الحرب الإيرانية- الأميريكية..إلى أين؟بيروت -كتب دكتور جمال شبيب

ستة أشهر وعشرون يوماً على المواجهة المباشرة الأميركية ــ الإيرانية: ماذا نرى على سطح الأحداث، وماذا يعتمل في أعماقها؟

ونحن نقترب من محطة سياسية شديدة الحساسية مع بدء العدّ العكسي للانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، والانتخابات التشريعية في دولة الاحتلال الإسرائيلي في 27 تشرين الأول/أكتوبر ليس لأن الانتخابات قد تحمل تغييرا في طبيعة قوى العدوان بل لأنها ستكرس فشل إدارة المواجهة خلال المرحلة الماضية وبداية مرحلة جديدة . وبعد ستة أشهر وعشرين يوماً على بدء المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تبدو المنطقة أمام مشهد يتجاوز في أهميته حدود الحرب المباشرة، ليدخل في إعادة صياغة أوسع لموازين القوى الإقليمية والدولية والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: ماذا نرى على سطح الأحداث؟ بل ماذا يعتمل تحت هذا السطح؟ وما هي الاتجاهات التي يمكن أن تنتجها هذه المواجهة؟ :

1 ــ استراتيجية أميركية تتحرك بين التصعيد والاحتواء

يراوح السلوك الأميركي بين العمل العسكري المباشر، ثم الانتقال إلى الحصار الاقتصادي، ثم العودة إلى عمليات عسكرية محدودة، قبل التراجع مجدداً إلى أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي. ويبدو هذا التذبذب أقرب إلى محاولة اختبار مسارات متعددة منه إلى تنفيذ استراتيجية متماسكة ذات أهداف نهائية واضحة.

ولعل أبرز المؤشرات على ذلك هو مذكرة التفاهم الأميركية ــ الإيرانية التي وُقعت في 17 حزيران/يونيو، والمؤلفة من 14 بنداً، والتي تضمنت وقف العمليات العسكرية وانسحاب من كافة الجبهات وفتح مسار تفاوضي، إلى جانب ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز والعقوبات والبرنامج النووي.

غير أن استئناف المواجهة بعد ذلك بفترة قصيرة كشف هشاشة التفاهم الناتج عن التذبذب الأميركي بعد أن وصف هذا التفاهم من قبل معلقين مرموقين في الولايات المتحدة بأنه صك استسلام . ومع عودة طبول الحرب عادت الاتصالات والوساطات لاحقاً في محاولة لإنقاذ مسار التهدئة والتفاوض.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في المشهد: القوة الأميركية الهائلة لم تستطع تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية قابلة للاستدامة بل هي أقرب الى اثبات محدودية القدرة العسكرية اذا استطاعت القوى الأضعف انتاج مقومات صمودها ومقاومتها .

2 ــ من نتائج الصدام المستمر تحوله الى شبه حرب استنزاف ذات طبيعة خاصة تؤدي إلى استنزاف القوة الأميركية ليس فقط على المستوى العسكري في ميدان المعركة بل أيضا على المستوى الاقتصادي ومستوى القدرة العامة للسيطرة من خلال استنزاف التحالفات وبالاجمال استنزاف الثقة واستنزاف الهيبة .

عندما نتحدث عن النتائج العسكرية التي أصابت الولايات المتحدة في هذه المواجهة، ينبغي التمييز بين النتيجة العسكرية المباشرة وبين الحكم التاريخي النهائي على الحرب، فهذا الأخير لا يُحسم إلا بعد انتهاء العمليات واتضاح شروط التسوية .

لكن المؤكد أن الحرب كشفت حدوداً مهمة في القدرة الأميركية على إدارة حرب طويلة وعالية الكثافة ضد خصم يمتلك قدرة صاروخية وطائرات مسيرة وشبكة إقليمية من أدوات الضغط وتحالفات عالمية ذات مصلحة ، والأهم من كل ذلك يمتلك إرادة القتال والمقاومة .

