وصلتني مشكلة موجعة، وربما تتكرر خلف أبواب كثيرة مغلقة: زوجة استطاعت بمرور السنوات أن تعزل زوجها عن أمه وأبيه وإخوته، وأن تغيّر علاقته بمن أحبوه قبل أن يعرفها، حتى أصبح الرجل غريبًا عن أهله، وأصبح أهله غرباء عنه.
ولكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه ليس فقط: كيف استطاعت هي أن تفعل كل ذلك؟ بل أيضًا: كيف سمح هو باستمرار ذلك؟
المؤلم في القصة أن الزوج كان يتمنى زوجة طيبة القلب، هادئة الروح، تكون له ولأطفاله Emotional Safe Space؛ لكنه وجد نفسه أمام شخصية تحمل قدرًا كبيرًا من الغيرة وعدم الأمان، وقد تتحول عند شعورها بالتهديد إلى قسوة ومكر وعدائية شديدة تجاه من تعتبرهم منافسين على مكانتها.
وربما نشأت في بيت قاسٍ لم تتعلم فيه كيف يُقال: أحبك، ولا كيف يكون الاحتواء، ولا كيف يُدار الخلاف دون عقاب. وربما لم تتعلم Love Language صحية تستطيع بها أن تمنح الحب أو تستقبله؛ حتى أطفالها قد لا يصل إليهم الحب إلا مشروطًا برضاها عنهم. لكن علينا أن نكون دقيقين: الماضي قد يفسر السلوك، لكنه لا يمنح صاحبه تصريحًا بإيذاء الحاضر.
وهنا تبدأ المأساة الأكبر.
يتعلم الزوج أن السلام في البيت له ثمن: أرضِها كي يمر اليوم. ويتعلم الأطفال أن الأمان مرتبط بمزاجها: لا تغضبوها. ويتعلم المحيطون بها أن الكلمة اللطيفة لم تعد تعبيرًا عن المحبة، وإنما وسيلة لتجنب غضبها.
فيبدأ الجميع في Walking on Eggshells؛ يمشون على أطراف أصابعهم نفسيًا. يراقبون كلماتهم، ويحسبون ردود أفعالهم، ويتملقونها أحيانًا لا حبًا في ذلك، وإنما خوفًا من المشكلة التالية.
حتى أم الزوج وأبوه وإخوته قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى ابتلاع الإهانة، والتنازل مرة بعد مرة، وتجاهل ما يؤلمهم، لا لأنهم ضعفاء، ولكن لأن العبارة الدائمة أصبحت: «معلش… علشان البيت يمشي، وعلشان ابننا يعيش.»
وهكذا يدفع الجميع فاتورة هدوء ظاهري، بينما تتراكم الجروح في الداخل.
الأم تسكت حتى لا تخسر ابنها.
الأب يتجاوز حتى لا يهدم بيته.
الإخوة يبتعدون حتى لا يقال إنهم سبب المشكلات.
الأطفال يتعلمون إرضاء الغاضب بدلًا من التعبير عن مشاعرهم.
والزوج نفسه يتنازل اليوم عن موقف، وغدًا عن علاقة، وبعد غد عن جزء من شخصيته.
وهنا يصبح الأثر النفسي أخطر من الخلاف نفسه؛ لأن الخوف عندما يصبح نظامًا لإدارة الأسرة، تتغير النفوس من الداخل.
الغيرة حين تتجاوز حدودها الطبيعية لا تعود حبًا؛ وقد تتحول إلى Insecurity, Possessiveness & Emotional Control. يبدأ الأمر بملاحظة على الأم، ثم اتهام للأخت، ثم مشكلة مع الأب، ثم رفض لصديق، حتى تضيق دائرة الرجل شيئًا فشيئًا، ويجد نفسه في النهاية لا يرى الآخرين بعينيه، بل من خلال الرواية التي تُقال له عنهم.
ومع ذلك، لدي رسالة شديدة الأهمية لكل من حول هذه المرأة:
لا تصنعوا بأيديكم السلوك الذي تشكون منه.
حين يكتشف الإنسان أن الغضب يحقق مطالبه، سيكرر الغضب. وحين يكتشف أن التخويف يجعل الجميع يتنازلون، قد يصبح التخويف أداته. وحين يجد أن كل أزمة تنتهي بتملقه وإرضائه على حساب الآخرين، فإن المحيطين به — من حيث لا يشعرون — قد يدخلون في دائرة Reinforcement؛ أي تعزيز السلوك الذي يتمنون اختفاءه.
لذلك ليست القضية كلها: «هي تفعل».
هناك أيضًا سؤال أصعب: ماذا يفعل الآخرون عندما تفعل؟
وأخص الرجل هنا برسالتي: الرجولة ليست قسوة على الزوجة، ولا إهانتها، ولا رفع الصوت عليها. الرجولة هي Emotional Maturity؛ أن تكون لك شخصية مستقلة، وأن تستطيع أن تقول لمن تحب: أحبك، ولكن هذا خطأ ولن أشارك فيه.
أن تحمي زوجتك إذا ظُلمت، وتحمي أمك إذا ظُلمت.
أن تنصف زوجتك من أهلك، وتنصف أهلك من زوجتك.
فالعدل لا يعرف القرابة، والنضج لا يعرف الخوف.
لا تجعل حبك لامرأة ثمنه أمًّا مكسورة، ولا تجعل رضا أمك ثمنه زوجة مظلومة. ضع الحدود، وافصل العلاقات، وأعطِ كل إنسان حقه.
والزوجة أيضًا ليست شرًا خالصًا لمجرد أنها تحمل جروحًا قديمة؛ لكنها مسؤولة، مثل كل بالغ، عن مواجهة أنماطها المؤذية وطلب المساعدة المتخصصة إن عجزت عن تغييرها. الجروح التي لم نعالجها قد ننقل ألمها إلى أكثر الناس قربًا منا.
وفي النهاية، أخطر البيوت ليست دائمًا تلك التي يرتفع فيها الصوت؛ أحيانًا هي البيوت التي يصمت فيها الجميع خوفًا من شخص واحد.
لا تملقوا الإنسان حتى يصبح غضبه سلطة.
لا تكافئوا القسوة بالتنازل المستمر.
ولا تسمّوا الخوف «حفاظًا على البيت».
فالبيت الذي لا يستمر إلا بأن يخاف الجميع من غضب شخص واحد، يحتاج إلى إعادة بناء حدوده، لا إلى مزيد من الخائفين.
بريد الجمعة | وزيرة السعادة – د. علياء رمزي
#الدكتورة_علياء_رمزي #وزيرة_السعادة #برنامج_وزيرة_السعادة #قناة_هي #قناة_المحور
![]()

