لقاء د. مينا في نقابة صيادلة القاهرة.. عندما يتحول دعم عضو إلى مشهد على الهواء

كتب…مجدي الشهيبي

هل كان الهدف دعم د. مينا.. أم صناعة قضية جديدة على منصات التواصل؟
كان من المفترض أن يكون لقاء الدكتور مينا داخل نقابة صيادلة القاهرة مناسبة إيجابية، ورسالة واضحة بأن النقابة تقف إلى جوار أحد أعضائها وتحاول مساعدته في مواجهة أزمة مهنية استمرت لسنوات.
لكن ما ظهر خلال اللقاء، وما صاحب البث المباشر من نقاشات وتعليقات، يطرح علامات استفهام عديدة حول الطريقة التي أُدير بها اللقاء وحول جدوى تحويل اجتماع مهني بين زملاء إلى مادة إعلامية مفتوحة للجمهور.
بحسب ما ظهر في البث احتدت المناقشة في إحدى لحظاتها وتردد على لسان أحد أعضاء المجلس تعليق يفيد بأن “اهتمامات د. مينا مادية” وهو ما بدا أنه أثار استياء الدكتور مينا قبل أن يتم اصطحابه خارج الاجتماع في محاولة لتهدئة الموقف.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا
لماذا كان هذا اللقاء مذاعًا على الهواء من الأساس؟
هل كل لقاء بين النقابة وأحد أعضائها يحتاج إلى كاميرات وبث مباشر؟ وهل من مصلحة الطرفين أن تتحول المناقشات الداخلية بكل ما قد تحمله من اختلاف في وجهات النظر إلى محتوى متاح للجميع؟
اللقاءات المهنية تحتاج أحيانًا إلى مساحة من الخصوصية والهدوء يستطيع فيها الطرفان الحديث بصراحة والاختلاف دون خوف من أن تتحول كل كلمة إلى عنوان أو مقطع متداول أو مادة للتعليق على مواقع التواصل.
ثم نصل إلى نقطة أخرى أكثر حساسية:
تم الحديث عن توفير 6 فرص عمل للدكتور مينا.
وهذا في حد ذاته أمر إيجابي ويستحق التقدير إذا كان بالفعل في إطار مساعدة عضو نقابي يبحث عن فرصة مناسبة.
لكن هل توفير فرص عمل يعني أن صاحبها ملزم بقبولها؟
بالطبع لا.
فرصة العمل ليست منحة تُفرض على صاحبها وإنما عرض من حقه أن يدرسه ويقبله أو يرفضه وفقًا لظروفه، وخبراته، وطموحاته، ودخله المتوقع، والتزاماته الأسرية والمهنية.
ومن غير المنطقي أن يتحول رفض فرصة أو عدم الاقتناع بها إلى اتهام بأن “الاهتمامات مادية”.
فالواقع أن الجانب المادي عنصر أساسي في أي قرار وظيفي، وليس عيبًا أن يبحث الإنسان عن راتب مناسب أو مستقبل مهني مستقر.
بل ربما يكون السؤال الحقيقي:
هل نريد من خريج قضى سنوات عمره في التعليم أن يبحث عن أي وظيفة والسلام، أم نريد أن نساعده في الوصول إلى وظيفة تتناسب مع مؤهلاته وظروفه؟
والأخطر من ذلك هو ما ظهر من تعليقات على بعض المنصات الإخبارية، تضمنت بحسب المتداول إساءات أو تجاوزات بحق الدكتور مينا من حسابات قيل إنها تعود إلى صيادلة.
وهنا يجب أن تكون المسؤولية مشتركة.
الاختلاف في الرأي حق، وانتقاد أي شخص حق، لكن تحويل الخلاف إلى تجريح أو تنمر أو تشكيك في النوايا أمر مختلف تمامًا.
الدكتور مينا ليس مطالبًا بأن يصبح نسخة مما يريده الآخرون.
وليس من العدل أن يتم التعامل معه باعتباره شابًا حديث التخرج يمكنه الانتظار سنوات حتى يجد نفسه.
نحن نتحدث عن إنسان تجاوز الأربعين، وله حياته ومسؤولياته واحتياجاته، ومن الطبيعي جدًا أن تكون الاعتبارات المالية والمهنية حاضرة بقوة في قراراته.
ولكن.. ماذا عن آلاف “مينا” الآخرين؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في القصة كلها.
الدكتور مينا ليس حالة وحيدة.
هناك آلاف الخريجين من الجامعات، ومن الكليات التي يطلق عليها البعض “كليات القمة”، ممن أمضوا سنوات طويلة في الدراسة، وأنفقت أسرهم أموالًا طائلة على تعليمهم، ثم وجدوا أنفسهم بعد التخرج أمام سوق عمل شديد الصعوبة.
أسر دفعت من عمرها ومدخراتها من أجل تعليم أبنائها، على أمل أن يأتي اليوم الذي يرون فيه ثمار هذا التعليم.
لكن ماذا حدث؟
أصبح كثير من هؤلاء الشباب يبحثون عن أي فرصة، وأحيانًا يعملون في مجالات بعيدة تمامًا عن تخصصاتهم، بينما يمر العمر وتزداد المسؤوليات.
فإذا كانت النقابات قادرة على التحرك عندما تتحول حالة إلى “ترند”، فلماذا لا تتحرك قبل أن تصبح الحالة ترند؟
لماذا لا يكون هناك ملف دائم للتوظيف؟
لماذا لا يتم إنشاء قواعد بيانات حقيقية للخريجين الباحثين عن عمل؟
لماذا لا يتم التواصل بشكل مستمر مع الشركات والمؤسسات والمستشفيات والصيدليات لتوفير فرص مناسبة؟
ولماذا لا تتحول قصة د. مينا من حالة فردية إلى بداية لمشروع يستفيد منه آلاف الأعضاء؟
لا نريد نقابة تتحرك بعد أن تشتعل مواقع التواصل
ما حدث يمكن أن يكون فرصة حقيقية لمراجعة طريقة التعامل مع مثل هذه الملفات.
نحن نحتاج نقابات تتحرك من أجل أعضائها قبل أن يضطروا إلى الاستغاثة عبر مواقع التواصل.
نحتاج إلى نقابات تحترم خصوصية اللقاءات، وتوفر مساحة للحوار الهادئ، وتحترم اختلاف الأعضاء في رؤيتهم لمستقبلهم.
ونحتاج قبل كل شيء إلى ألا تكون فرص العمل مرتبطة بالترند.
فإذا كان قد تم توفير 6 فرص عمل لشخص واحد بعد أن أصبحت قصته حديث الناس، فكم فرصة يمكن توفيرها لآلاف الشباب إذا تم توجيه نفس الجهد إليهم؟
وزّعوا الأمل على الجميع.
ساعدوا الشاب الذي لم يجد من يسمعه.
ساعدوا الخريج الذي أنفقت أسرته عمرها على تعليمه.
ساعدوا من تجاوز الثلاثين والأربعين وما زال يبحث عن فرصة تليق به.
ولا تنتظروا أن يصبح كل واحد منهم “ترند” حتى تكتشفوا أنه موجود.
في النهاية، القضية ليست دكتور مينا وحده.
القضية هي كل خريج يشعر أن سنوات الدراسة والاجتهاد مرت دون أن يحصد ثمارها.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحًا أمام جميع النقابات المهنية:
هل سنظل نتحرك عندما تصبح الحالات ترند.. أم سنبدأ في بناء منظومة حقيقية تمنع آلاف الحالات من الوصول إلى هذه النقطة أصلًا؟

Loading

عبير سليمان

Learn More →