كتب / د خالد ابراهيم
في مساحةٍ خفيّةٍ من وعينا، تنمو الأوهام بهدوءٍ مريب، متسلّلةً عبر صمتنا وتردّدنا، حتى تغدو أكثر رهبةً من الحقيقة ذاتها. فالوهم لا يحتاج إلى دليل كي يتمدّد، ولا إلى واقعٍ كي يشتدّ حضوره؛ يكفيه أن نمنحه مساحة في عقولنا، ليصوغ من الغموض عالماً كاملاً من القلق والترقّب.
نحن، في كثيرٍ من الأحيان، لا نخاف مما هو كائن، بل مما قد يكون. نُضخّم المجهول، ونمنحه ملامح أشدّ قسوة مما يحتمل، فنخوض معارك لم تبدأ، ونُرهق أنفسنا بأعباء لم توجد إلا في مخيّلتنا. وهكذا، يتحوّل الخوف من مجرّد شعور عابر إلى حالةٍ مستدامة، تُقيّد حركتنا وتُثقل قلوبنا.
في المقابل، تبقى الحقيقة — مهما بلغت قسوتها — واضحة المعالم، قابلةً للمواجهة والفهم. يمكن الاقتراب منها، تحليلها، والتعامل معها بوعيٍ وإدراك. أما الوهم، فيظلّ مراوغاً، متبدّلاً، بلا حدودٍ تضبطه ولا نهايةٍ تُنهيه، ولذلك يكون أكثر إنهاكاً للنفس وأشدّ وطأةً على الروح.
إن أخطر ما في الأوهام ليس وجودها، بل استسلامنا لها. حين نُسلم قياد عقولنا لتصوّرات غير مؤكّدة، نُسجن داخل دوائر من القلق لا تنتهي، ونفقد قدرتنا على رؤية الواقع كما هو: أبسط، وأوضح، وأقلّ تهديداً مما نعتقد.
لذلك، فإن أولى خطوات التحرّر لا تكمن في تغيير الواقع، بل في إعادة النظر إلى ما نُضفيه عليه من ظلال. فبين الحقيقة والوهم، تقف عقولنا كحَكَمٍ أخير؛ إمّا أن تنحاز إلى الوضوح فتمنحنا الطمأنينة،
أستسلم للغموض فتُبقي أبواب الخوف مشرعةً بلا حدود.
🖋️بقلم د.خــالــد ابــراهيــم
![]()