وقد أظهر التقرير الأخير للمفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية حجم الاستنزاف الذي تعرضت له القوات الأميركية. فقد أشار إلى إنفاق أكثر من ٣٧ مليار دولار على الذخائر، وإلى خسائر وأضرار كبيرة في الطائرات والمنشآت والقواعد، فضلاً عن اختناقات في إنتاج بعض الذخائر الاستراتيجية والحاجة إلى سنوات لإعادة بناء بعض المخزونات. كما أدى استهداف منشآت وقواعد أميركية في المنطقة إلى إعادة توجيه بعض خطوط الإمداد نحو قواعد أبعد بكثير بما فيها دييغو غارسيا. ويبرز التقرير حجم الخلل في المنظومات الدفاعية الشاملة الناتج عن تدمير القواعد الأميركية وما كان فيها من رادارات وأجهزة استشعار ومعدات متقدمة وخبرات بشرية وما لم يذكره التقرير أو لم يتم نشره قد يكون أكبر . وهنا تظهر دلالة استراتيجية تتجاوز الأرقام نفسها فالحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ التي يمتلكها الجيش، وإنما بقدرته على تعويض ما يستهلكه، وإعادة بناء مخزوناته، والمحافظة على شبكات الاستطلاع والإنذار والقيادة والسيطرة والإمداد طوال مدة الحرب ،وهذه النقطة تحديداً تضع القوة الأميركية أمام معضلة يصعب تجاهلها كيف يمكن لدولة تدير في الوقت نفسه التزامات عسكرية في مناطق متعددة أن تخوض حرب استنزاف طويلة ضد خصم قادر على ضرب قواعدها وممرات إمدادها، دون أن تتحول الكلفة المتراكمة إلى عنصر ضغط على قرارها السياسي؟

إن ما ظهر خلال هذه الحرب هو، في جانب منه، أزمة في نموذج القوة الإمبراطورية عندما تدخل حرباً طويلة ضد خصم لا تستطيع إخضاعه في وقت قصير.

3 ــ اهتزاز الهيبة الأميركية وظهور فراغات القوة

أدى تراجع القدرة الأميركية على حماية قواعدها وأصولها العسكرية في غرب آسيا وما رافقه من ارتفاع كلفة الانتشار، إلى إحداث تغيير في الصورة التقليدية التي حكمت العلاقات الأمنية في الخليج لعقود.

فالوجود العسكري الأميركي لم يكن مجرد انتشار عسكري؛ بل كان جزءاً من منظومة أمنية واقتصادية وسياسية متكاملة، ارتبطت بحماية طرق الطاقة والممرات البحرية، وبطمأنة الحلفاء الإقليميين إلى قدرة واشنطن على حمايتهم عند الضرورة.

لكن الحرب الحالية أظهرت أن هذه الحماية ليست مطلقة، وأن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على منع الخصم من فرض كلفة مرتفعة على هذه القوة.

وفي هذا السياق يبرز اليمن بوصفه أحد أهم ميادين التحول. فقد انتقلت أنصار الله من موقع القوة التي تعمل ضمن نطاق محدد إلى لاعب قادر على التأثير في الممرات البحرية وفي أمن الطاقة، بالتزامن مع توسع المواجهة مع السعودية. وتشير التقارير الأخيرة إلى سيطرة أنصار الله على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن، وتصاعد الهجمات المتبادلة مع السعودية، بما في ذلك استهداف منشآت مرتبطة بالطاقة. وهنا لا تكمن أهمية اليمن في مساحة الأراضي التي يمكن السيطرة عليها فحسب، وإنما في الموقع الجيوسياسي ، باب المندب، البحر الأحمر، طرق التجارة والطاقة، والقدرة على ربط الجغرافيا اليمنية بمسار الأزمة الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

وإذا استطاعت أنصار الله تثبيت مواقعها الجديدة والحفاظ على قدرتها على التحكم بجزء من هذه المعادلة، فإن ذلك يمكن أن يتحول إلى تعديل طويل الأمد في الوزن الجيوسياسي لليمن، وبالتالي في توازن القوى الإقليمي.

4-لقد تحولت قضية إغلاق مضيق هرمز ولو جزئيا من تحويل الأزمة الى أزمة عالمية ضاغطة وهي بالتالي تدفع العالم كله ثمن العدوانية الأميركية وتجعل شعوب العالم قاطبة بما في ذلك الشعب الأميركي وشعوب البلدان الغربية شركاء في ألأضرار الناتجة عن هذه العدوانية وذوي مصلحة في النضال ضدها مع شعوب المنطقة .

