تأليف : محمد تمام
في إمارة “سندباد المفقودة”، لم يكن هناك حديث يعلو فوق صوت النحيب والضحك المختلطين في آن واحد. الأمير “فالح”، الابن الوحيد لأمير البلاد الراحل، لم يكن مجرد شاب عادي، بل كان يعيش في غيبوبة ذهنية موازية تماماً. وُصف في السجلات الرسمية بـ “المبارك”، وفي الغرف المغلقة بـ “المعتوه”، وفي أزقة القصر بـ “الكارثة المتحركة”.
قبل أن يجلس على العرش، كانت حياة فالح عبارة عن سلسلة من الفوضى المنظمة. كان يظن أن الخيول كائنات فضائية لبيبة يجب التخاطب معها بلغة الإشارة، وكان يرتدي تاجه مقلوباً ويستخدمه كسلة لجمع ثمار التين من حديقة القصر. حاولت حاشية الأمير الأب بكل الطرق “إصلاحه”، فأحضروا له أعظم فلاسفة العصر ليعلموه ميكافيلية السياسة، فما كان من فالح إلا أن أقنع الفيلسوف بأن “المنسف باللحم” هو الحل الأنطولوجي الوحيد لمعضلة الوجود، وخرج الفيلسوف من غرفته يركض عارياً وهو يصرخ بهستيريا: “كل شيء فانٍ.. إلا الفخذ الأيمن من الخروف!”.
مات الأمير الأب فجأة، واجتمع مجلس الوزراء الخبثاء بقيادة الوزير الثعلب “شامخ”. كان شامخ يخطط للاستيلاء على الحكم، لكن القوانين الدستورية الصارمة للإمارة تنص على أن العرش يجب أن يؤول للابن، حتى لو كان يرى أن القمر مصنوع من الجبن الرومي المعتق. خطط شامخ لمؤامرة خبيثة: سيتوجون فالح أميراً صورياً لمدة يوم واحد، وفي الليل، يتم إعلان “جنونه الرسمي” بموجب تقرير طبي، ونقله لصحراء قاحلة، ليتولى شامخ الوصاية المطلقة.
جُلب فالح إلى قاعة العرش، وكان يرتدي عباءة الإمارة المقصبة بخيوط الذهب، لكنه أصر بنوبة بكاء على انتعال “خف منزلي” وردي اللون على شكل أرنب ذي أذنين طويلتين. وقف أمام الحشود المتأهبة، وبدلاً من إلقاء خطبة العرش العصماء التي صاغها له شامخ، نظر فالح إلى الميكروفون الذهبي، وبأناقة شديدة ظنه “حلوى مصاصة” بنكهة النعناع البري، فبدأ بلعقه بحماس طفولي شديد، مما أصدر صوتاً صاخباً ومقززاً في مكبرات الصوت تسبب في صدمة سمعية تردد صداها في أرجاء الإمارة!
كانت هذه البداية فقط.. فالمصادفة الكوميدية الكبرى حدثت في نفس اللحظة. في تلك الدقيقة تحديداً، كان هناك وفد من الأعداء الجواسيس لـ “مملكة الجبل” يتسللون خلف الستائر لاغتيال الأمير الجديد بسم سريع النفاذ. عطس فالح فجأة عطسة مدوية زلزلت الأركان بسبب غبار التاج القديم، فالتفت بقوة دورانية طارت إثرها فردة حذائه “الأرنب الوردي” في الهواء، لتدخل مباشرة وبدقة بالستية في فم الجاسوس المختبئ خلف الستار المخملي! سقط الجاسوس مخنوقاً بالخف، وانكشف بقية رفاقه وهم يرتعدون ظناً منهم أن الأمير “فالح” يملك قوى ما وراء الطبيعة وحاسة سادسة مرعبة مكنته من رصدهم وقصفهم بـ “سلاح الأرنب الموجه”. انطلقت الهتافات الحاشدة في القاعة: “عاش الأمير فالح.. صائد الجواسيس بالخفاف!” وتسمر الوزير شامخ في مكانه، مرعوباً من هذا “الذكاء العسكري التكتيكي المفاجئ”.
