“الكوارع لا تجرح المشاعر!!!!!”قصة قصيرة بقلم ياسر عامر

ذهب صباح العيد ليرى ذبح عجل لأول مرة في حياته.
كان يظن الأمر بسيطًا… مجرد طقسٍ اعتاده الناس؛ تكبيرات، سكاكين، وضحكات ثقيلة تسبق الوليمة.
لكنه لم يكن يعلم أنه ذاهب لمقابلة أكثر نظرة ستطارده في حياته كلها.

وقف وسط الزحام، بينما كان العجل مربوطًا في منتصف الساحة.
ضخمًا… هادئًا… بصورة أربكت الجميع.

لم يكن يقاوم.
لم يكن يصرخ.
فقط ينظر.

وفجأة، رفع العجل عينيه نحوه مباشرة.

تجمّد في مكانه.

كانت النظرة طويلة بصورة مخيفة، كأن العجل يعرف كل شيء.
يعرف ما سيحدث بعد دقائق، ويعرف أيضًا أنه عاجز عن الهرب، لذلك اكتفى بالنظر فقط… نظرته الأخيرة للعالم.

اقترب الرجل دون أن يشعر.
واقترب العجل أيضًا ببطء، حتى لامست أنفاسه يد الرجل.

وهنا حدث شيء غريب.

شعر أن بينهما لغة خفية لا يسمعها أحد.
لغة تقول:
“أنا مطمئن لك… فلا تؤذني.”

ارتبك قلبه.
وجف حلقه.
وبدأت التكبيرات من حوله تبدو بعيدة جدًا، كأنها تأتي من آخر الدنيا.

ثم تحرك الجزار.

وفي لحظة واحدة…

تم الذبح.

سقط جسد العجل على الأرض بعنف، فاهتز التراب تحت الأقدام، لكن الذي سقط حقيقةً كان شيئًا آخر داخل الرجل نفسه.

شيء يشبه الرحمة حين تُفاجأ بقسوة العالم.

عاد إلى بيته شاحب الوجه، مكسور النظرات، كأنه خرج من جنازة صديق قديم.
جلس صامتًا ساعات طويلة، لا يتحدث إلا بكلمات متقطعة:

“كان واثقًا…”
“بصلي بطريقة صعبة…”
“العجل كان طيب…”

وفي الليل، كلما أغمض عينيه، ظهرت النظرة من جديد.
عينان هادئتان… ثم مذبوحتان.

مرت الأيام، وبدأ يرفض اللحوم تمامًا.
كل قطعة لحم كانت تبدو له كأنها اعتراف بالجريمة.
حتى رائحة الشواء أصبحت تخنقه.

هزل جسده.
شحُب وجهه.
وصار يتحرك في البيت كأن روحه تُسحب منه ببطء.

وفي إحدى الليالي، جلس يحكي لزوجته بحماس غريب عن “الفيجتريان”.
قال لها وهو يهز رأسه بتأثر:
“دول عندهم حق والله… الإنسان مش لازم ياكل كائن كان عايش وبيبصله بعنيه.”

ثم تنهد بحزن وأضاف:
“العجل كان عنده مشاعر… أكيد كان فاهم اللي هيحصل.”

كانت زوجته تسمعه في صمت، بينما يأكل قطعة خبز ناشفة وكأنه راهب معتزل الدنيا.

حتى جاءت في ليلة أخرى تحمل وعاءً ساخنًا، يتصاعد منه البخار ورائحة الثوم الشهية.

وضعت الطبق أمامه وقالت بحنان:
“اشرب… دي شوربة كوارع.”

رفع عينيه نحو الطبق ببطء، ثم سأل بصوت مرتبك:
“هي… من نفس العجل؟”

أجابت زوجته ببساطة:
“أكيد.”

ساد الصمت.

ذلك الصمت الذي يأتي عندما تكتشف النفس تناقضها الكامل.

ظل يحدق في الطبق طويلًا، وكأن معركة فلسفية تدور داخله.

ثم بدأ يفاوض ضميره بهدوء:

“بس دي مش لحمة لحمة…”
“دي شوربة.”
“يعني تعتبر سائل.”
“والكوارع أصلًا مش موزة ولا أنتركوت.”
“دي أقرب للمواطنات البسيطة بتاعة العجل… مش اللحوم الأساسية.”

ثم نظر لزوجته فجأة وقال بثقة شخص اكتشف قانونًا كونيًا:
“أهو النباتيين نفسهم بيشربوا أعشاب… وأنا هشرب شوربة. كل واحد وليه قناعاته.”

وأمسك الملعقة أخيرًا.

شرب أول رشفة.

وفجأة…

عاد اللون إلى وجهه.
هدأت أعصابه.
وشعر بدفء غريب يسري في جسده، كأن الحياة نفسها عادت إليه داخل طبق من الشوربة.

أنهى الطبق كاملًا في صمت، ثم تنهد طويلًا وقال:
“واضح… أن الكوارع لا تجرح المشاعر.”

ومنذ ذلك اليوم، اتخذ قرارًا حاسمًا:

لن يأكل اللحوم مرة أخرى أبدًا.

لا كفتة.
لا ريش.
لا موزة.
ولا حتى قطعة صغيرة “على سبيل المجاملة”.

أما شوربة الكوارع… فتم استثناؤها إنسانيًا من المقاطعة.

ومع مرور الوقت، تحولت المسألة إلى فلسفة كاملة؛ فكلما وُضعت اللحمة أمامه، بكى وتأثر وتذكر نظرة العجل الأخيرة، أما إذا ظهرت شوربة الكوارع، كانت الملعقة تتحرك بسرعة مريبة دون أي أزمة ضمير.

حتى إن زوجته سألته يومًا في دهشة:
“هو مش الكوارع دي برضه من العجل؟”

فقال الرجل بثقة الفلاسفة:
“آه… بس بشكل لا يجرح المشاعر.”

ثم حدثت المفاجأة الكبرى.

فبعد شهور من الحزن والتعاطف ومقاطعة اللحوم، أعلن الرجل فجأةً أنه يريد الذهاب لرؤية ذبح عجل مرة أخرى.

ظنت زوجته أنه يحاول مواجهة صدمته القديمة والتغلب عليها بشجاعة.

لكنها اكتشفت الحقيقة عندما سألته:
“رايح ليه؟”

فأجاب وهو يرتدي حذاءه بهدوء:
“نفسي أشوف الكوارع وهي لسه فريش.”

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