من الماستر العادي إلى ماستر التميز.. المنازعات العمومية نموذجا لتحولات التكوين القانوني بالمغرب

كتب سعيد بونعاج
لم يعد سلك الماستر في الجامعات المغربية مجرد امتداد طبيعي للتكوين الجامعي في الإجازة بل أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز المجالات التي تعكس التحولات التي يعرفها التعليم العالي، سواء من حيث تنوع التخصصات أو طبيعة الكفاءات التي تسعى الجامعة إلى تكوينها.
وفي هذا السياق برز توجه متزايد نحو تطوير عروض أكثر تخصصا إلى جانب الماسترات ذات الطابع العام بما يفتح أمام الطلبة مسارات أكاديمية أكثر دقة وارتباطا بحاجيات البحث العلمي والممارسة المهنية.
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة في مجال العلوم القانونية بالنظر إلى اتساع مجالات القانون وتداخلها مع الاقتصاد والإدارة والرقمنة والمال العام والاستثمار والحكامة والمنازعات.
من التكوين العام إلى التخصص الدقيق
أصبح التكوين القانوني الحديث يتجاوز التصنيف التقليدي بين القانون العام والقانون الخاص ليفتح المجال أمام تخصصات أكثر دقة تستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع والدولة.
فإلى جانب الماسترات العادية، التي تظل مكونا أساسيا في منظومة التكوين الجامعي برز مسار ماستر التميز في عدد من التخصصات وهو توجه يعكس رغبة في تطوير تكوينات ذات طبيعة أكثر تخصصا وانتقائية تجمع بين المعرفة القانونية والبحث العلمي والانفتاح على الممارسة.
وفي هذا الإطار تقدم المدرسة العليا للقانون بأكادير نموذجا لهذا التوجه من خلال اعتماد مجموعة من تخصصات ماستر التميز إلى جانب التكوينات الأخرى بما يعكس سعيا إلى تنويع العرض الأكاديمي والاستجابة للتحولات المتسارعة في الحقل القانوني.
ولا تكمن أهمية هذا التحول في تغيير تسمية المسلك فحسب وإنما في الفلسفة التي يفترض أن يقوم عليها ماستر التميز، من حيث طبيعة التكوين ومستوى التأطير والبحث العلمي، والانفتاح على الممارسة والفاعلين في المجال القانوني والمؤسساتي.
لماذا أصبح التخصص أكثر أهمية؟
تطرح التحولات التي يعرفها المغرب أسئلة قانونية ومؤسساتية متزايدة التعقيد.
فالرقمنة والذكاء الاصطناعي وتطور الإدارة العمومية والجهوية المتقدمة وتنامي الاستثمار وتطور العلاقات الاقتصادية وتعدد أشكال النزاعات كلها عوامل جعلت التكوين القانوني العام غير كاف في بعض المجالات التي تتطلب معرفة متخصصة.
ومن هنا تبرز أهمية الماسترات التميز التي تسعى إلى تكوين طالب لا يكتفي بمعرفة القاعدة القانونية وإنما يمتلك القدرة على تحليل الإشكال القانوني وربطه بسياقه المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي واستيعاب التطبيقات القضائية والعملية المرتبطة به.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام ماستر التميز ألا يتحول إلى مجرد عنوان أكثر جاذبية وإنما إلى تكوين يتميز فعليا في محتواه وأسلوب تدريسه وآليات البحث والتأطير والانفتاح على الممارسة.
المنازعات العمومية.. تخصص يكتسب راهنيته
ضمن هذا التحول يبرز ماستر التميز في المنازعات العمومية باعتباره أحد التخصصات التي تستحق التوقف عندها بالنظر إلى طبيعة المجال الذي يتناوله واتساع دائرة المنازعات المرتبطة بالنشاط العمومي.
