بقلم: خالد إبراهيم
من ينصف الطالب المجتهد؟
في كل عام، ينتظر مئات الآلاف من الطلاب وأولياء الأمور إعلان نتيجة الثانوية العامة، ليس باعتبارها مجرد أرقام تُكتب على شاشة، وإنما باعتبارها حصاد سنوات طويلة من الكفاح، والسهر، والدموع، والتضحيات.
وراء كل طالب متفوق أبٌ اقتطع من قوت يومه ليوفر درساً خصوصياً، وأمٌ سهرت الليالي تدعو لولدها، وأسرة تحملت أعباءً اقتصادية ربما تفوق قدرتها، على أمل أن ترى ثمرة هذا العناء يوم إعلان النتيجة.
لكن هذا العام كمثيله العام الماضي – وتحديداً منذ تولي وزير التزوير وزارة لا تعليم إلا لأولاد الأغنياء والسماعات المخفية أو الرشاوي في لجان الامتحانات، وبينما كان الجميع يتحدث عن صعوبة امتحانات الكيمياء والأحياء، فوجئ الرأي العام بظهور نتائج استثنائية في بعض اللجان، حتى أصبح الحديث في الشارع المصري لا يدور حول أوائل الجمهورية، وإنما حول لجان كاملة حصد عشرات طلابها نسباً تجاوزت 95%، بل وبلغ بعضها الدرجة النهائية.
فكيف يمكن للجنة واحدة، أو مجموعة لجان متجاورة، أن تحقق هذا الكم من الدرجات المرتفعة في عام وصفه معظم الطلاب والمعلمين بأنه من أصعب الأعوام؟
وهل نحن أمام ظاهرة طبيعية تستحق الإشادة، أم أمام ظاهرة غير معتادة تستحق المراجعة؟ وهل من الطبيعي ان يتم بث النتائج عبر المواقع الإلكترونية وبعدها بدقائق يتم حجبها على أن يعاد بثها مرة آخري بتعديل ما يمكن تعديله للسنة الثانية على التوالي؟
إن أخطر ما يهدد المنظومة التعليمية ليس انخفاض نسب النجاح، وإنما اهتزاز ثقة الناس في عدالة المنافسة والتصحيح ورصد الدرجات والذي يبدأ من بؤرة الكنترول. فالطالب الذي اجتهد عاماً كاملاً، وحرم نفسه من الراحة، وأغلق على نفسه باب غرفته ليحفظ ويفهم ويحل آلاف الأسئلة، ثم خرج من الامتحان مطمئناً إلى أنه أدى ما عليه، قبل أن يفاجأ بنتيجة لا تحقق حلمه… هذا الطالب لا تؤلمه الدرجة وحدها، وإنما يؤلمه شعوره بأن مجهوده ربما لم يكن المعيار الوحيد في سباق يفترض أنه قائم على تكافؤ الفرص.
وما يزيد الألم أن تتردد في المقابل أحاديث عن وسائل غش إلكترونية متطورة، من سماعات دقيقة وأجهزة يصعب اكتشافها، حتى أصبحت هذه الوسائل حديث مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تكون حديث الطلاب أنفسهم. والأدهى من ذلك تكرار قلب النتيجة لصالح فئة معينة من الطلاب وتغيير النتائج الأصلية بعد ظهورها. فقد يكون كثير من هذه الأحاديث مبالغاً فيها، وقد يكون بعضها صحيحاً، لكن مجرد انتشار هذا الشعور بين الناس يكفي ليجعل مراجعة المنظومة ضرورة لا رفاهية. والتي لا تنحل إلا بحل الوزارة نفسها وأن يرحل وزير التزوير والأيدي الخفية التي تتحكم في كنترول الثانوية العامة.
إن الطالب المجتهد لا يطلب امتيازاً، ولا يبحث عن مجاملة، وإنما يطلب شيئاً واحداً فقط… العدل.
العدل الذي يجعل الدرجة تعكس العلم، لا القدرة على التحايل. العدل الذي يساوي بين ابن الأسرة البسيطة الذي باع أبوه جزءاً من احتياجات بيته ليكمل تعليمه، وبين أي طالب آخر، فلا يكون التفوق حليف من يمتلك وسيلة غش أكثر تطوراً. أو أن والده من أصحاب النفوذ الذي يستطيع أن يدفع لرؤساء اللجان وكنترول التصحيح.
من هنا، فإننا نوجه نداءً صادقاً إلى السيد رئيس الجمهورية بحل وزارة التربية والتعليم، واعتقال القائمين على منظومة الامتحانات:
سيدي الرئيس: فلتفتح باب المراجعة الفنية لكل ما يثير علامات الاستفهام، وادرس النتائج التي خرجت عن المألوف، ليس تشكيكاً في المتفوقين، ولكن حمايةً لهم قبل غيرهم، وحفاظًا على ثقة المجتمع في عدالة الامتحانات. فنتيجة كليات الطب لأصحاب الدرجات العليا بالعام الماضي – على شاكة نفس أزمة الغش والتزوير الحالية – لم تتعدى 49% ومنها ما جاءت بنسبة 41% نتيجة النجاح يا سيادة الرئيس.
إن الشفافية لا تسيء إلى أحد، بل تحمي الجميع. فمصر لا تحتاج فقط إلى أوائل ثانوية عامة، بل تحتاج إلى منظومة يشعر فيها كل طالب أن مجهوده لن يضيع، وأن حقه لن ينافسه فيه إلا من اجتهد مثله. العدل يا سيادة الرئيس في التعليم ليس خدمة تقدمها الدولة للمواطن، بل هو أساس بناء الأوطان، وإذا فقد الطالب ثقته في أن الاجتهاد هو الطريق الحقيقي للنجاح، فإننا لا نخسر نتيجة امتحان فحسب، بل نخسر قيمة من أعظم القيم التي يقوم عليها المجتمع.
ويبقى السؤال الذي ينتظر كل طالب مجتهد إجابته:
هل سيظل الاجتهاد هو الطريق إلى التفوق… أم أصبح الطريق يمر أحياناً عبر ثغرات المنظومة وبيع ضمائرها؟

![]()

