خبايا القدر وحكمة الحرمانقصة قصيرة

تأليف محمد تمام

في حارة ضيقة تتسلل إليها الشمس كخيوط من ذهب باهت، كان عم صابر يدفع عربته الخشبية ذات العجلات الحديدية التي تصدر صريرا يلوذ بأركان الأزقة.
كان يجمع عليها ما تيسر من بقايا المعادن والخردة، يطوي الطريق كأنه يطوي سنوات عمره، ورغم الحرمان الذي يلاحقه في كفاف يومه ليوفر مؤنة أطفاله الثلاثة وزوجته الصابرة،
كان قلبه يخلو تماما من الأحقاد. في صدره
كان هناك ذكرى عتيقة يعود عهدها إلى خمسة وعشرين عاما؛
يوم أن وقفت الدنيا في وجه صديق شبابه توفيق، وجاءه مكسور الخاطر يبحث عن طوق نجاة،
فلم يتردد صابر لحظة واحدة في أن يجرد جيبه وحصالة بيته من آخر نقود يملكها ، وأعطاه كل مدخراته ليفتدي بها صديقه ويدعه يلحق بأحلامه، ومضى توفيق وغابت أخباره في زحام الأيام دون أن يترك أثرا.

في تلك الأثناء، وعلى بعد أمتار قليلة، كانت هناك سيارة سوداء فارهة تهادي في سيرها وسط الحي المتواضع. كان يجلس في خلفيتها الحاج توفيق، الذي فتح الله عليه أبواب الرزق حتى صار من كبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمصانع. وبينما كان يلمح الشوارع من خلف زجاج سيارته المظلل، توقفت عيناه فجأة عند رجل مجهد تدلي كتفاه فوق قبضتي عربة خردة ثقيلة. دقق توفيق النظر، فجلس مستقيما وخفق قلبه بقوة؛ إنه صابر، صديقي القديم ، نعم إنه هو ، هذا ما كنت تبحث عنه ، شكرا ل فضلك يا الله ، هو كما هو ،رفيع الجسد، متعب الخطو، لكنه يحمل نفس الملامح الشريفة. كاد توفيق أن ينزل ليعانقه، لكنه توقف؛ علم أن نبل صابر وكبرياءه قد يمنعانه من قبول المال كعطية أو صدقة، فقرر أن يعيد إليه ثروته بحيلة دقيقة ومستترة تحفظ له كرامته وعزة نفسه.
جلس توفيق مع مساعده الخاص ينسقون الخطط، وكانت الحيلة أن يأتيه كنز الذهب في صورة بيعة عادية. أرسل توفيق أحداً من رجاله يتخفى في زي تاجر خردة بسيط، ليقف في طريق صابر ويقترح عليه شراء صندوق حديدي قديم ومغلق، زاعماً أنه لا يعرف ما بداخل الصندوق ويحتاج ثمنه لحاجة عاجلة، وباعه له بسعر زهيد للغاية. اشترى صابر الصندوق وهو يدعو للرجل بالبركة، وما إن واصل طريقه حتى التقاه جاره النجار، وكان رجلا طماعا يتطلع دائما لما في أيدي الناس. لمح النجار الصندوق وقوة معدنه وصنعه، فنظر إلى صابر وقال بلسان معسول تبيعه لي يا جاري لأضع فيه عدتي الخشبية والحديدية؟ وافق صابر براحة بال وباعه إياه بالثمن نفسه دون زيادة. مضى النجار إلى ورشته، وكأنه يحس بشيء غريب، فكسر القفل واستخرج الذهب الوثير المحشور بالداخل، ليرتفع صوته ضاحكاً هذا رزقي الخالص.
علم توفيق عبر عيونه التي تركها تتبع صابر بما جرى، فحزن حزنا شديدا، وقرر ألا ييأس ويتجه إلي حيلة أخري . أمر مساعده أن يستعين بخباز ماهر في المدينة، ليصنع رغيف خبز ضخماً ومحشوا بعناية بنقود الذهب الخالص في داخله دون أن تظهر من الخارج. وأرسل المساعد ليعطي الخبز الدافئ لصابر كهدية ودية وطعام لأهل بيته. أخذ صابر الخبز وشكر التاجر، ومضى إلى بيته مستبشراً برزق عياله، لكن الأقدار كانت تبطن أسبابها؛ ففي منتصف الطريق اعترضه جاره النجار، الذي كان قد أثرى فجأة وبات يملك المال، فنظر إلى الخبز وسأله بفضول عن مصدره، فلما علم صابر أنه نفس الرجل الذي أهداه الصندوق الحديدي، قام النجار بالإصرار الشديد على شراء الخبز منه، وعرض عليه مبلغا ماليا كبيرا يفوق قيمة الخبز عشرات المرات. توجس صابر ورفض في البداية، لكن إصرار الجار وطمعه جعلا صابر يستسلم ويبيعه الخبز. أسرع النجار إلى بيته وشق الرغيف، ليجد الذهب يلمع وسط العجين، ويسرق فرحة صابر للمرة الثانية.