5ــ إسرائيل: مكاسب عملياتية بلا تسوية استراتيجية

منذ اندلاع الحرب في غزة في أعقاب عمليات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 المجيدة، ثم اتساع المواجهة عبر جبهات الإسناد المختلفة، بدا واضحاً أن إسرائيل لم تكن تخوض حرباً منفصلة عن البيئة الإقليمية والدولية، بل تحولت إلى مركز مواجهة شاركت فيها الولايات المتحدة ودول غربية بصورة مباشرة وغير مباشرة، عبر الإمداد العسكري والاستخباري واللوجستي والتكنولوجي.

وقد امتلكت إسرائيل خلال هذه الحرب تفوقاً هائلاً في القوة النارية والاستخبارية والاستشعار والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن الدعم الأميركي والغربي أو فلنقل بسببه . ومن الجهة الأخرى امتلك أصحاب الأرض قدرة عالية على التثبت بأرضهم وتحويل المواجهة الى حرب طويلة الأمد وتكبيد الصهاينة ثمنا باهظا لعدوانهم مما أدى الى تغيير قواعد العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على مبدأ الحسم السريع .

ومع ذلك، فإن السؤال الاستراتيجي المطروح بعد اقترابنا من نهاية السنة الثالثة على الاشتباك ليس مقدار ما استطاعت إسرائيل تدميره أو السيطرة عليه عسكرياً أو عدد الشهداء والجرحى ، وإنما ما إذا كانت استطاعت تحويل تلك المكاسب العملياتية إلى نتيجة سياسية واستراتيجية مستقرة.

وهنا تظهر الفجوة بين المستويين.

فحتى عندما تحقق القوات الإسرائيلية تقدماً ميدانياً واسعاً، فإن تحويل هذا التقدم إلى نظام إقليمي جديد يحتاج إلى شروط سياسية وأمنية لا تستطيع القوة العسكرية وحدها إنتاجها ، وعندما تفقد القوة العسكرية قدرتها على إنتاج انتصار دون دعم سلاسل الإمداد بالذخيرة المتواصل على مدار الساعة جوا وبحرا وبرا ودون وجود القيادة الأميركية الوسطى داخل الكيان تقوم بواجب الإشراف على العمل العسكري وتشارك فيه وعندما تكون الطائرات الغربية المشتركة على مدار الساعة تراقب من الجو وعلى عدة طبقات تحلل الفرضيات والاخطار المحتملة و تحدد الأهداف ، كل ذلك دون القدرة على الحسم بل وتحويل الكيان من حارس لمصالح الغرب في المنطقة إلى عنصر استنزاف لهذا لغرب المضطر لاهدار موارده في الدفاع عنه

وهذا هو الدرس الأهم في الحرب السيطرة على الأرض والتدمير الشامل للحياة فيها لا تعني بالضرورة القدرة على إنتاج مستقبل سياسي لها.

وبالمعنى نفسه، فإن المناطق التي جرى احتلالها أو تحويلها إلى مناطق أمنية في لبنان وسوريا وغزة قد تتحول إلى عبء إذا لم تستطع دولة الكيان الصهيوني إنتاج تسوية سياسية تسمح بتثبيت نتائجها.

ومن هنا تصبح العودة إلى التفاوض الأميركي ــ الإيراني، سواء عبر استعادة مذكرة 17 حزيران أو إنتاج اتفاق جديد أكثر تفصيلاً، جزءاً من البحث عن مخرج سياسي ليس فقط بين إيران وأمريكا بل على امتداد مساحة المواجهات وذلك تعبيرا عن عجز القوة العسكرية الأميركية عن إنتاج نهاية مستقرة ومناسبة للحرب.