تسلم فالح الحكم، وتحولت قاعة العرش السريالية إلى قاعة ألعاب كبرى. في الأسبوع الأول، حضر قادة الجيش الأشاوس لمناقشة ميزانية الدفاع والاستراتيجية العسكرية الردعية ضد الأعداء. جلس فالح على العرش يداعب دجاجة سمينة قرر تعيينها “مستشارة الأمن القومي” وأسماها “سوسو”.
الوزير شامخ (ببخث): “مولاي الأمير، الأعداء يهددون بقطع خطوط الإمداد وحصار الإمارة، ما هي خطتكم الحربية المضادة؟”
الأمير فالح (وهو ينظر بعمق شديد لعيني الدجاجة، غارقاً في مونولوج داخلي سري يبحث فيه عما إذا كانت سوسو تخفي حبات الذرة خلف ريشها): “المشكلة في القشرة.. القشرة قاسية جداً!”
قائد الجيش (بذهول وانبهار): “تقصد قشرة الحصون الدفاعية الأسمنتية يا مولاي؟ هل نضربهم بالمنجنيق الثقيل؟”
في تلك اللحظة الحرجة، نقرت الدجاجة “سوسو” فجأة بمنقارها بعنف على بقعة داكنة في أقصى غرب الخارطة العسكرية المفرودة أمام العرش بحثاً عن دودة وهمية، فشهق قائد الجيش وارتعدت فرائصه ظناً أنها إشارة جغرافية مقدسة.
الأمير فالح تابع ببلاهة: “لا.. البطاطس يجب أن تُقشر جيداً قبل القلي، وتوضع في الماء والخل. من اليوم، يُمنع أكل أي شيء سوى البطاطس المقلية المقرمشة في كل الإمارة، والدجاجة سوسو ستشرف شخصياً على الملح!”
ظن الجميع أن هذه “شفرة عسكرية” بالغة التعقيد وعميقة التشفير. اعتقد قائد الجيش أن الأمير يأمر بتجويع الأعداء وحرق محاصيل القمح لديهم لإجبارهم على الاعتماد على المخزون الأرضي (البطاطس)، ونقر المستشارة سوسو للغرب يعني تفخيخ التلال الغربية بالكامل، فنفذ الجيش الخطة بحذافيرها وبحماس منقطع النظير.
عندما هجم جيش الأعداء، وجدوا أن جميع حقول القمح قد تم تمويهها كلياً، وأن جيش فالح قام بردم الخنادق الغربية بركام طيني غريب ومزلق بالخل النفاذ. تزحلق خيل الأعداء وسقطوا في الفخ جماعياً، وانتصرت الإمارة بفضل “استراتيجية البطاطس والخل والنقر الاستخباري” دون إراقة قطرة دم واحدة! ودخل فالح التاريخ العسكري كأغرب عبقري تكتيكي في العصور الوسطى.
وصل وفد دبلوماس رفيع المستوى من إمبراطورية “الروم” العظمى لتوقيع معاهدة تجارية مجحفة تأخذ 70% من ضرائب الإمارة. كان الوزير شامخ يبتسم سراً، فالآن سينكشف جنون فالح المطبق ويضيع ملكه أمام دهاة الروم. دخل السفير الإمبراطوري المتغطرس، وبدأ يقرأ الشروط بلغة لاتينية متعالية. فالح لم يكن يستمع أبداً، كان مستغرقاً في معركة وجودية حاسمة لمحاولة توازن قلم رصاص خشبائي على أرنبة أنفه الأفطس، وكان يرى في مخيلته الطفولية أن السفير بوجهه الطويل وشفتيه المرتعشتين يشبه تماماً قالب الحلوى الاسفنجية الكبير الذي منعه طبيب القصر من أكله في الصباح.
عندما وضع السفير المعاهدة بغطرسة أمام فالح ليوقعها، نظر فالح إلى الأوراق ببلاهة، ثم أخذ الحبر الختمي الملكي، وبدلاً من الختم، قام بغمس كفيّه في الحبر الأسود وضبعهما بقوة على وجه السفير وهو يقهقه قائلاً: “قطة.. أنت قطة مواء!”
