مقصلة الكنيست: حين يصبح الإعدام قانوناً والصمت شريكاً

بقم : أحمد السيد

بقلم : محمد تمام

لم يعد العدو يكتفي بجدران الزنازين الصمّاء، ولا بعتمة الزنازين الانفرادية التي تأكل من أعمار شبابنا، ولا حتى بسياسة التجويع الممنهجة التي حولت أجساد أبطالنا إلى هياكل عظمية ناطقة، وشواهد حية على أبشع عصور الانحطاط البشري؛ بل قرر اليوم، وبكل ما أوتي من صلف “قانوني” وقباحة أخلاقية، أن يشرعن القتل بدم بارد. إن إقرار الكنيست لسياسة تصفية الأسرى ليس مجرد إجراء تشريعي عابر أو مناورة سياسية لامتصاص غضب اليمين المتطرف، بل هو إعلان صريح وموثق عن مرحلة “الإبادة النهائية”؛ مرحلة لا يكتفي فيها السجان بسلب الحرية، بل يسعى فيها لانتزاع الروح تحت غطاء “القانون” المزعوم، مستفرداً بمن صمدوا كالجبال خلف القضبان، ومستغلاً عجز العالم الذي لم يعد يتقن سوى لغة الإحصاء الباردة.
وجوه خلف القضبان.. أرواحٌ تأبى المحو
حين نتحدث عن آلاف الأسرى، فنحن لا نلوك أرقاماً صماء في تقارير الصليب الأحمر، ولا نسرد إحصائيات جافة في نشرات الأخبار، بل نتحدث عن حيواتٍ بُترت، وعن أحلامٍ وُئدت، وعن بشر من لحم ودم.. نتحدث عن قامات مثل الدكتور حسام أبو صفية، ذلك الإنسان الذي ذاق مرارة الفقد في ذروة الخدمة تحت القصف، وضمد جراح شعبه وهو ينزف وجعاً على أحبته، ليجد نفسه اليوم —ومعه آلاف الأحرار— يواجه نبأ “محوه من سجلات الوجود” بقرار سياسي وقّعه جلادون ببدلات رسمية.
إن هذا القرار لا يستهدف الأجساد فحسب، بل يستهدف الرموز الكبرى؛ إنه يستهدف نائل البرغوثي الذي أمضى أكثر من أربعين عاماً يتنفس هواء السجون ولا يزال جبينه يعانق السماء، ويستهدف الأسرى المرضى الذين يصارعون الموت والسرطان في “مسلخ الرملة”، ويستهدف المئات من “الأسرى الإداريين” الذين يُقتلون معنوياً كل يوم. ولا ننسى تلك الثقوب السوداء في الضمير البشري المسماة “معسكرات سدي تيمان”، حيث يُمارس الإعدام الصامت تحت التعذيب بعيداً عن أعين الكاميرات، وحيث تُنتهك الكرامة بأحط الوسائل الخسيسة التي يندى لها جبين الإنسانية. يُراد لهؤلاء الأبطال اليوم أن يُساقوا إلى أعواد المشانق تحت سمع وبصر “مجتمع دولي” مشلول الإرادة، وعالم يدّعي التمدن لكنه لا يحرك ساكنًا أمام مأساة القرن.
اغتيال “اتفاقية جنيف” بدم بارد
ما يفعله الكنيست اليوم هو “إعدام معنوي” لكل المواثيق الدولية التي تشدّق بها الغرب لعقود. إن إقرار تصفية الأسرى هو خرق فاضح لـ “اتفاقية جنيف الثالثة” التي تُحرّم المساس بحياة الأسرى أو كرامتهم، وتعتبر قتلهم جريمة حرب لا تسقط بالتقادم. لكن هذا العدو، وتاريخه الملطخ بالدماء شاهد، لم يعرف يوماً حرمة لأسير؛ فمن ينسى دماء أسرى حرب 67 الذين دُفنوا أحياء في رمال سيناء؟ ومن ينسى مجازر مدرسة بحر البقر وصراخ الأطفال؟ إنها عقيدة “المحو” التي تتجلى اليوم في أبشع صورها التشريعية، برعاية صمت دولي مخزٍ يجعل من “منظمة الأمم المتحدة” مجرد شاهد زور على ذبح الحقيقة.
المسجد الأقصى وعار الخذلان العربي
لأول مرة في تاريخ هذا الصراع المرير، يُخرس الأذان وتُقيد الصلاة في رحاب المسجد الأقصى المبارك لشهر كامل، والرد العربي؟ “سكوت مطبق” يضج بالخزي. أكثر من سبعين ألف روح دُفنت تحت الركام والأنقاض في غزة، ورغم ذلك لا تزال الجامعة العربية لا تنتفض إلا لصياغة بيانات الشجب التي لم تعد تساوي قيمة الحبر الذي سُطرت به.
كيف يمكن لمن يمد يده بالمصافحة، ومن يتحالف ويدافع عن هذا العدو، ومن يشرع أراضيه لنشر قواعد وصواريخ “الباتريوت” لحمايته، أن ينظر غداً في مرآة التاريخ؟ هل هانت دماء أهالينا إلى هذا الحد؟ هل أصبحت أرواحنا مجرد “كائنات فائضة” عن حاجة البشرية، وحياتهم مجرد عبء يُصفى بقرار من “كنيست” لا يعرف للرحمة سبيلاً؟ إن من يحمي سماء القاتل يشارك -بالضرورة- في خنق الضحية.
العدو لا يفهم إلا لغة الصمود
هذا هو الوجه الحقيقي، الكالح والبشع، لمن تهرولون للتطبيع معه؛ عدو لا يحترم مقدساً، ولا يرحم أسيراً أعزل، ولا يعترف بحق في الحياة لغير سلالته. إنهم لا يسعون لتصفية الأجساد فحسب، بل لتصفية الذاكرة ومحو الهوية وكسر إرادة الإنسان العربي في كل مكان. لذا، فإن المعركة اليوم ليست معركة الأسرى وحدهم داخل زنازينهم، بل هي معركتنا الكبرى في “عدم التوقف عن الكلام”، في الصراخ في وجه الظلم، وفي كشف عورة المتواطئين والمنبطحين.
“إن الصمت في وجه الجريمة هو نصف الجريمة، والخذلان في وقت المحنة هو الطعنة المسمومة التي لا يمحوها زمن ولا يغتفرها تاريخ.”

