كتب…خالد ابراهيم
ماذا يحدث في المنوفية؟
هل أصبحنا أمام إبستين المنوفية؟
في الأيام الأخيرة، اشتعلت الأسئلة في الشارع المصري، وتحوّلت محافظة المنوفية من رمز للهدوء والاستقرار إلى مسرح لجرائم تهزّ الضمير وتُربك العقل. جرائم متتابعة، غريبة، قاسية، لم نسمع مثلها من قبل ؛ لا تشبه ما اعتاد الناس عليه من أخلاق هذه المحافظة التي كانت دائماً تُوصف بأنها “محافظة الدولة- محافظة الحكومة – محافظة القيادات- محافظة الانضباط” المحافظة التي تَخرّج منها رؤساء الجمهورية، وقيادات، ورجال دولة منذ عام 1952 وحتى يومنا هذا.
كيف تحوّلت المنوفية، بكل إرثها، إلى مساحة مفتوحة لجرائم تهزّ القلب وتثير ألف علامة استفهام؟أين اختفى ذلك الشعور القديم بالأمان؟ وأين ذهبت هيبة المحافظة التي طالما ارتبط اسمها بالتأسيس الحكومي والنظام والانضباط؟
لقد صارت القصص التي نسمعها أشبه بما نقرأه في ملفات الجرائم العالمية حتى بات البعض يسأل – ساخراً في الظاهر، غاضباً في العمق –:” هل أصبح لدينا إبستين جديد في المنوفية؟”
في إشارة للفظائع التي صدمت العالم في قضية “جيفري إبستين”، بكل ما حملته من استغلال وانتهاكات ودوائر معقّدة من الفساد الإنساني.
السؤال يبدو ثقيلاً، لكنه يعكس حجم القلق وعمق الصدمة.
أين محافظ المنوفية؟
أين الرجل الأول المسؤول إدارياً عن أمن المجتمع المدني في المحافظة؟
أين صوته؟ أين بيانه؟ أين خطته الطارئة لمعالجة هذه الظواهر التي باتت تهدد سمعة المحافظة قبل أمن أهلها؟
وأين رجال الشرطة؟
هل يعقل أن تتكرر الجرائم بهذا الشكل، وفي أزمنة متقاربة، دون وجود تحرك علني يطمئن الناس؟ ليس الأمن في مجرد القبض على مجرم بعد وقوع الجريمة؛ الأمن الحقيقي هو أن يشعر الناس أن الدولة تراهم وتسمعهم وتسبق الخطر قبل أن يقع.
أين رجال الدين والتوعية والإرشاد فالمنوفية التي نعرفها ليست هذه!!
هذه المحافظة كانت عبر عقود كثيرة مضت رمزاً للدولة المصرية الحديثة. منها خرج رؤساء، وقادة جيش، ووزراء، ورجال دين وعلماء ومشايخ وعقول كبيرة صنعت تاريخاً سياسياً وعسكرياً ودينياً للدولة.
فكيف وصل الحال إلى هذا الانحدار الأخلاقي والاجتماعي؟
ولماذا أصبحت المنوفية عنواناً يتصدر الأخبار بسبب العنف والجرائم بدلًا من أن تكون نموذجاً للانضباط كما عهدناها؟
فإذا أمعنا النظر في جذور مثل هذه الظاهرة، نجد أن أحد أسبابها الجوهرية هو قلة الوازع الديني والأخلاقي، بسبب غياب الدور الحقيقي لعلماء الدين وأئمة المساجد ، بالإضافة إلى انحياز الخطاب الديني نحو مجاملة مسؤول أو مدح تصرف قيادي، أو الدعوة لتحمل ظروف الغلاء، بدلاً من تقديم توعية حقيقية وواقعية للمجتمع.
وللأسف، كثيراً ما يقتصر ظهور بعض رجال الدين على البرامج التلفزيونية، حيث يُمدحون ويُثنون على المذيعات المتبرجات ويُغفلون عن مسؤوليتهم التربوية الحقيقية في بناء ضمير ووعي مجتمعي.
فكل هذا كان بسبب الفراغ الأخلاقي والديني والذي ترك أثره المباشر في ضعف الانضباط الاجتماعي، ليصبح مجتمعنا أكثر عرضة للتصرفات المشينة والجرائم المؤلمة التي تهز أرجاء المعمورة حاليا بوجه عام وأرض المنوفية بوجه خاص.
هذه ليست مجرد جرائم… هذه نداء استغاثة
عندما تتكرر الحوادث بهذه الوتيرة، فهذا لا يعني أن المجتمع فجأة أصبح “سيئاً”، بل يعني أن هناك خللاً اجتماعياً ودينياً وأخلاقياً يتنامى، ضياعاً وفراغاً رقابياً يتمدد، بل وغياباً للمواجهة الجادة من مسؤولين يفترض أن يكونوا في الصفوف الأولى.
يا سادة… لا تتركوا المنوفية تنهار بصمت
الناس اليوم لا يريدون بيانات فضفاضة، ولا لقاءات بروتوكولية وشعارات ماهي إلا سراب يحسبه الظمأن ماءً. الناس تريد الأمان تريد حضوراً رسمياً واضحاً ليس من المكاتب الفخمة والشرفات أو المواكب المكلفة والتشريفات، تريد إجابة مقنعة، تريد أن تشعر بأن ما يحدث يُؤخذ على محمل الجد.
ما يحدث اليوم في المنوفية يجب ألا يُترك للصدفة، ولا للتكرار، ولا للوقت كي يطويه النسيان. فهذا مؤشر خطر قد يدق ناقوسه في جميع المحافظات؛ وبدلا ان تكون قضية محافظة او مدينة او قرية أو عائلةن تصبح قضية مجتمع بأكمله، نعود لعصر الجرائم مثل شيكاغو في ضرب الأمثلة الجرائمية.
الآن يجب أن يقف فيها المسؤولين أمام المرآة، ويسألون أنفسهم: ماذا قدّمنا؟ وفي ماذا قصّرنا؟ وما هو واجبنا الآن قبل أن تتسع دائرة الخطر؟
فمصر التي كانت يوماً صانعة للقيادات ورجال الدين والعلماء؛ لا يجوز أن تصبح اليوم ضحية غياب الحكومة.
![]()

