تعنيف مديري المستشفيات… هل أصبح شماعة لإخفاء أزمة المنظومة الصحية؟

كتب مجدي عاطف الشهيبي

في كل مرة تتصاعد فيها شكاوى المواطنين من نقص الأدوية أو المستلزمات الطبية، أو تتراجع جودة الخدمات داخل المستشفيات الحكومية، تتجه الأنظار سريعًا إلى مديري المستشفيات، وكأنهم المسؤول الأول والأخير عن كل أوجه القصور. وتبدأ حملات اللوم، وتتوالى قرارات التحقيق والجزاءات، بينما يبقى السؤال الأكثر أهمية دون إجابة: هل يمكن للتعنيف أو العقاب الإداري أن يوفر سرنجة غير موجودة؟ أو يخلق دواءً نفد من المخازن؟
الواقع يؤكد أن مدير المستشفى هو حلقة في منظومة صحية متكاملة، وليس صاحب القرار الوحيد في توفير الاحتياجات الطبية أو تدبير الموازنات أو إبرام التعاقدات. فالمستلزمات الطبية والأدوية تخضع لمنظومة معقدة تشمل التخطيط والتمويل والشراء والتوريد والتوزيع، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات ينعكس مباشرة على الخدمة المقدمة للمريض.
ورغم ذلك، غالبًا ما يكون مدير المستشفى هو أول من يتحمل المسؤولية أمام الجهات الرقابية والجمهور، بينما تبقى الأسباب الحقيقية للأزمة بعيدة عن دائرة المحاسبة. فالنقص المزمن في الاعتمادات المالية، وتأخر إجراءات الشراء، وتعطل سلاسل الإمداد، وغياب التخطيط الاستباقي للاحتياجات، جميعها عوامل لا يمكن معالجتها بقرارات عقابية أو توجيه اللوم إلى القيادات التنفيذية بالمستشفيات.
إن استمرار هذا النهج لا يؤدي إلا إلى خلق بيئة عمل يسودها الخوف من اتخاذ القرار، ويضعف قدرة المديرين على الابتكار والمبادرة، ويدفع كثيرًا من الكفاءات إلى العزوف عن تحمل المسؤولية في مواقع الإدارة، خوفًا من المحاسبة على أمور تقع خارج نطاق صلاحياتهم.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نبحث عن مسؤول نعاقبه، أم عن مشكلة نعالجها؟
إذا كانت الدولة تستهدف تطوير القطاع الصحي والارتقاء بجودة الخدمات، فإن البداية الحقيقية يجب أن تكون من معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها. وهذا يتطلب إعادة تقييم منظومة الإمداد الطبي، وضمان التمويل الكافي، وتطوير نظم الشراء والتوزيع، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة للتنبؤ بالاحتياجات، إلى جانب منح مديري المستشفيات الصلاحيات اللازمة التي تمكنهم من إدارة مؤسساتهم بكفاءة، مع تطبيق مبدأ المحاسبة العادلة المبنية على المسؤوليات الفعلية.
فلا يمكن تحميل مدير مستشفى مسؤولية نقص دواء لم يتم توريده، أو غياب مستلزم طبي لم يتم توفيره من المصدر. كما لا يمكن أن يتحول العقاب إلى بديل عن التخطيط، أو أن يصبح التعنيف وسيلة لإخفاء أوجه القصور المؤسسي.
إن تطوير المنظومة الصحية لا يتحقق بإيجاد “كبش فداء”، وإنما ببناء نظام إداري قادر على تحديد مواضع الخلل ومعالجتها وفق أسس علمية، وبمشاركة جميع الجهات المعنية في تحمل مسؤولياتها.
وفي النهاية، يبقى الهدف الأسمى هو حماية حق المريض في الحصول على خدمة صحية لائقة، وتوفير بيئة عمل عادلة للعاملين في القطاع الصحي، لأن نجاح أي منظومة لا يقاس بعدد التحقيقات أو الجزاءات، بل بقدرتها على تقديم خدمة آمنة، ومستدامة، وعالية الجودة للمواطن.
إن تعنيف مديري المستشفيات لن يوفر سرنجة ناقصة، ولن يصنع دواءً مفقودًا، ولن يحل أزمة متجذرة في المنظومة. أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ بالاعتراف بالمشكلة، وتشخيص أسبابها، واتخاذ قرارات جريئة تعالجها من جذورها، لا من أطرافها.

Loading

أحمد السيد

Learn More →