ساد الصمت القاتل أرجاء القاعة. الوزير شامخ حبس أنفاسه ظناً أن الحرب الشاملة ستشتعل الآن. لكن السفير الإمبراطوري، الذي كان معتاداً على الملوك المنافقين والمؤامرات السياسية الملتوية، أصيب برعب وجودي مباغت! فكر في نفسه ذعراً: “هذا الأمير ليس بشراً.. إنه مجنون انتحاري سيكوباتي لا يهاب الإمبراطورية، إنه يهددني بصبغ وجهي بالحبر الأسود، وهذا في العرف السري التاريخي يعني إعلان إبادة شاملة لبعثتنا الدبلوماسية وسحق كبريائنا إن لم ننسحب فوراً!” سقط السفير على ركبتيه باكياً وقال: “أرجوك يا سمو الأمير العظيم.. سنعدل الاتفاقية فوراً! خذوا أنتم 80% من الضرائب، وفقط ارحموا إمبراطوريتنا من بطشكم الأعمى السادي!” خرج السفير يركض بوجهه المصبوغ، وفالح يلوح له بابتسامة طفولية ناصعة ويقول: “باي باي قطة!”
جن جنون الوزير شامخ، فكل مؤامرة تنقلب بمعجزة لصالح هذا المعتوه. قرر شامخ أن يتحرك بنفسه ويدس السم الزعاف للأمير في كأس عصير العنب المفضل لديه أثناء حفل الاستقبال الكبير. وقف شامخ بجانب العرش وقدم الكأس المسموم لفالح بابتسامة صفراء لزجة: “اشرب هنيئاً مريئاً يا مولاي.. هذا عصير نصرك المؤزر.”
نظر فالح في الكأس، ثم نظر إلى وجه شامخ التعيس البائس. وفي صميم عقله البسيط، كان فالح يرى أن عمامة شامخ الضخمة تبدو مثل وعاء حساء مقلوب يحتاج حتماً إلى سائل يملأه. وفي حركة مفاجئة تنم عن براءة مطلقة (أو خلل عقلي كامل)، أخذ فالح الكأس وسكبه بالكامل داخل عمامة الوزير شامخ الضخمة وقال بضحكة مجلجلة: “رأسك ساخن يا شامخ.. رأسك يحتاج عصير لكي يبرد!”
تغلغل السم السريع عبر مسام فروة رأس شامخ المخفية تحت العمامة، وبدأ الوزير يهتز بعنف تشنجي ويصرخ باعترافاته تيقناً منه أن الأمير كشف أمره استخباراتياً عبر أجهزته السرية وسقاه السم بطريقة سحرية مرعبة: “أنا الخائن! أنا من وضع السم! اعفُ عني يا أمير السحر والجنون الأسود!” ثم سقط مغشياً عليه ليتم جره إلى غياهب السجن وسط ذهول وإجلال الحاضرين.
جلس فالح على عرشه، وحوله دجاجته “سوسو”، والبلاد تعيش في أزهى عصورها الجيوسياسية: الاقتصاد في أعلى مستوياته التاريخية بفضل اتفاقية “القطة مواء” مع الإمبراطورية. الأمن: الأعداء يرتعدون من مجرد سماع اسم “الأمير فالح مدمر الجواسيس بخفاف الأرانب”. الشعب: يأكل البطاطس المقلية المقرمشة بسعادة غامرة كل يوم بالخل والملح.
وقف قائد الجيش الجديد ينظر إلى الأمير فالح وهو يحاول الآن ركوب مسند العرش مقلوباً كأنه أرجوحة ملاهٍ، وقال بهمس خاشع لأحد الحاشية: “يقولون إنه مختل عقلياً.. لكني أظنه ذكاءً كونياً خارقاً يرتدي قناع البراءة الماكرة. إن سياسته أعمق من فهمنا البشري القاصر!” بينما فالح في صميم عقله كان يفكر فقط في شيء وجودي واحد: متى سيأتي موعد طعام الغداء ليأكل أصابع البطاطس المقرمشة؟ ولسان حال التاريخ يكتب في سجلاته بمداد من ذهب كوميدي: “فالح مفلحش زمان.. بس أفلح على العرش وصار أعظم سلطان!”
