ليتنا نتعلم من هذه الأزمة: عندما تصبح العزلة مدرسة السيادة

بقم : أحمد السيد

بقلم …محمد تمام

​لا يكتب التاريخ دروسه الكبرى إلا بمداد من الأزمات،

ولا تستفيق الأمم من سباتها إلا حين تزلزل الأطماعُ الأرضَ من تحت أقدامها،

وما نشهده اليوم من اشتعال فتيل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليس مجرد فصل جديد من فصول الصراع الجيوسياسي، بل هو “لحظة الحقيقة” التي تعري واقع التبعية المرير. إن هذا العجز الخانق في إمدادات النفط والغاز، الذي بات يهدد شرايين الحياة في العالم وفي قلب دولتنا، لم يكن وليد صدفة عابرة، بل هو النتيجة الحتمية لرهاناتنا الطويلة على سراب “الاستقرار العالمي” ووهم “الأسواق المفتوحة”. لقد توهمنا طويلاً أن العالم قد استحال قرية صغيرة تضمن فيها الاتفاقاتُ تدفقَ الطاقة، حتى استيقظنا على دوي المدافع وصراخ البوارج، لنجد أن تلك الشرايين التي وثقنا بها ليست إلا حبالاً من مسد تلتف حول أعناقنا في لحظات الصدام الكبرى. إن المشهد الراهن يفرض علينا أن نتوقف عن القلق السلبي، وأن نبدأ في قراءة الأزمة كرسالة تحذير أخيرة؛ فالطاقة التي ننتظر وصولها خلف البحار هي في الحقيقة “صك عبودية” مقنّع، ومن لا يملك وقود مصنعه وإنارة بيته من موارد أرضه وعرق أبنائه، لا يملك من أمره رشداً ولا من قراره سيادة.

​إن هذه الأزمة، برغم قسوتها ومرارة العجز الذي تخلفه، هي “المنحة” المستترة في قلب “المحنة”، إذ تمنحنا المبرر الأخلاقي والضرورة الوجودية للانغلاق على ذاتنا انغلاقاً منتجاً، يعيد الاعتبار لكل ذرة تراب ولكل عقل مهمل. علينا أن نعترف وبشجاعة أدبية، أن كل لحظة قضيناها في استيراد ما يمكن إنتاجه محلياً كانت “خيانة مع وقف التنفيذ” لمستقبل الأجيال القادمة، وأن الركون إلى استهلاك موارد الآخرين قد أصاب إرادتنا الوطنية بالخمول. إن الدولة التي تريد أن تحجز لنفسها مكاناً تحت الشمس في ظل هذا الاضطراب الكوني، يجب أن تتحول إلى “قلعة” لا تخترقها تقلبات البورصات أو قرارات واشنطن وتل أبيب. إن الانغلاق الذي أدعو إليه ليس تقوقعاً خلف الجدران هرباً من المواجهة، بل هو “احتفاء بالذات” واستنفار للقوى الكامنة؛ هو أن نكتفي بكسرة خبز زرعناها بأنفسنا، وبشرارة كهرباء ولدناها من شمسنا، حتى لا يظل مصير ملايين البشر معلقاً بكلمة تقال في عواصم الضباب أو خلف منصات إطلاق الصواريخ. إنها دعوة لفك الارتباط العضوي بالنظام العالمي الهش، والبدء فوراً في تأسيس “جمهورية الكفاية” التي لا ترتهن إرادتها لبرميل نفط أو شحنة غاز عابرة للمحيطات.