فالمنازعات العمومية لم تعد محصورة في النزاع التقليدي بين المواطن والإدارة وإنما أصبحت تشمل مجالات متعددة من بينها المنازعات الإدارية والمسؤولية الإدارية والعقود العمومية والمالية العامة، والمنازعات الضريبية ومنازعات الوظيفة العمومية ومنازعات الجماعات الترابية ونزع الملكية، والمرافق العمومية، فضلا عن القضايا المرتبطة بالاستثمار والمال العام و المنازعات الدولية دات طابع المالي و التجاري .
وتزداد أهمية هذا التخصص بالنظر إلى اتساع تدخل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وما يرافق ذلك من علاقات قانونية متشعبة يمكن أن تكون مصدرا لمنازعات تحتاج إلى كفاءات قادرة على فهمها وتدبيرها.
ومن هنا، فإن تكوين متخصص في المنازعات العمومية لا يخدم المجال القضائي وحده، بل يتصل أيضا بالإدارة والاستشارة القانونية والبحث العلمي والحكامة وتدبير المؤسسات العمومية.
ما الذي يمكن أن يضيفه ماستر التميز في المنازعات العمومية؟
تكمن أهمية هذا النوع من التكوين في الجمع بين عدة حقول قانونية متداخلة.
فالطالب الذي يدرس المنازعات العمومية يحتاج إلى معرفة دقيقة بالقانون الإداري، لكنه يحتاج أيضا إلى استيعاب قواعد المسطرة المدنية والقانون المالي، والقانون الدستوري والقانون الضريبي و القانون المالي الدولي و القانون الدولي للمنازعات .
كما أن دراسة المنازعة لا ينبغي أن تبدأ من لحظة وصولها إلى المحكمة فقط، وإنما من مرحلة نشوء القرار أو العلاقة القانونية التي يمكن أن تؤدي إلى النزاع.
ومن هنا يمكن للتكوين المتخصص أن يساعد الطالب على فهم مختلف مراحل النزاع الوقاية منه وتحليل أسبابه وتحديد المسؤوليات، واختيار وسائل الدفاع، وفهم الاختصاص القضائي ثم دراسة آثار الأحكام وتنفيذها.
وهذه المقاربة تجعل من المنازعات العمومية مجالا يتجاوز الدراسة النظرية للنصوص إلى تكوين قدرة تحليلية وعملية لدى الطالب.
ماستر التميز والماستر العادي.. تكامل وليس إلغاء
غير أن الحديث عن ماستر التميز لا ينبغي أن يفهم باعتباره تقليلا من أهمية الماستر العادي.
فالنوعان يمكن أن يشكلا مسارين متكاملين داخل منظومة التعليم العالي.
فالماستر العادي يؤدي وظيفة أساسية في استكمال التكوين الأكاديمي وتوسيع المعرفة في مجال التخصص، بينما يمكن لماستر التميز أن يركز بدرجة أكبر على الانتقائية والتخصص الدقيق والبحث المتقدم وربط التكوين بالإشكالات المهنية والمؤسساتية.
وبذلك، فإن الرهان ليس في استبدال مسار بآخر، وإنما في بناء عرض جامعي متنوع يسمح للطالب باختيار المسار الذي يتناسب مع مشروعه الأكاديمي والمهني.
المدرسة العليا للقانون.. نموذج للتحول في التكوين القانوني
يمثل توجه المدرسة العليا للقانون نحو تطوير تخصصات ماستر التميز، إلى جانب الماسترات الأخرى جزءا من هذا التحول الذي يعرفه التكوين القانوني بالمغرب.
فالمدرسة لا توجد فقط أمام مهمة توفير مقاعد للطلبة، وإنما أمام مسؤولية أكبر تتمثل في بناء تكوينات قادرة على مواكبة التحولات القانونية والمؤسساتية.
وتبرز هنا أهمية الشراكة بين الجامعة ومختلف الفاعلين، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات القضائية أو الإدارية أو الهيئات المهنية أو مراكز البحث لأن التكوين المتخصص لا يمكن أن يظل منفصلا عن الواقع الذي يفترض أن يشتغل فيه خريج الماستر.