طارت الأنباء الأسطورية في الآفاق عن “الأمير فالح الأول” الذي هزم الأعداء بالخل والبطاطس، وقهر الأباطرة بالملعقة والحبر الملكي. وصلت هذه الأخبار المربكة إلى مملكة “البحر الأزرق”، حيث تجلس الأميرة “ياقوتة”؛ امرأة يقطر ذكاؤها مكراً داهياً، وتدير شؤون مملكتها بعقلية لاعب شطرنج محترف لا يرحم. قالت ياقوتة لنفسها وهي تتأمل خارطة العالم بزهو: “هذا الأمير إما أنه عبقري فذ يتظاهر بالبلاهة ليرعب أعداءه، أو أنه معتوه محظوظ بحظ الملوك.. وفي الحالتين، سأذهب إليه بنفسي، سأعقد معه معاهدة زواج سياسي ماكر، أسلبه إمارته بذكائي الأكاديمي، وأضمهما إلى ملكي!”
جهزت الأميرة ياقوتة موكباً بروتوكولياً لم تره الأرض من قبل: مئة فارس على خيول بيضاء مطهمة، وصناديق من لآلئ البحر النادرة، ومستشارين يملكون ألسنة ديبلوماسية قادرة على إقناع الصخر الأصم بالبكاء. وانطلقت بكبرياء نحو إمارة سندباد المفقودة.
وصل الموكب المهيب إلى القصر الملكي. كانت الأميرة ياقوتة ترتدي ثوباً مخملياً فاخراً مرصعاً بالياقوت الأحمر، وتسير بخطوات واثقة تزلزل البلاط. فتح الحراس أبواب قاعة العرش الكبرى بمهابة… لكن العرش العاجي كان فارغاً تماماً! ساد الصمت المربك، وتلفتت ياقوتة يميناً ويساراً بغضب ملكي مكتوم: “أين سمو الأمير؟ هل هذا تجاهل بروتوكولي متعمد لإهانة سيادة مملكتنا؟”
وفجأة، سُمع صوت خروشة واحتكاك ورقي من خلف الستار الحريري الضخم المنسدل خلف العرش. خرج رأس فالح فجأة، وعلى رأسه طنجرة (حلة) نحاسية مقلوبة يتدلى يدها على أذنه بدلاً من التاج، وفي فمه جزرة متسخة نصف مأكولة. نظر إلى الأميرة ياقوتة وعيناه تتسعان ببراءة شديدة، ثم صرخ بأعلى صوته بنبرة مرعبة: “بخخخ!.. أنا الشبح الأخضر! لقد خسرتِ.. أنتِ ‘المقفوشة’ الآن في لعبة الغُميضة!”
صُعق مستشارو الأميرة من هذه الصدمة الحضارية، لكن ياقوتة حافظت على هدوئها الحديدي، وضغطت على أسنانها مفكرة بتحليل عميق: “إنه يختبر ثباتي الانفعالي بدقة.. يريد أن يظهر بمظهر غير المبالي ليهز ثقتي الدبلوماسية بنفسي قبل المفاوضات. حرب نفسية مبكرة ومدروسة!”
الأميرة ياقوتة (بابتسامة دبلوماسية ساحرة مصطنعة): “سمو الأمير العظيم فالح.. جئت من بلاد البحر البعيدة أطلب ودكم النبيل، وأعقد عليكم تحالفاً أبدياً بين عرشينا برباط الزواج المقدس.”
الأمير فالح (وهو يشير بقعر الطنجرة النحاسية إلى الدجاجة سوسو): “الزواج؟ لكن المستشارة سوسو تقول إن المتزوجين لا ينامون مبكراً بسبب النكد، وأنا أحب مشاهدة الرسوم المتحركة في السابعة صباحاً دون إزعاج!”
استدار قائد الجيش الجديد فوراً نحو الحاشية وهمس بذهول وانحناء: “أرأيتم عبقريته؟ إنه يشير إلى ‘سوسو’ مستشارة الأمن القومي بذكاء ليخبرها علناً أن شروط الزواج الدولي يجب ألا تتعارض مع خطط المراقبة والرصد الصباحية للإمارة! يا له من ثعلب استراتيجي!”
في المساء، أُقيمت مأدبة عشاء ملكية باذخة على شرف الأميرة والوفد المرافق. قررت ياقوتة أن تبدأ الهجوم الدبلوماسي الحقيقي المستتر. أمرت مستشارها القانوني بفتح وثيقة الزواج الشائكة المليئة بالثغرات، والتي تنص في بنودها السرية الخفية على نقل صلاحيات إدارة الجيش والضرائب السيادية إلى يدها بمجرد توقيع العقد.