​إن المضي في طريق الاكتفاء الذاتي ليس نزهة اقتصادية، بل هو “معركة كرامة” تتطلب منا أن نغير جلودنا الفكرية قبل سياساتنا المالية؛ فالعجز الحالي في مصادر الطاقة يجب أن يكون هو “الوقود الحقيقي” لثورة صناعية وزراعية شاملة، لا تترك ثغرة واحدة في جدار الأمن القومي. علينا أن نفهم بوعي عميق أن كل فدان يزرع، وكل لوح طاقة شمسية يثبت، وكل براءة اختراع محلية تُدعم، هي في الحقيقة “رصاصة صامتة” نوجهها إلى صدر التبعية. وإن هذا الانغلاق الذي ننشده ليس مجرد رد فعل مؤقت تمليه ضرورة العجز، بل هو خيار استراتيجي يجب ألا ينطفئ وهجه حتى لو سكتت المدافع غداً وعاد الغاز للتدفق في الأنابيب. إن الخطأ الأكبر الذي قد نرتكبه هو أن نتعامل مع هذه الأزمة كـ “سحابة صيف” عابرة، فنعود لسباتنا الاستهلاكي بمجرد زوال الخطر الظاهر. إن السيادة الحقيقية تُبنى في الرخاء لتصمد في الشدائد، وعلينا أن ندرك أن مرارة البدايات في التصنيع والزراعة والابتكار المحلي، هي ثمن بخس ندفعه مقابل عزة النهايات، فأن نأكل من ثمار أرضنا المرة بكرامة، خير ألف مرة من أن نتجرع عسل التبعية المسموم.

​إن الانغلاق الذي ننشده هو ذاك الذي يجعل من “الحاجة” أماً للابتكار، ومن “الحرمان” دافعاً للسيادة؛ فلا كرامة لدولة ترتعش مصانعها إذا تعطلت حركة الملاحة في مضيق، ولا مستقبل لأمة يبيت مواطنوها على وجل من انقطاع غازٍ لا تملك مفاتيح صماماته. إننا مطالبون اليوم بصياغة عقد اجتماعي جديد، أساسه “الإنتاج قبل الاستهلاك”، وبطله هو الصانع والمزارع والباحث الذي يحول مواردنا المهملة إلى طاقة متجددة لا تنضب. ولن يتحقق هذا العبور إلا بإرادة شعبية صلبة تعي أن المعركة ليست معركة حكومات فحسب، بل هي معركة وجود يخوضها كل مواطن في موقعه. إن تحويل العجز إلى قوة يتطلب عقولاً شابة تؤمن بأن “المستحيل” هو صنيعة العاجزين، وأن كل كفاءة وطنية تهاجر هي استنزاف لدرعنا الواقي. إننا نحتاج اليوم إلى ضجيج المصانع ليعلو فوق ضجيج الرصاص، وإلى سواعد تبني في الداخل ما تحاول القوى الكبرى هدمه من الخارج، لنبرهن للعالم أن الأزمات لا تكسر الأمم العظيمة، بل تعيد صياغتها لتصبح أكثر صلابة وعصياناً على الانكسار.

​وختاماً، إن هذه الأزمة هي الاختبار الأعظم لصلابتنا؛ فإما أن نخرج منها “دولة تابعة” تقتات على فتات الموائد العالمية وتنتظر انتهاء الحروب لتعود إلى سباتها، وإما أن نخرج منها “دولة رائدة” اكتشفت في لحظة الانغلاق أن قوتها الحقيقية كانت دائماً تسكن في دواخلها. ليتنا نتعلم أن السلم العالمي هو كذبة كبرى تروجها القوى العظمى لتظل الشعوب في حالة “تخدير استهلاكي”، بينما الحقيقة الوحيدة الصارخة هي أن القوي هو من يطعم نفسه، والحر هو من يضيء ليله بيده. إن التاريخ لن يذكر من هذه الحرب فوز هذا الطرف أو ذاك، بل سيذكر أسماء الأمم التي استفاقت من غفلتها، واتخذت من غبار المعارك ستراً لتبني حصونها من الداخل. فليكن انغلاقنا هو “المخاض” الذي تولد منه دولتنا القوية، المستكفية بذاتها، والمتعالية على جراح الأزمات؛ لكي لا نلدغ من جحر التبعية مرتين، ولكي نقف أمام العالم غداً، لا لنطلب وقوداً أو غازاً، بل لنفرض إرادتنا كأمة لا تبيع قرارها ببرميل نفط، ولا تقايض كرامتها بشحنة غاز. إنها لحظة العمل التي لا تحتمل التأجيل، فإما السيادة المطلقة، وإما التبعية المذلة، والتاريخ لا يحابي المترددين.
محمد تمام

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