بقلم مجدي الشهيبي
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات أو بحجم الترسانة العسكرية؛ فقبل أن تتحرك الجيوش، تبدأ معارك أكثر تعقيدًا في الخفاء، تستهدف العقول والاقتصاد والموارد وقدرة المجتمعات على الصمود.
الحرب النفسية تأتي في مقدمة هذه المعارك، عبر الشائعات والمعلومات المضللة وخطاب الإحباط، بهدف بث الخوف وفقدان الثقة وإضعاف تماسك الجبهة الداخلية. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومة سلاحًا يمكن أن ينتشر خلال دقائق ويؤثر في آلاف الأشخاص.
أما حرب الموارد، فتتعلق بالطاقة والمياه والغذاء وغيرها من مقومات الحياة. ومن هنا تبرز أهمية تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في المشروعات الاستراتيجية، ومنها مشروع الضبعة النووية والتوسع في الطاقة المتجددة، باعتبارها عناصر مهمة في دعم أمن الطاقة على المدى الطويل.
ويأتي الضغط الاقتصادي كأحد أكثر الأسلحة تأثيرًا في المجتمعات، خاصة مع ارتفاع الأسعار والاضطرابات الاقتصادية العالمية. وهنا يصبح الوعي ضرورة، حتى لا تتحول الأزمات الحقيقية إلى وقود للشائعات أو الفوضى أو استغلال مشاعر المواطنين.
وفي الجانب الأكثر حساسية، تقف حرب المعلومات والتجسس، وهي معركة تعتمد على جمع المعلومات وتحليلها وحماية أسرار الدولة ومؤسساتها. وتضطلع أجهزة الدولة المعنية، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة المصرية، بدور أساسي في حماية الأمن القومي ومواجهة التهديدات الاستخباراتية، وفقًا لاختصاصاتها القانونية.
لكن المعركة الأهم تظل في الداخل معركة الوعي.
فالمواطن الواعي لا يصدق كل ما يراه، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يسمح للخلافات أو الأزمات بأن تتحول إلى فتنة. وفي المقابل، فإن مواجهة الشائعات لا تعني تجاهل المشكلات الحقيقية، بل تعني التعامل معها بعقلانية، والبحث عن المعلومات من مصادر موثوقة، ومحاسبة المسؤولين عبر القنوات القانونية والمؤسسية.
قد تكون السنوات المقبلة مليئة بالتحديات، لكن المجتمعات التي تمتلك وعيًا حقيقيًا وقدرة على التحقق من المعلومات، وتحافظ على مواردها وتماسكها، تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.
المعركة الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بالوعي والاقتصاد والمعلومات وتأمين الموارد. وفي زمن تتسارع فيه الشائعات، يصبح التفكير قبل المشاركة، والتحقق قبل التصديق، مسؤولية وطنية.
كن واعيًا.. لا تكن أداة للشائعة.. واحفظ وطنك بالوعي والعمل والمسؤولية.
![]()

