بقلم: محمد تمام
في دهاليز السياسة الدولية، حيث تُحاك المؤامرات وتُبنى الاستراتيجيات خلف الأبواب الموصدة، ينقسم اللاعبون إلى صنفين لا ثالث لهما: صنفٌ يشيّد بصمتٍ قصوراً شاهقة من الإنجازات والوقائع الملموسة، وصنفٌ آخر تخصص في تشييد “أبراج الورق” التي تعتمد في صمودها على ضجيج المحركات الإعلامية وهدير التصريحات النارية. ومع اقتراب تلك اللحظة الحرجة التي يسمونها “ساعة الصفر” —والتي يلوح بها “ترامب” في تهديده الأخير— لم يعد العالم يقف على أطراف أصابعه ارتعاداً من زلزال جيوسياسي قد يقلب الموازين، بل يقف متفرجاً في الصفوف الأولى لمسرحية عبثية جديدة، أتقن بطلها فن “دبلوماسية الحافة”؛ تلك الدبلوماسية التي تبيع الهلع قبل الفعل، وتستعرض القوة قبل امتلاكها، في مشهدٍ لا يمكن تسميته بغير اللغة الواضحة الصريحة إلا بأنه: “التهديد الفنكوشي” في أبهى صوره السينمائية.
إن فلسفة “الموعد النهائي” في مدرسة ترامب ليست جدولاً زمنياً للتنفيذ، بل هي “كمين نفسي” بامتياز. يرمي الرجل قفاز التحدي، يضبط ساعة العالم على توقيته الخاص، ويحبس الأنفاس في صدور المتابعين. الهدف هنا ليس الفعل في حد ذاته، بل حالة الرعب والارتباك والترقب التي تسبق ذلك الفعل المفترض. إنه يدرك جيداً أن “هيبة التهديد” في الوعي الجمعي غالباً ما تكون أقوى أثراً وأشد فتكاً من “التهديد نفسه” إذا ما وُضع على أرض الواقع.
لماذا هو “فنكوش”؟
حين نُشرح هذا التهديد بمبضع الواقع، ونضعه تحت مجهر التجربة التاريخية والسياسية، نكتشف سريعاً أنه يفتقر إلى تلك “العضلات” التنفيذية والقدرة الفعلية على تغيير مسارات التاريخ؛ فهو أشبه ما يكون بـ “نمر من ورق” يزأر في الفراغ ليخيف العصافير، لكنه يعجز عن خوض غمار المعركة الحقيقية. إنها هيكلية هشة تتهاوى أمام أبسط قواعد المنطق السياسي، لأنها تُبنى على “الاستعراض” لا على “الاستراتيجية”، وتعتمد على “الحالة المزاجية” لحظة إطلاق التصريح لا على دراسات الغرف المغلقة.
إن هذا النوع من التهديدات يُولد ميتاً إجرائياً، لكنه يظل يطنّ في آذان الإعلام كأنه “إعصار” مدمر، بينما هو في الحقيقة مجرد “ظاهرة صوتية” تقتات على دهشة المتابعين وحيرة المحللين الذين يبحثون عن “معنى” في نصٍّ كُتب أساساً ليكون بلا معنى، سوى إثارة الغبار والتغطية على توازنات القوى الحقيقية، وذلك لعدة أسباب:
المصالح المتشابكة: الاقتصاد العالمي اليوم ليس قطعة “دومينو” تسقط بقرار منفرد؛ فهناك خيوط عنكبوتية غير مرئية تربط واشنطن بالعالم، تجعل من تنفيذ التهديدات القاسية نوعاً من “الانتحار المشترك” الذي لا يجرؤ أحد على ضغط زناده.
حائط المؤسسات: بين لسان ترامب وأرض الواقع تقف مؤسسات أمريكية عاتية، من “كابيتول هيل” إلى المحاكم الفيدرالية، وهي كفيلة بتحويل “الإعصار” المنتظر إلى مجرد “عاصفة في فنجان” قانوني طويل الأمد.
تكتيك “البالونة”: يتم نفخ التهديد حتى يصل إلى أقصى حجم ممكن ليملأ الأفق ويحجب الرؤية، وفي اللحظة التي ينتظر فيها الجميع الانفجار المروع، يتم “تنفيس” البالونة تدريجياً عبر مفاوضات خلفية، ليخرج الجميع بابتسامات عريضة في صورة “المنتصرين”.
ما وراء الضجيج
الحقيقة المرة هي أننا لسنا أمام استراتيجية دولية رصينة بقدر ما نحن أمام “عرض تجاري” بصبغة سياسية فجة. ترامب يخاطب “الناخب” البسيط في ولايات الوسط قبل أن يخاطب “زعماء العالم”. يريد أن يرسخ صورته كـ “البلدوزر” الذي لا يلين، بينما يدرك هو وفريقه خلف الكواليس أن السياسة في نهاية المطاف هي فن الممكن والمناورة، وليست فن الانتحار الجماعي على عتبات المواعيد النهائية.
الخاتمة: عفوًا.. لقد نفد رصيد التهديد!
وهكذا، وبينما ينشغل المحللون في قياس سرعة الرياح السياسية القادمة، يظل “الفنكوش” هو الثابت الوحيد في هذه المعادلة الصاخبة. إن اللعب على أوتار المواعيد النهائية لم يعد سوى محاولة بائسة لبيع “الوهم” في زجاجات أنيقة؛ حيث يُراد لنا أن نصدق أن العالم سينتهي فور توقف عقارب الساعة التي ضبطها “سيد الصفقات” بنفسه. لكن الحقيقة التي يدركها القارئ الذكي هي أن هذه التهديدات ليست أكثر من “قنبلة دخان”؛ تملأ الفضاء ضجيجاً وعناوين براقة، لتغطي على حقيقة العجز عن اتخاذ قرار حقيقي يغير مجرى التاريخ.
إننا أمام ظاهرة “دبلوماسية التيك توك”؛ سريعة، مثيرة، وخالية من المضمون العميق. وفي النهاية، عندما تنقضي المدة المحددة، لن يجد العالم نفسه أمام زلزال مدمر، بل أمام تغريدة جديدة تحاول تبرير لماذا لم يحدث شيء! سنكتشف جميعاً أننا دفعنا تذكرة الدخول لمشاهدة فيلم رعب طويل، لنكتشف في مشهده الأخير أن “الوحش” لم يكن سوى “خيال مآتة”، وأن التهديد “النووي” المزعوم لم يكن إلا مفرقعات احتفالية لخدمة أغراض انتخابية ضيقة.
عزيزي القارئ، لا تشترِ الساعات لمراقبة انتهاء المدة، فالمواعيد في مدرسة “الفنكوش” تُكتب بمدادٍ يتبخر بمجرد ملامسته لواقع المصالح والتعقيدات. فاستمتع بالعرض، وتناول “الفشار”، وانتظر الموعد النهائي القادم.. فهو قادم لا محالة، وبنفس درجة “الفنكشة” المعهودة!
محمد تمام
![]()