ضرب توفيق كفاً بكف حين بلغه الخبز، وثار مساعده قائلاً إن هذا النجار يلتهم كنز صديقك كأنه يتتبع أثره! لكن توفيق رفض الاستسلام، وابتكر حيلة ثالثة التي لا تحتمل الشك ولا البيع. أعد حيلة ذكيه جدا قال لمساعدة حاول أن تصل لعربة الرجل الفقير وضع فيها سبيكاً من الذهب، واكتب على جوانب العربة ومقابضها بخط واضح وأسهم صريحة اتجاه الكنز ونصوصا تقول إن الذهب يقبع أسفل العربة.
وفي الصباح، استيقظ صابر ليجد العربة مكتوب عليها ، فلما قرأ الكتابة والأسهم المكتوبة، ضحك بمرارة وسخرية وقال في نفسه هذه خدعة صبيانية يحاول أحدهم العبث بها معي، وأنا رجل أعرف حظي جيدا في الحياة، ولن أنطلي علي هذه الألاعيب، وأقسم في لحظة غضب أن يبيع العربة ليبحث عن عمل آخر يستزق منه. وفي تلك اللحظة بالذات، كان الجار النجار يمر بالقرب منه، فلاحظ تمتمة صابر ولمح الأسهم والكلمات المكتوبة، ففهم الحيلة في توها. تقدم النجار متظاهراً بالطف وقال أريد شراء هذه العربة منك يا جاري لأني بحاجة إليها في نقل الخشب، واشتراها بثمن بخس، وذهب بها ليخرج الذهب من قاعها السري وهو يستقوي على حظ صابر التعس.
أمام هذه الدائرة المغلقة وعناد القدر، أدرك الحاج توفيق أن الحيل السريعة لن تصل بصديقه إلى البر، وأن الجار الطماع يتلقف الرزق قبل أن يمس يده، فقرر أن ينتقل إلى المرحلة الأخيرة التي تجمع بين المواجهة وصيانة الكرامة. أرسل خطابات رسمية بالبريد إلى بيت صابر، تتضمن دعوة للحضور إلى مقر إدارته الكبرى لوظيفة تناسب خبرته وبناء على طلب قديم. تسلم صابر الخطاب مستغرباً، وتأنق بأسمال قليلة، وذهب إلى مبنى الشركة وهو لا يدري ما يخبئه القدر بين جدرانه العالية.
دخل صابر المبنى بخطوات متلعثمة، تائه الملامح بين الرخام البراق والانعكاسات الناصعة. اقتاده المساعد إلى المكتب الرئيسي، ليفاجأ برجل يرتدي حلة فاخرة ينهض من خلف مكتبه والدموع تتراكم في عينيه. خطى الرجل نحوه بخطوات سريعة ثم اندفع يعانقه بعنف وشوق وسالمه سلام الشقيق لشقيقه.
تراجع صابر مستغرباً، فنظر الرجل في عينيه وقال بصوت متهدر أتذكرني يا صابر؟ أتذكر ذلك اليوم الذي جئت فيه إليك ضائقاً مكسوراً منذ خمسة وعشرين عاماً، فأعطيتني كل مدخراتك حتى لم يبق في بيتك اي نقود؟
لقد سافرت وجاهدت واجتهدت حتى فتح الله علي من أبواب رزقه، وصرت أملك الشركات والمصانع. وحين عدت أبحث عنك، وجدتك تجر عربتك الشريفة، فقررت أن أنتزعك من الفقر بحيل تحفظ لك كرامتك. الصندوق الحديدي، ورغيف الخبز، والعربة ذات القاع المزدوج.. كلها كانت مني وملأتها بالذهب لأجلك، لكن جارك الطماع كان يتلقف رزقك في كل مرة.
جلس صابر على الكرسي مشدوهاً، وحزن حزنا شديداً وهو يندب حظه قائلاً أعلم أنني رجل قليل الحظ يا توفيق، وكيف كان جاري يتتبع رزقي دون أن أدري.
ابتسم توفيق ونفى برأسه قائلاً بل أنت صاحب الفضل الأول! إن المبلغ الذي أخذته منك قديماً كان يمثل عشرة بالمائة من رأس مالي الذي بدأت به، وظل ينبت وينمو مع كل مصنع وشركة، وأموالي كلها هي ملك لك وحقك الخالص. ثم فتح توفيق خزينة مكتبه وأخرج منها شنطة ضخمة ملأها عن آخرها بالمال الخالص الوفير، وقدمها إلى صابر.
من هول المفاجأة، سقط صابر مغشياً عليه على الأرض. ولما أفاق ورأى الشنطة بين يديه، احتضنها بشدة كما يحتضن الأب طفله البكر بعد رحلة عقم طويلة وحرمان استمر عقوداً. نزل من الشركة يركض في الشوارع ركضاً، يطوي الطريق طوياً، ويتلفت يميناً ويساراً في خوف وهلع من أن يمتد كف غريب ليخطف منه ثروة العمر.