ومن شأن الانفتاح على الممارسة أن يمنح الطالب فرصة أكبر لفهم القضايا التي يدرسها داخل المدرج، وأن يحول المعرفة القانونية من مادة نظرية إلى أداة للتحليل وحل الإشكالات.
التميز ليس في الاسم وإنما في المضمون
يبقى السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه أمام مسار ماستر التميز: ماذا يعني “التميز”؟
فالتميز الجامعي لا يصنعه الاسم، وإنما تصنعه جودة التكوين، وكفاءة الأساتذة، وقوة التأطير، وجودة البحث العلمي، وانتقائية الولوج، وتنوع الأنشطة العلمية، وربط التكوين بالممارسة، وقدرة الخريجين على مواصلة البحث أو الاندماج في المجالات المهنية.
ومن هنا، فإن نجاح تجربة ماسترات التميز بالمغرب سيقاس مستقبلا بمخرجاتها، وبمستوى الطلبة والباحثين الذين ستخرجهم، وبقدرتهم على الإضافة إلى المؤسسات والمهن القانونية والبحث العلمي.
المنازعات العمومية.. رهان على كفاءات متخصصة
في ظل تطور الإدارة العمومية، وتوسع اختصاصات الجماعات الترابية، وتزايد حجم المشاريع العمومية والعقود والاستثمارات الوطنية و الدولية أصبحت الحاجة إلى متخصصين في المنازعات العمومية أكثر وضوحا.
فالمؤسسات لا تحتاج فقط إلى من يتدخل بعد وقوع النزاع، وإنما تحتاج أيضا إلى كفاءات تستطيع المساهمة في الوقاية منه، وتحليل مخاطره القانونية، وتحسين صياغة القرارات والعقود، وترشيد تدبير الملفات ذات الطبيعة القانونية والقضائية.
ومن هذه الزاوية، يمكن لماستر التميز في المنازعات العمومية أن يشكل مجالا مهما لتكوين جيل من الباحثين والممارسين الذين يجمعون بين المعرفة القانونية والقدرة على التعامل مع الإشكالات الواقعية التي تواجه الإدارة والمؤسسات.
نحو جيل جديد من التكوين القانوني
إن انتقال التعليم العالي المغربي تدريجيا نحو تنويع عروض الماستر وإحداث تخصصات أكثر دقة يعكس تحولا أعمق في فلسفة التكوين الجامعي.
فالمستقبل لن يكون فقط لمن يعرف النص القانوني، وإنما لمن يستطيع فهمه وتحليله وتطبيقه وربطه بالسياق المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا، فإن ماسترات التميز، ومن بينها ماستر التميز في المنازعات العمومية، يمكن أن تشكل إحدى حلقات هذا التحول، شريطة أن يظل التميز مرتبطا بجودة حقيقية في التكوين والبحث والتأطير، لا بمجرد التسمية.
وفي نهاية المطاف، فإن تنوع عروض الماستر بالمغرب يمثل فرصة حقيقية أمام الطلبة لاختيار مسارات أكثر انسجاما مع طموحاتهم العلمية والمهنية. أما التحدي الأكبر فيبقى هو ضمان أن تتحول هذه المسارات إلى تكوينات ذات قيمة مضافة، قادرة على إنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات ومواكبة حاجيات الدولة والمجتمع.
وفي قلب هذا التحول، يظل ماستر التميز في المنازعات العمومية واحدا من التخصصات التي تعكس الحاجة المتزايدة إلى تكوين قانوني دقيق، قادر على مواكبة دولة تتوسع وظائفها، وإدارة تتطور أدواتها، ومؤسسات تتعدد علاقاتها، ومجتمع تتنوع مصالحه ومنازعاته.

Loading

أحمد السيد

Learn More →