كتبت…هاله حامد
إلى متى……؟
متى تصبح الأعمال خالصة لله تعالى، دون انتظار أجر أو كلمة شكر من الآخرين؟
إلى متى نظل ننتظر كلمة شكر حتى نشعر بقيمة ما قدمناه؟ وإلى متى نربط عطاءنا بتقدير الآخرين، ونقيس نجاح أعمالنا بمدى ما نحصل عليه من كلمات الثناء والإشادة؟
أصبحنا أحيانًا نعيش في انتظار كلمة «شكرًا»، أو نظرة تقدير، أو اعتراف بالجميل، فإذا لم تأتِ، تسلل إلينا الإحباط، وشعرنا أن جهودنا ذهبت هباءً، وربما توقفنا عن العطاء، وكأن قيمة العمل لا تكتمل إلا بتصفيق الآخرين.
لكننا ننسى حقيقة عظيمة: أن هناك أعمالًا لا يراها الناس، ولكن الله يراها، وهناك جهودًا لا يذكرها أحد، ولكنها لا تضيع عند الله.
الإخلاص ليس مجرد كلمة نرددها، بل هو منزلة تحتاج إلى مجاهدة للنفس؛ أن تعمل بإتقان لأن هذا واجبك، وأن تساعد لأنك قادر على المساعدة، وأن تبذل جهدك لأنك تؤمن برسالة ما تقوم به، لا لأنك تنتظر مقابلاً أو منصبًا أو إشادة.ولا يعني ذلك أن الشكر والتقدير أمران غير مهمين؛ فالكلمة الطيبة حق إنساني، والتقدير يحفز النفوس ويمنحها طاقة للاستمرار. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التقدير هو الدافع الوحيد للعمل، وعندما يتحول غيابه إلى سبب للتوقف عن الخير.
وفي ميادين التربية والتعليم، تتجلى هذه القضية بوضوح. فكم من معلمة بذلت من وقتها وجهدها، واحتوت طفلًا، ورسمت البسمة على وجهه، وعلمته قيمة أو سلوكًا، دون أن يعرف أحد حجم ما قدمته! وكم من إنسان حمل مسؤولية أكبر من حدود وظيفته، وسعى من أجل نجاح فريقه، ثم مر جهده دون أن يلتفت إليه أحد!
هل يتوقف العطاء لأن أحدًا لم يشكرنا؟ وهل نفقد إيماننا برسالتنا لأن البعض لم يقدر تضحياتنا؟
إن العمل الخالص لله لا يعني أن نقبل الظلم أو نتنازل عن حقوقنا، ولا يعني أن نسمح باستغلال جهودنا أو إهدار كرامتنا. فمن حق كل إنسان أن يُنصف ويُقدَّر، وأن يطالب بحقه بأدب وثبات. لكن عليه ألا يجعل قلة التقدير تسرق منه نقاء نيته، أو تحوّل قلبه إلى ساحة انتظار دائم لرضا الناس.
ولنتذكر قول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9].
يا من تعمل في صمت، وتبذل جهدك دون ضجيج، وتزرع الخير ولا تنتظر حصادًا من البشر، لا تحزن إن لم يصفق لك أحد؛ فليس كل عمل عظيم يحتاج إلى جمهور، وليس كل صاحب أثر معروفًا لدى الناس.
اجعل نيتك لله، وأتقن عملك، واحفظ حقك، ولا تنتظر من البشر أن يمنحوك قيمتك.
فإلى متى ننتظر أن يرانا الناس، بينما يكفينا أن الله يرى؟
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه هو أن نعمل بإخلاص، ونفرح بالتقدير دون أن نتعلق به، ونواصل الخير دون أن ننتظر مقابلاً؛ لأن ما كان لله يبقى أثره، وما كان للناس وحدهم قد ينتهي بانتهاء تصفيقهم.
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم.
![]()