الأميرة ياقوتة: “سمو الأمير، قسّمت البنود هنا ليكون لسيادتكم هيبة الاسم والعرش، ولي عناء الإدارة الروتينية والجيش.. لتتفرغ أنت بكامل وقتك لإبداعاتك التكتيكية العظمى.”
الأمير فالح (لم يكن يستمع مطلقاً لما تقوله، كان مشغولاً بمحاولة إنقاذ واصطياد حبة باذلاء خضراء في طبق الشوربة باستخدام سكين اللحم الكبيرة): “الجيش؟ لا.. الجيش مشغول بالكامل الآن في تقشير أطنان البطاطس للحفلة القادمة.”
ثم نظر فالح فجأة إلى وجه الأميرة المليء بالمساحيق البيضاء الكثيفة (البودرة) التي تضعها كعادة أميرات ذلك العصر، وظن ببراءته الساذجة أنها مغطاة بـ “كريمة الكيك الفاخرة اللذيذة” التي يعشقها. أخذ ملعقة كبيرة مترعة من المنسف، ومد يده فجأة بتهور أرعن عبر الطاولة، ولطخ وجه الأميرة ياقوتة بعنف بكتلة من الأرز واللبن واللحم وهو يضحك برضا طفولي: “هكذا أفضل بكثير.. ينقصك بعض الملح والبهار يا حلوى الفراولة الكبيرة!”
انتفض الفرسان الحراس من مملكة البحر وأيديهم على مقابض سيوفهم بوعيد! صرخوا بغضب: “إهانة بروتولولية صارخة للأميرة!” لكن ياقوتة، التي تجمدت في مكانها تماماً وحبات الأرز تتساقط ببطء على رموشها، تذكرت برعب مصير الجواسيس المطحونين ومصير الوزير شامخ المسموم. تذكرت أن هذا الرجل قصف جاسوساً محترفاً بخف منزلي وردي وقتله صعقاً! فكرت برعب واقتناع عقلي جازم: “إنه يهددني علانية وبوقاحة الملوك الكبار! لطخ وجهي باللحم والرز أمام حراسي ليوصل لي رسالة جيوسياسية واضحة كالشمس: ‘أنا قادر على سحق جيشك وجعله كالأرز تحت كفي إن حاولتِ اللعب بالبنود السريّة!’.. يا إلهي، إنه تنين كاسر في هيئة طفل وادع!” رفعت ياقوتة يدها المرتعشة بسرعة لتأمر حراسها بالرجوع الفوري، وقالت بصوت متهدج من شدة الذعر: “ت.. تكتيك عسكري بليغ ومذل يا مولاي.. فهمت الرسالة القاسية تماماً. احذفوا بند الجيش والضرائب فوراً من الوثيقة! الإمارة لسيادتكم وحدكم!”
فالح ابتسم بسعادة بلهناء وأخذ قطعة لحم سمينة وأعطاها للدجاجة: “سوسو.. الحلوى البيضاء وافقت على وضع الملح!”
في اليوم التالي، تم تجهيز الوثيقة الدبلوماسية النهائية؛ إمارة سندباد المفقودة تظل مستقلة تماماً وسيادية، ومملكة البحر الأزرق تدفع جزية سنوية ضخمة من اللؤلؤ لإمارة فالح كهدية زواج دائم، شريطة ألا يقوم الأمير فالح بأي “عمل عسكري تكتيكي مفاجئ” ضد حدودها. جاءت لحظة التوقيع التاريخية بحضور حشود غفيرة من الإمارتين. مشت ياقوتة بخطى حذرة متوجسة، وعيناها لا تفارقان تحركات الأمير فالح خوفاً من أي حركة فيزيائية غير متوقعة.
كان فالح يجلس بنشوة على كرسي مكتب هيدروليكي دوار حديث أحضره له أحد التجار من المدينة كهدية، وكان فالح يجد متعة خرافية طفولية في الدوران حول نفسه بسرعة لولبية هائلة.
المستشار الملكي: “تفضلي يا أميرة ياقوتة بالتوقيع الرسمي.. تفضل يا سمو الأمير فالح المعظم.”