6-لفهم أعمق لهذا الموضوع لا بد من التذكير بمسألتين أساسييتين الأولى أن هذه الحرب قد اندلعت وتوسعت بقرار أميركي و تقديرا من دوائر صنع القرار الأميركية بأن منظومة الهيمنة التي تدير مصالح ونفوذ القوى الغربية في المنطقة وفي قلبها الكيان الصهيوني تتعرض للتراجع والتآكل بفعل نهوض قوى التحرر و المقاومة ذات الطبيعة المستقلة عن نظام الهيمنة وثانيا بفعل سياسة التحوط التي تتبعها البلدان الحليفة للولايات المتحدة إزاء الضغوط الكبيرة التي يشهدها الإقليم لكونه مركزا لمصالح القوى العالمية الساعية للحصول على موارد الطاقة والسيطرة على طرق امدادها البحرية والبرية أو ضمان حرية الحركة فيها وقد ازدادت هذه العناصر ضغطا بعد بداية الحرب الروسية الأوكرانية

6 ــ تحالف مكة ومحاولة ملء الفراغ الإقليمي

عرفت المنطقة خلال هذه المرحلة تشكيل ما يمكن تسميته تحالف مكة، الذي ضم الى المملكة السعودية تركيا وباكستان. لكن هذا الإطار يبدو محكوماً منذ البداية بتباينات بنيوية بين أعضائه.

فالسعودية تنظر إلى إيران من زاوية أمن الخليج وتوازن القوى الإقليمي، بينما تمتلك تركيا وباكستان حسابات استراتيجية أوسع، وعلاقات مع إيران لا تسمح بسهولة بتحويلهما إلى أدوات في مواجهة مفتوحة معها.

لذلك فإن ما يجمع هذه الأطراف أقل في بعض الملفات مما يفرقها ،ومع ذلك فإن أهمية هذا التشكيل لا ينبغي أن تقاس فقط بقدرته على خوض مواجهة عسكرية، بل باعتباره مؤشراً على محاولة القوى الإقليمية إعادة بناء شبكات أمنية وسياسية جديدة استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب. وقد يكون هذا واحداً من أشكال التشبيك التي ستظهر لملء الفراغات التي أحدثها تراجع الدور الأميركي المباشر، حتى لو لم يتحول التحالف بصورته الحالية إلى بنية استراتيجية متماسكة.

6 ــ هل الصراع مجرد محاولة لمحاصرة الصين؟

تحاول بعض التحليلات اختزال الصراع في المنطقة باعتباره جزءاً من مناورة أميركية أوسع هدفها النهائي محاصرة الصين، باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة.

وقد يكون هذا البعد حاضراً بالفعل، لكنه لا يفسر وحده طبيعة الصراع.

فالمنطقة ليست مجرد ممر إلى الصين، ولا مجرد خزان للطاقة، بل تمثل عقدة مركبة من الجغرافيا السياسية والجغرافيا البشرية والثقافة والدين والموارد والممرات البحرية والأسواق.

والقوة الحقيقية لهذه المنطقة لا تكمن فقط في النفط والغاز، وإنما في الكتلة البشرية والحضارية الهائلة القابلة لإنتاج مشروع نهضوي مستقل.

ومن هنا يمكن فهم أهمية منع تشكل نظام إقليمي مستقل يمتلك القدرة على تحويل موارده البشرية والمادية والثقافية إلى قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية.

لقد أسهم النظام الدولي الاستعماري الذي نشأ خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في انشاء الكيان الصهيوني و تجزئة المنطقة إلى وحدات سياسية متنافسة، وإضعاف إمكانات التكامل بينها، وإبقاء العديد من دولها ضمن منظومات أمنية واقتصادية تعتمد بدرجات مختلفة على الخارج ،لكن التحول الجاري اليوم يطرح سؤالاً مختلفاً ،ماذا سيحدث إذا بدأت هذه المنطقة باستعادة قدرتها على إنتاج القرار، وعلى بناء شبكات اقتصادية وأمنية مستقلة، وعلى توظيف مواردها البشرية والمادية في مشروع إقليمي طويل الأمد؟

ربما تكمن هنا إحدى أهم خلفيات الصراع الراهن.

8 ــ ما الذي ينبغي أن تفهمه القوى الإقليمية؟

إن جميع القوى الفاعلة في المنطقة، كبيرها وصغيرها، أمام لحظة تستوجب إعادة قراءة الواقع بعيون جديدة.

