خصخصة القرار السياسي .. صرخة من خارج أسوار “بيت الأمة”

بقم : أحمد السيد

بقلم…محمد تمام

طوال حياتي، كنت وما زلت متابعاً نَهماً لأعرق الكيانات السياسية في مصر؛ ذاك الحزب الذي لم يكن مجرد تنظيم للمنتمين إليه، بل كان “بوصلة” للحركة الوطنية المصرية برمتها. حزبٌ امتلك قاعدة شعبية زلزلت الأرض تحت أقدام المستعمر، وأُتيحت له فرصة حكم مصر أكثر من مرة، محتمياً بكتيبة من المفكرين والمثقفين والسياسيين الذين لم يكونوا مجرد “أعضاء”، بل كانوا صنّاع قرار ورجال دولة من الطراز الفريد.

لطالما غمرتني السعادة حينما كنت أُدعى لحضور ندوة أو مؤتمر داخل أروقة مقراته العتيقة. كنت أشعر برهبة التاريخ وأنا أتأمل صور الزعماء العظام؛ سعد زغلول، مصطفى النحاس، فؤاد سراج الدين، وكأن أرواحهم لا تزال تحرس مبادئ “الليبرالية الوطنية”. كنت ألتقط الصور مع تلك الأيقونات بفخر، وأستمتع بمناقشة أعضائه، فأجد فيهم صدىً لمدرسة سياسية لا تشيخ.

ولكن، ما رأيته مؤخراً أصابني بصدمة هزت ثباتي كمراقب محايد، وجعلتني أخط هذه الكلمات بمداد من القلق والدهشة. مشهدٌ أقل ما يوصف به أنه “انتحار مؤسسي” لكل ذي بصيرة سياسية؛ حين وقفت قيادة حزب الوفد العريق، ممثلة في الدكتور السيد البدوي، لتعقد بروتوكول تعاون مع شركة إعلامية وليدة، لم يمضِ على خروجها للنور سوى بضعة أشهر، لتصبح بموجبه “المستشار السياسي والإعلامي” الرسمي للحزب! هذا المشهد لا يمكن أن يمر مرور الكرام، بل هو جرس إنذار يفتح أبواب الجحيم من التساؤلات حول مصير أعرق المؤسسات الصحفية والسياسية في تاريخنا الحديث.

إن لجوء حزب بحجم “الوفد” —الذي يمتلك ترسانة بشرية من القامات الصحفية والخبراء السياسيين الذين علموا الأجيال أصول المهنة— إلى شركة خارجية لإدارة مطبخه السياسي والإعلامي، هو بمثابة “شهادة وفاة” معنوية تُحرر لكوادره بدم بارد. كيف يستقيم عقلاً، وفي أي منطق سياسي يُقبل، أن يستورد “بيت الأمة” عقلاً مستعاراً ليرسم له خطابه، بينما يغصُّ البيت بعقولٍ شابت في معارك العمل الوطني، وصحفيين حفروا أسماءهم في بلاط صاحبة الجلالة بالدم والعرق؟ هل نضب مَعين الوفد لدرجة استئجار “لسان” من الخارج؟

“تطوير” أم “تسكين”؟

يتحدث البعض بلهجة واثقة عن “لجان تطوير” واجتماعات مكوكية داخل مؤسسة الوفد الإعلامية، لكن توقيع هذا البروتوكول كشف المستور وأسقط الأقنعة. ما يحدث في الداخل —في تقديري— ليس إلا عمليات “تخدير موضعية” للعاملين، ريثما يتم نقل الصلاحيات الفعلية وصناعة القرار إلى خارج أسوار المؤسسة. إن تصدير رجال الأعمال للتعامل مع اللجنة النقابية، وكيل الاتهامات لها بافتعال الأزمات، ليس إلا تمهيداً لسيناريو “الإزاحة الناعمة” والاستغناء التدريجي عن المنبر الإعلامي التاريخي للوفد، لصالح “مقاول ميديا” خارجي.

معضلة “البيزنس” والسياسة

قد يتذرع المدافعون عن هذا الاتفاق بكلمات براقة مثل “الحيادية” أو “الموضوعية” أو علاج “اللامبالاة” التي قد تكون أصابت البعض. ولكن، هل تُسترد عافية الأحزاب بتأجير قرارها لشركة تجارية؟ السياسة في الأحزاب العريقة هي “عقيدة، تاريخ، وموقف”، بينما منطق الشركات هو “منتج، تريند، وصورة ذهنية”. إن تحويل مواقف الوفد إلى “حملات إعلانية” تديرها شركة ناشئة، يفرغ العمل الحزبي من مضمونه الشعبي، ويحول الوفد من “قائد للرأي العام” إلى مجرد “زبون” ينتظر ما تقرره له وكالات العلاقات العامة.

