دومة الجندل..عراقة المكان وأصالة الإنسان

بقلم …أحمد السيد

ليست دومة الجندل مجرد واحة عريقة في قلب الجوف، ولا هي مجرد أحجار قلعة مارد التي صمدت في وجه الزمن، ولا مسجد عمر بن الخطاب الذي يشهد على تاريخها العريق، بل هي رجالها وأهلها. من يمر بدومة الجندل مرة، لا ينسى أهلها أبداً.

أكتب هذه الكلمات ليست من باب المجاملة، بل من باب شهادة حق لرجل عاش بينهم ثلاثة عشر عاماً كاملة، فما رأى منهم إلا كل خير.

جئت إليها غريباً، معلماً في ثانوية الملك سعود، التي كانت في ذلك الوقت أكبر ثانوية في المنطقة، فاستقبلني أهلها كأخ وابن، لا كموظف عابر. ثلاثة عشر عاماً لم أشعر فيها يوماً أنني غريب، كانت مجالسهم هي مجالسنا، وأفراحهم هي أفراحنا، وأحزانهم هي أحزاننا.

فماذا وجدت فيهم ؟أولا…وجدت فيهم كرماً لا تكلف فيه ولا تصنع، كرماً حاتمياً أصيلاً ورثوه عن آباء وأجداد سكنوا هذه الأرض. مجالسهم مفتوحة ليل نهار، ودلال القهوة لا تنزل عن النار، إذا نزلت عليهم ضيفاً فأنت صاحب المكان، وإذا احتجت شيئاً قضوا حاجتك قبل أن تتم كلامك. كرمهم تعلموه من نخل واحتهم التي جادت بالخير منذ آلاف السنين

ثانياً: حسن تعامل ولين جانب
ما يميزهم حقاً هو حسن تعاملهم وطيب معشرهم. تتعامل مع الكبير فيهم فتجده أباً حنوناً، ومع الصغير فتجده أخاً ودوداً، ومع الغريب فتجده قريباً. وجوههم بشوشة، وكلمتهم طيبة، لا تسمع منهم إلا “يا هلا” و “أبشر” و “سم”. سمحون في البيع والشراء، لينون في الخصومة، إذا وعدوا أوفوا.

ثالثاً: شهامة وفزعة لا تتأخر
أما الشهامة، فحدث ولا حرج. هم أهل الفزعة والنجدة، إذا استنجد بهم أحد هبوا جميعاً، وإذا وقع أحد في ضيق كانوا له سنداً وعزوة. تجدهم عند الشدائد كالجبل الراسي، كشموخ قلعة مارد. يقفون مع المظلوم حتى ينتصف، ومع المحتاج حتى يكتفي.

أما ثروتي الحقيقية.. فهم طلابي
تشرفت بأن أكون معلماً لأجيال تخرجت من تحت يدي في ثانوية الملك سعود، فمنهم اليوم المعلم الذي يكمل رسالتي، والمهندس الذي يبني الوطن، والطبيب الذي يداوي الناس، والضابط والموظف.. كوكبة نفخر بها جميعاً. وما يزيد فخري واعتزازي أن الكثير منهم إلى يومنا هذا مازال على تواصل معي، يرسل السلام ويسأل عن الحال، وفاءً لا يُنسى، وهذا إن دل فإنه يدل على أصلهم الطيب ومعدنهم الأصيل.

ختاماً..
من أراد أن يرى كيف يجتمع تاريخ المكان بكرم الإنسان، فليزر دومة الجندل. سيجد قلعة شامخة تحكي تاريخاً، ومسجداً عريقاً يشهد على حضارة، وسيجد رجالاً أشَمّ من قلعتهم، كرماء، طيبي المعشر، شهماء.

فتحية إجلال وتقدير لأهلنا في دومة الجندل، أهل الوفاء والطيب. ستبقى دومة الجندل وأهلها في القلب ما حييت، وستبقى تلك الـ 13 سنة هي أجمل سنوات عمري.

جزاكم الله عني كل خير، وبيّض الله وجيهكم كما بيّضتم وجهي بين الناس.

ابنكم وزميلكم ومعلمكم المحب

أحمد السيد

Loading

عبير سليمان

Learn More →