كتب..محمد تمام
بينما تنشغل الصالونات السياسية وأروقة الصحافة بتكهنات الأسماء وحسابات التوازنات في التشكيل الوزاري المرتقب، يقف هناك على الرصيف المقابل “المواطن المصري”؛ ذلك البطل التراجيدي الذي صمد أمام عواصف اقتصادية لم ترحم، وانتظر طويلاً في طوابير الأمل. هذا المواطن لا تهمه السيرة الذاتية للوزير بقدر ما يهمه “الأثر” الذي سيتركه هذا الوزير على مائدته، وفي فواتير خدماته، وفي مستقبل أبنائه الذين يراقبون قلق الأب وصمت الأم أمام احتياجات الحياة التي لا تتوقف عن الصراخ.
الواقع الذي لا تُجمله الأرقام
نحن أمام لحظة فارقة تتطلب مكاشفة شجاعة لا تجميل فيها. فالواقع يقول إن المواطن “المطحون” تحت رحى الغلاء لم يعد يملك ترف الانتظار الطويل أو الوعود المؤجلة. لقد تحولت “الحياة” بالنسبة لقطاع عريض من المصريين من سعي نحو الطموح إلى سباق محموم ضد الزمن؛ سباق تلهث فيه الأنفاس خلف لتر زيت، أو عبوة دواء، أو قسط مدرسة.
إن الحكومة القادمة لا ترث مكاتب فارهة فحسب، بل ترث “أمانة” ثقيلة لترميم جدار الثقة بين المواطن وجهازه التنفيذي؛ وهو جدار لا يُبنى بالبيانات الصحفية المنمقة، بل بـ “جبر الخواطر” المادي الذي يعيد للجنيه قيمته وللأسرة توازنها.
فاتورة الصبر.. متى تُسدد؟
لقد قدم المصريون “صكوك الوفاء” لسياسات الإصلاح المريرة، وتحملوا بجلدٍ أسطوري قسوة التضخم وتآكل القيمة الشرائية لمدخراتهم وعرق سنواتهم. واليوم، يهمس الشارع في أذن التشكيل الجديد: “لقد أدينا ما علينا من صبر، فمتى نرى ما لنا من ثمر؟”.
إن الحاجة ماسة لسياسات اقتصادية بـ “قلب بشري”؛ سياسات لا تنظر فقط إلى ميزان المدفوعات، بل تنظر بتمعن إلى “الميزان المختل” في ميزانيات الأسر البسيطة. المطلب الشعبي الآن ليس “الاستقرار الماكرواقتصادي” الذي تُشيد به المؤسسات الدولية، بل هو “الأمان المعيشي” الذي يجعل رب الأسرة قادراً على العودة لمنزله دون أن يشعر بوطأة العجز أمام مطالب صغاره.
أولويات بمداد الضيق.. والشباب وقودها
إن الحكومة الجديدة مدعوة لتبني أجندة “الإنقاذ العاجل”، والتي يجب أن ترتكز على محاور لا تقبل القسمة على اثنين:
كبح جماح “غول” الأسواق: لا يحتاج الناس إلى تصريحات وردية، بل إلى “رقابة ميدانية” نافذة تضع حداً لفوضى التسعير التي يمارسها تجار الأزمات.
أيها المختارون إعلموا أن الصحة والتعليم ليسا منحة، بل هما “حقوق سيادية” للمواطن. إن الشعور بالانكسار أمام باب مستشفى أو أمام تكاليف الدروس الخصوصية هو ما ينهك روح الانتماء.
تمكين الشباب.. لا تجميله: وهنا يبرز الرهان الأكبر؛ فالشباب المصري الذي يمثل الكتلة الصلبة للوطن، لم يعد ينتظر “تمثيلاً صورياً” في المناصب، بل ينتظر “فرصاً حقيقية”. إنهم يحتاجون من الحكومة الجديدة بيئة استثمارية تحتضن أفكارهم، وقوانين عمل تحميهم، وسياسات تفتح أمامهم أبواب الأمل في السكن والزواج والعمل الكريم، حتى لا يظل “السفر” هو الحلم الوحيد المتبقي في عقولهم.
إلى الوزراء الجدد: كونوا “مواطنين” أولاً
إن الحقيبة الوزارية في هذا التوقيت ليست تشريفاً، بل هي “صليب” يُحمل من أجل الوطن. نريد وزراء يمتلكون خيالاً سياسياً يتجاوز التقليد، يخرجون من مكاتبهم ليسمعوا شكاوى الموظفين في المواصلات العامة، ويشعروا بحرارة القلق في عيون الأمهات. نريد مسؤولاً يدرك أن قراره الذي يوقعه بـ “قلم حبر” قد يترجم إلى “دموع” أو “ابتسامات” في ملايين البيوت.
الاختبار الحقيقي لـ “العبور الصعب”
إن نجاح الحكومة القادمة لن يُقاس بطول الخطابات، بل بمدى انخفاض “أنين” البسطاء. إن الدولة القوية هي التي تستمد شرعيتها من “رضا” شعبها، والرضا يبدأ من شعور المواطن بأن حكومته “تتألم لألمه” وتحارب معه في نفس الخندق. إن التحدي ليس في عبور الأزمة الاقتصادية فحسب، بل في العبور بالإنسان المصري من نفق “العوز” إلى أفق “الكرامة”.
![]()