فالحرب لم تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل كشفت أيضاً حدود المنظومات السياسية والأمنية التي قامت على افتراض استمرار التفوق الغربي بلا منافس.كما كشفت أن التفوق التكنولوجي لا يكفي وحده لحسم حرب طويلة، وأن الجغرافيا والديموغرافيا والقدرة على التحمل والإنتاج وتعويض الخسائر، وشبكات التحالف، والقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، أصبحت جميعها مكونات متداخلة في موازين القوة الجديدة.

والأهم أن المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها الفراغ الناتج عن تراجع قوة ما لا يعني بالضرورة انتقاله تلقائياً إلى قوة أخرى، بل قد يصبح مجالاً لتنافس عدة قوى على إنتاج نظام جديد.

خاتمة

من حرب القوة إلى إعادة تشكيل النظام

ما يجري اليوم ليس مجرد حرب بين الولايات المتحدة وإيران، ولا مجرد مواجهة بين إسرائيل وقوى المقاومة، ولا مجرد صراع على مضيق هرمز أو طرق النفط.

إنها في أحد أبعادها العميقة، اختبار للنظام الذي حكم المنطقة والعالم خلال العقود الماضية والسعي الى تغييره.

لقد أظهرت الحرب أن القوة العسكرية الهائلة تستطيع أن تدمر وتستطيع أن تفرض كلفة وتستطيع أن تحقق تقدماً عملياتياً؛ لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تنتج الإرادة السياسية للخصم، ولا أن تلغي الجغرافيا، ولا أن تحسم صراعاً تتداخل فيه القوة العسكرية مع الإرادة الشعبية والموارد البشرية والاقتصاد والعمق الجغرافي والطوبوغرافيا وشبكات التحالفات .

وفي المقابل، فإن الطرف الأضعف عسكرياً يستطيع، إذا امتلك القدرة على الصمود الالمؤسساتي والشعبي وترسيخ وحدته الوطنية وإدارة الزمن وتوزيع موارده وتنويع أدواته واستغلال موقعه في الجغرافيا السياسية والاستفادة من تحالفاته أن يمنع القوة الأعظم من تحويل تفوقها المادي إلى نصر سياسي نهائي.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القوى الإقليمية ليس فقط: من ربح هذه المعركة ومن خسرها؟ بل ما هي القواعد الجديدة التي بدأت هذه الحرب تفرضها على النظام الإقليمي والدولي؟

فإذا كان القرن العشرين قد قام على تفوق واضح لمركز دولي واحد استطاع بعد الحرب العالمية الثانية من بناء نظام أمني دولي شامل مفسحا المجال أمام ثنائية قطبية وتحت سقوف حمراء الحرب الباردة وإجراءات تقاسم النفوذ واتفاقيات الحد من الانتشار النووي سمحت له بترويض الدب الروسي وادخاله الى السيرك بادارة غورباتشيف ثم يلتسين الأمر الذي أتاح له ازاحته عن موقع الشريك حين تسعى له ذلك مما أفسح المجال في إنتاج الأحادية القطبية متسلحا بديناميكيات العولمة الرأسمالية المتوحشة التي اكتسحت العالم من أقصاه الى أقصاه ، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو متجهاً في مسار معاكس نحو مرحلة أكثر تعقيداً، تتوزع فيها القوة بين مراكز متعددة بعد أن فشلت عملية استيعاب النهوض الصيني ضمن إطار العولمة وعودة الروح الى روسيا كتعبير عن ثأر للكرامة الوطنية فبدأت تتراجع فيها قدرة القوة الغربية على فرض نتائجها منفردة وإذا ثبتت هذه الاتجاهات (وهذا أمر جلي)فإن المعركة الحالية لن تكون خاتمتها عند توقيع اتفاق أو وقف إطلاق نار، بل عند إعادة تعريف موازين القوة والتحالفات، وممرات الطاقة، وأدوار القوى الإقليمية، وحدود التدخل الخارجي وقدرة قوى الاستقلال المعبرة عن هوية شعوب المنطقة وارادتها في تحديد من يملك القدرة على صياغة مستقبل المنطقة.

وهنا تحديداً تكمن القيمة التاريخية للمواجهة أنها قد لا تكون مجرد حرب على تغيير ترتيبات قائمة، بل بداية صراع طويل على إنتاج ترتيبات جديدة.

Loading

أحمد السيد

Learn More →