب منهن، وإعادة توزيع الأعباء الإدارية بما يحقق العدالة، مع الاستفادة من التحول الرقمي في تقليل الأعمال الورقية وتبسيط الإجراءات.

كما يجب مراعاة طبيعة عمل معلمة رياض الأطفال عند تكليفها بأعمال إضافية، وألا تؤثر هذه التكليفات على حق الطفل في الرعاية والاهتمام، أو على حق المعلمة في أداء رسالتها التربوية بكفاءة.

رسالة إلى صناع القرار

إن الاستثمار الحقيقي في مرحلة رياض الأطفال لا يكون بتطوير المناهج والأنشطة فقط، بل يبدأ بتوفير بيئة عمل مناسبة، وموارد بشرية كافية، وتوزيع عادل للمسؤوليات.

فالمعلمة التي نقف معها اليوم مطالبة بأن تكون مربية ومعلمة وإدارية في وقت واحد، تحتاج منا إلى التقدير والدعم، لا إلى المزيد من الأعباء.

ولنتذكر دائمًا أن كل دقيقة تقضيها المعلمة في إنجاز عمل إداري كان من الممكن أن تكون دقيقة إضافية في تعليم طفل أو اكتشاف موهبته أو احتواء احتياجه.

دعونا نعيد للمعلمة وقتها ورسالتها، ونوفر لكل فرد في المنظومة دوره الذي يستطيع من خلاله أن يبدع ويتميز؛ لأن بناء الإنسان لا يتحقق إلا بمنظومة متكاملة تحترم التخصص وتقدر الجهد وتدعم العطاء.

Loading

أحمد السيد

Learn More →