وقعت ياقوتة بيد ترتعش فرائصها. وعندما جاء دور فالح، دفع الأرض بقدمه بقوة ليدور بالكرسي بسرعة هائلة مغلقاً عينيه وهو يصرخ بانتشاء: “طيارة!.. أنا طيارة هليكوبتر حربية!”
وفي قمة دورانه الطاحن السريع، طارت ريشة الكتابة الحادة المغمسة بالحبر الأسود من يده كالمقذوف الناري الموجه، لتخترق الهواء الصامت وتستقر بدقة ميكرومترية متناهية في عين “رئيس حرس الأميرة ياقوتة” الذي كان يخطط سرياً في تلك اللحظة بالذات للقيام بانقلاب عسكري دموي ضد أميرته ياقوتة بمجرد عودتهم لمملكتهم!
صوّت رئيس الحرس وعوى يصرخ من الألم وهو يمسك عينه المصابة بالحبر الملكي الحارق، وتناثرت من جيبه إثر السقوط وثيقة سرية للغاية تحتوي على بنود المؤامرة الانقلابية التي كان يخطط لها ضد ياقوتة. التقط حراس فالح الوثيقة وقرأوها بصوت جهوري علني. نظرت الأميرة ياقوتة برعب إلى رئيس حراسها الخائن المنبطح، ثم نظرت بإجلال وتقديس إلى الأمير فالح الذي توقف عن الدوران لتوّه وكان يبتسم ببلاهة ولعابه يسيل ويحاول تنظيف أذنه بالريشة الأخرى المتبقية.
وقعت ياقوتة فوراً على ركبتيها باكية أمام العرش، والدموع تنهمر من شدة الصدمة والامتنان العميق: “سمو الأمير العظيم فالح.. أنت لست مجرد أمير داهية فحسب، أنت ولي مقرب من أولياء الله الصالحين! لقد أنقذت حياتي وعرشي من خيانة محققة بريشة حبر طائرة! أنا وجيشي ومملكتي بأكملها طوع بنانك وجند لخدمتك إلى الأبد!”
وهكذا، تزوج الأمير فالح من الأميرة ياقوتة، التي تحولت بقدرة قادر من امرأة ماكرة متغطرسة إلى الزوجة الأكثر إخلاصاً وطاعة عمياء في التاريخ المعاصر، لأنها كانت مقتنعة بيقين مطلق أن زوجها يرى الغيب بعين بصيرته ويقرأ الأفكار الدفينة، بينما هو في الحقيقة الساذجة لا يجيد قراءة شيء سوى كتالوج الصور في ألعاب الأطفال.
عاشت الإمارة في سلام دائم وأمان مطلق، يزورها الملوك والأباطرة من كل حدب وصوب، يقدمون لفالح أحدث الهدايا والألعاب الثمينة المعقدة ليتقوا بها شر “ذكائه العسكري المدمر”، وقف قائد الجيش في الشرفة الملكية ينظر إلى الشعب السعيد الذي ملأ البطون وقال مقولته الفلسفية التي سار بها الركبان: “بعض الملوك الأذكياء يدمرون بلادهم بذكائهم وحرصهم الزائد.. وأميرنا فالح، ببركته وبراءته المطلقة، جعل الأرض تفيض ذهباً ونعيماً مستداماً. عاش الأمير فالح الأول.. المفكر الستراتيجي العظيم الذي لا يفكر أبداً!”
بعد عام حافل من الزواج المبارك، وضعت الأميرة ياقوتة مولوداً ذكراً كالبدر للإمارة. اهتزت أركان القصر بالفرحة العارمة، وأُطلقت في الفضاء إشارات النصر وقذائف المدافع الاحتفالية، بينما كان فالح يجلس بجانب السرير الملكي يحدق في وجه الطفل الصغير بتركيز شديد، ثم نظر إلى ياقوتة المستلقية وقال بكل جدية وصرامة: “ياقوتة.. هذا الكائن الصغير ليس لديه أسنان في فمه، كيف سيقضم أصابع البطاطس المقرمشة؟ إنه منتج مغشوش دون شك.. أرجعيه فوراً إلى المخزن وأحضري لنا واحداً بأسنان كاملة!”