وقبل أن تصل قدمه عتبة بيته بأمتار قليلة، تعالت في الشارع أصوات الصراخ والدخان الأسود يتصاعد بكثافة؛ كان بيت جاره النجار يشتعل بالنيران، وزوجته تصرخ في الشارع بولولة شاقة ابنتي بالداخل ستلتهمها النار!
وقف صابر بين نارين قاهرتين: شنطة المال التي يحتضنها في صدره وثروة العمر، وبين صراخ طفلة محاصرة وسط ألسنة اللهب. وبدون أن يفكر، أخذ الشنطة في حضنه واقتحم النار بجسده، وعلا صراخ الطفلة من بين الدخان المتصاعد، فلم يتردد صابر لحظة واحدة؛ ألقى الشنطة جانباً واحتضن الطفلة بجميع قوته وحملها خارجاً ليعود بها إلى النور سالمة. التفت خلفه إلى ألسنة اللهب، فإذا بشنطة المال قد تفحمت تماماً واستحالت رماداً تذروه الرياح!
جلس صابر على الأرض يندب حظه بمرارة ودموعه تحرق خديه، أكلت النار مال العمر في لحظة! أقبلت زوجته الوفية، دثرته بكلماتها الحنونة وقالت له أنقذت روحاً يا صابر، وهذا عند الله أعظم وأبقى، واعلم أن ربنا يخبئ لك الأحسن والأفضل.
بعد أيام قليلة، طرق الباب بنقرات متخفية. فتح صابر ليجد جاره النجار يقف أمامه ذليلاً مكسوراً، الدموع تمحو كبرياءه بعدما أكلت النار جزءاً كبيراً من بيته وأعطته الحياة درساً قاسياً. قال النجار بصوت خنقته العبرة والندم الطمع يجمع فيذهب بالجميع يا جاري.. لقد أنقذت ابنتي بمالك وعمرك، وأنا من كنت يتتبع رزقك ويأخذ خيرك، وأنا مدين لك بحياتي وما بقي لي من عمر. قبل صابر اعتذاره بقلب نقي وسامحه وعفا عنه.
ومرت أيام أخرى، وعاد الابن الأكبر لصابر بعد انتهاء دراسته الجامعية. حين علم بما حدث قبّل يد أبيه وقال له بثقة واطمئنان الله يخبئ لك الأفضل يا أبي. ثم أردف بحياء لقد تعرفت خلال دراستي على فتاة فاضلة واتفقنا على الزواج. تساءل الأب بحسرة وكيف لي بمصاريف جهازك يا بني بعد أن احترق كل شيء؟ فرد الابن ابتسم فقط، لقد اتفقت على كل شيء، تعالوا معي لتتعرفوا على أهلها.
ذهب صابر وزوجته وأبناؤه، لتتوقف أقدامهم أمام قصر منيف يسر الناظرين، حافل بالحشم والسيارات الفارهة. تراجع صابر خائفاً وقال لابنه بتلعثم إلى أين أدخلتنا يا بني؟ أين نحن من هؤلاء القوم؟ طمأنه الابن ودق الباب.
دخلوا الصالون الرئيسي، لتكون المفاجأة التي أذهلت العقول؛ كان صاحب القصر الواقف لاستقبالهم بابتسامة دافئة ودموع ترقرق في عينيه هو صديقه الغني توفيق نفسه!
اندفعا في عناق طويل وضحكات امتزجت بالدموع، وتأمل صابر وجه صديقه القديم داخل ذلك القصر، مر شريط الأيام سريعاً أمام عينيه: العربة المتهالكة، الصندوق المفقود، رغيف الخبز المباع، أرقام الأسهم المنسية، والشنطة التي أكلتها النيران ليفتدي بها روحاً بريئة.
سالت دمعة حارة على خد صابر، لكنها كانت دمعة انقشاع الغشاوة عن قلبه، إذ أدرك في تلك اللحظة التجلي الأعظم للقدر؛ فلم يكن تعثره طوال تلك السنوات، ولا طمع جاره، ولا احتراق ثروته سوى تدبير إلهي خفي وبليغ.
اقترب منه توفيق، ووضع يده على كتفه بحب وهيبة، ليقول له بصوت يملأ الأرجاء خشوعاً:
يا صابر.. لا تحزن على ما فاتك، ولا تقل إني رجل قليل الحظ! إن الله لم ينقص من حظك قط، بل كان يدخره ليصبه في إناء أولادك كاملاً مكتملاً. لقد منعك في عطاء اليوم الجاري، ليعطيك في ملك الغد الدائم.. جعل حظك يسري في عروق ابنك الذي صان أصله، ليعود إليك المال والجاه والشراكة من أوسع أبواب الكرامة، برباط دم لا يقطعه أحد، وعز لا تأكله النار!
هنا خنقت العبرة الجميع، وأدرك صابر أن حكمة الله كانت أقوى وأرحم من حيل البشر؛ فالعطاء الحقيقي لم يكن في شنطة مال تحترق، بل في غرسطيب أثمر مجداً لأبنائه، ليبقى العهد، ويصح القول إن حرم الأب لحكمة، أورث الله الأبناء الفضل والنعمة.

Loading

عبير سليمان

Learn More →