إن ما يسطره الكنيست اليوم بمداد الحقد ليس مجرد بنود قانونية، بل هو صكّ إعدام لضمير الإنسانية جمعاء؛ فأن يتحول قتل الأسير المكبّل من جريمة حرب مخفية إلى “حق قانوني” معلن، فهذا يعني أننا أمام كيانٍ لم يعد يقيم وزناً لا لقانون دولي ولا لغضبة بشرية. إننا اليوم لا نحذر من احتمال، بل ندق ناقوس الخطر أمام كارثة وجودية؛ فغداً حين تستيقظون على أخبار المجازر الجماعية داخل الزنازين، وحين تضيق المشانق بأجساد أبطالنا الذين صمدوا في وجه الجوع والتنكيل، لن تنفع حينها بيانات “القلق” المصطنعة ولا عبارات “الشجب” الباردة التي تخرج من الغرف المكيفة.
إننا نطالب بتحرك فوري يتجاوز الإدانة الورقية؛ نطالب بطرد السفراء، وتجميد الاتفاقيات، ونقل ملف الأسرى فوراً إلى محكمة العدل الدولية كقضية إبادة جماعية. إن هؤلاء الأسرى هم البقية الباقية من كرامة هذه الأمة؛ فإذا صمتنا اليوم عن تصفيتهم، فنحن نوقع بأيدينا على تصفية وجودنا المعنوي والتاريخي. إن التاريخ لا يرحم، والذاكرة الشعبية لا تغفر، وقسماً بكل دمعة سقطت في زنزانة مظلمة، وبكل صرخة قمعها الجلاد، إن هذا الخذلان المرّ هو وصمة عار لن تمحوها السنون.
ليكن صوتنا هو القيد الذي ينكسر، وليكن حديثنا المستمر عنهم هو الحبل الذي يقطع مشانقهم؛ استمروا في التدوين، في التوثيق، وفي فضح السجان، فلا تتركوهم وحدهم يواجهون قدر المحو. إنها صرخة أخيرة: إما أن نكون أمة تحمي أبطالها، أو أن ننتظر دورنا في طابور الذل الطويل.. فخلف هؤلاء الأسرى تقف كرامة القدس، وعزة المسجد الأقصى، وحقنا في الحياة فوق هذه الأرض.. ولا نامت أعين الجبناء!

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