ضحكت ياقوتة بمرارة مشوبة بالإعجاب، وأخذت نفساً عميقاً وهي تفكر بعقليتها “التحليلية” السياسية المعتادة: “يا لك من أمير داهية لا تشق له غبار! تريد أن تخبرني بطريقة ميتادافورية غير مباشرة ألا ندلل الصبي في طفولته، وأن نربيه على الشدة العسكرية منذ يومه الأول ليكون صلباً وجافاً كالبطاطس المقرمشة!”. أطلقت الأميرة على الطفل اسم “مرزوق الثاني” رسمياً تيمنًا بجدّه الراحل، لكن فالح كان يناديه ببساطة في الممرات: “كابتن كيمو”.
عندما بلغ الأمير الصغير “مرزوق” سن الرابعة، كان لزاماً عليه، كولي عهد شرعي للإمارة، أن يبدأ تدريباته العسكرية الصارمة والسياسية. اجتمعت الحاشية العسكرية وقائد الجيش لعرض المناهج القتالية، لكن فالح دخل القاعة الملكية وهو يجر وراءه بحبل حوضاً زجاجياً ضخماً مليئاً بالتراب والآلاف من “النمل الأسود” المتحرك.
فالح (وهو يشير بإصبعه الطفولي للتراب): “هؤلاء هم الجنرالات الحقيقيون في هذا الكون! انظروا كيف يمشون في طوابير طويلة منظمة دون أن يدوس أحدهم على رجل الآخر كالمجانين. كابتن كيمو سيتعلم فنون الحرب الشاملة من هؤلاء!”
قائد الجيش (وقد تفتقت قريحته العسكرية فوراً عن تفسير استراتيجي عبقري): “يا للهول! الأمير يقصد استراتيجية ‘حرب العصابات والأنفاق التكتيكية’! يريد تدريب ولي العهد على التحرك في مجموعات عنكبوتية صغيرة، خفية، ومنظمة تحت الأرض لمباغتة الأعداء في عقر دارهم! يا لها من استراتيجية فيتنامية حديثة مرعبة ومبهرة!”
انطلقت الإمارة بأكملها وبأوامر عليا في تطبيق “بروتولول النمل الصارم”. جُعل لزاماً على الجنود الأشاوس أن يزحفوا على بطونهم لساعات طوال في الوحل، وأن يحملوا على ظهورهم أثقالاً تفوق أوزانهم بعشر مرات (تمهيداً للياقة البدنية النملية المطلوبة). كان هناك جاسوس محترف من “مملكة الجبل” يراقب تلك التدريبات الغريبة من بعيد عبر منظاره، ورأى جيش الإمارة بأكمله يزحف على الأرض بصمت مهيب ومخيف لـ 12 ساعة متواصلة دون تذمر أو صوت. عاد الجاسوس مرعوباً يرتعد إلى ملكه وقال: “جلالة الملك، إن جيش الأمير فالح قد تحول إلى مسوخ بشرية كيتينية لا تشعر بالألم إطلاقاً، يزحفون كالحشرات السامة في صمت مطبق، وإن هاجمونا فلن نراهم أبداً حتى نجد أسلحتهم تحت أسرتنا!”. وقع ملك الجبل فوراً بفزع على معاهدة استسلام استباقية وأرسل نصف خزائن مملكته من الذهب لفالح كـ “هدية صداقة واتقاء شر”.
أما فالح، فعندما استلم صناديق الذهب برضا، أخذ صندوقاً ضخماً منها وملأه بالتراب والسكر الأبيض، وقدمه بابتسامة للنمل القابع في الحوض قائلاً: “أحسنتم يا رفاق الطابور.. خذوا مكافأة نهاية الخدمة العسكرية المتميزة!”.
في فصل الصيف الحار، قررت الأميرة ياقوتة أن الأمير فالح يحتاج حتماً إلى فترة راحة واستجمام بعد “الجهود العسكرية والذهنية الساحقة” التي بذلها للدفاع عن البلاد دون أن يرفع سيفاً واحداً. تم التنسيق الدبلوماسي لزيارة رسمية رفيعة المستوى إلى إمبراطورية “الروم” العظمى، للقاء الإمبراطور القيصر “بروتوس الثالث”.
وصل فالح وموكبه الحاشد إلى عاصمة الروم، واستُقبلوا بحفاوة بالغة في قصر القيصر المنيف. كان الإمبراطور بروتوس رجلاً ضخماً مهيباً ذو لحية بيضاء كثيفة، ينظر إلى فالح بريبة وتوجس شديدين، فقد سمع بالتفصيل عن معاهدة “القطة مواء” المذلة وعن ضربة خف الأرنب الوردي، وكان عازماً بكل كبريائه على ألا يقع في فخاخ هذا الأمير الشرقي الداهية المخادع.