هذا التوجه يطرح أسئلة وجودية لا تقبل المواربة:
لمن ستكون الولاءات؟ لثوابت الوفد التاريخية، أم لمستهدفات الربح والخسارة لدى الشركة المتعاقدة؟
أين تذهب ميزانيات التطوير؟ هل تُنفق على أبناء الحزب ومؤسسته لتحديث أدواتهم، أم تذهب كعقود سخية لجهات خارجية تعمل كـ “كيان موازي” يبتلع دور الكيان الأصلي؟

ما هو المصير المحتوم لجريدة الوفد؟ هل نحن أمام خطة ممنهجة لتقزيم الجريدة والموقع الإلكتروني وتحويلهما إلى مجرد “ديكور” أو نشرة داخلية تديرها شركة “باستيت كميديا”؟

يتفاخر البيان الرسمي بامتلاك الشركة المتعاقدة لتقنيات “الذكاء الاصطناعي”، وهنا تكمن الطامة الكبرى والمفارقة المضحكة المبكية؛ فهل وصل العجز بـ “بيت الأمة” إلى استبدال “الحس السياسي” الفطري لكوادره بـ “خوارزميات” صماء؟ إن السياسة في جوهرها هي “انحياز إنساني” وقراءة لنبض الشارع في الحواري والقرى، وليست “داتا” تُغذى بها الآلات لتعطينا مواقف مُعلبة.
إن خطورة “أتمتة” الخطاب الوفدي تعني باختصار تجفيف منابع التفاعل الحي؛ فبدلاً من أن يصيغ الوفديون بياناتهم بمداد من معاناتهم وتطلعاتهم، سنكون أمام “سياسة التلقين الرقمي”، حيث تقرر الخوارزمية ما يجب أن يقال ليرضي “التريند”، لا ما يجب أن يقال ليرضي “الضمير الوطني”. إن استعارة “عقل اصطناعي” لإدارة حزب تاريخي هو إعلان صريح بسقوط “العقل السياسي” التقليدي في فخ التكنولوجيا، وتحويل الحركة الوطنية من “فعل نضالي” إلى “عملية حسابية” تفتقر إلى الروح والهوية.

كلمة أخيرة
لستُ وفدياً، ولم أنتمِ يوماً لهذا الحزب، لكنني مصري يعز عليه أن يرى صرحاً وطنياً يتنازل عن سيادته الفكرية. إن حزب الوفد ليس مجرد مبنى أو شعار، بل هو مؤسسات حية وقامات بشرية. والرهان الآن يقع على عاتق “الوفديين الحقيقيين” واللجنة النقابية؛ فإما الصمود في وجه “خصخصة” القرار، أو القبول بتبعية ستجعل من “بيت الأمة” مجرد صدى لصوت لا يملكه.

إن التطوير الحقيقي يبدأ من الداخل، بتمكين الكفاءات ومحاسبة المقصرين، لا بالهروب إلى الأمام والارتماء في أحضان شركات لا تملك من تاريخ الوفد إلا ما تقرأه في كتب التاريخ التي يحاول البعض الآن إغلاق صفحاتها.
” يا سادة إن الخطر الحقيقي الذي يواجه ‘بيت الأمة’ اليوم ليس في ضعف التمويل أو تراجع الأدوات التقنية، بل في القبول بـ ‘التبعية الفكرية’. فالحزب الذي قاد ثورة 1919 لم يكن يملك منصات ميديا رقمية، بل كان يملك ‘الشارع’ لأنه كان يملك ‘ذاته’.

إن محاولة تحويل الحزب العريق إلى ‘براند’ تجاري يُدار بعقود الاستشارات هو اعتراف ضمني بإفلاس النخبة الحالية عن إدارة ميراث الزعماء. والوفد اليوم ليس أمام خيار تطوير، بل أمام خيار وجود: فإما أن يسترد عقله من مكاتب الوكالات الإعلانية، أو أن يستعد ليكون مجرد سطر في كتب التاريخ.. سطر يروي كيف انتهى ‘صوت الشعب’ إلى مجرد ‘حملة ترويجية’ مدفوعة الأجر.”

محمد تمام

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