أقام الإمبراطور جولة سياحية استعراضية لفالح في مبنى “القصر” الأثري الضخم لإرهابه. وقف الإمبراطور بفخر وغطرسة وقال: “هنا في هذه الساحة يا سمو الأمير فالح، كان أجدادي الروم العظام يصارعون الأسود الضارية والوحوش الكاسرة لإثبات القوة الجسدية والسيطرة الشاملة على الأمم.”
نظر فالح ببلادة إلى الساحة الدائرية الضخمة، ثم نظر إلى الأرضية الرملية المليئة بالحصى الصغيرة المصقولة الدائرية. تذكر فالح طفولته فجأة بنوبة حنين جارف، عندما كان يلعب لعبة “البلّي” (الكرات الزجاجية الملونة) في حارات إمارته ويفشل دائماً في الفوز بتصويبها نحو الحفر. أخرج فالح من جيبه كيس قماش صوفي مليء بالكرات الزجاجية الملونة التي لا تفارقه أبداً، وجثا على ركبتيه ببساطة وسط الساحة الملكية أمام الوفدين، وأغلق عيناً وفتح الأخرى بتركيز شديد. كان يستهدف حفرة ترابية صغيرة بعيدة، لكن ركبته اهتزت فجأة، فأطلق بلية زجاجية زرقاء بقوة إصبعيه لتنحرف تماماً وتصطدم بدقة شديدة وفيزيائية قاتلة في “إصبع قدم الإمبراطور بروتوس” الأكبر والمصاب بداء النقرس الحاد المشتعل!
“آاااااااخ! يا للمصيبة!” صرخ الإمبراطور بوجع رهيب وسقط على الأرض يمسك قدمه ويبكي، بينما صُدم الحراس الروم وشهروا سيوفهم الحديدية بوعيد.
تداركت الأميرة ياقوتة الموقف الحرِج بسرعة البرق والدهاء، وقفت بصلابة أمام السيوف وقالت بصوت جهوري هز القاعة: “إياكم والحركة الطائشة! إن أميرنا العظيم يعلن لكم الآن ‘حرب الكرات الزجاجية الاقتصادية الصامتة’! لقد أصاب رأس الهرم الروماني في مقتل وعقر داركم بضربة واحدة دقيقة لا تُرى بالعين المجردة، ليعلمكم ببراعة أن القوة ليست بالسيوف والأسود البدائية، بل بالدقة الجيوسياسية الخاطفة والمركزة!”.
الإمبراطور بروتوس، وهو يتألم بهستيريا على الأرض ويشاهد نظرات فالح الباردة الخالية من التعبير (التي كانت في الحقيقة نظرة حسرة وخيبة أمل طفولية لأن البلية لم تأتِ في الحفرة الترابية التي استهدفها)، ظن واهماً أن فالح يملك سلاحاً قاذفاً سرياً تكنولوجياً في كفه قادر على تفتيت العظام من مسافة عشرة أمتار دون أثر.
الإمبراطور بروتوس (وهو يتنفس بصعوبة وذعر): “أب.. أبعدوا سيوفكم غباءً! هذا الرجل ليس بشراً طبيعياً.. إنه يتحدانا في عقر دارنا ويمارس بروتوكول الإخضاع الجسدي الصامت! ماذا تريد كشروط أيها الأمير المرعب؟”
فالح (وهو يشير بحسرة إلى الكرات الملونة المتناثرة): “أريد هذه.. الملونة الجميلة فقط. أريد أن تملأوا لي خمس عربات ملكية ضخمة من هذه الكرات الزجاجية من مصانعكم الفاخرة، وإلا سأغضب غضباً شديداً!”
اعتبر الروم ومجلس شيوخهم هذا الطلب بمثابة “عقوبة اقتصادية استراتيجية مفروضة” أو احتكار تعجيزي لمادة الزجاج الروماني الثمين لحرمانهم من صناعة النوافذ الفاخرة الملونة في الكنائس والقصور. وافق الإمبراطور فوراً تحت وابل الرعب، وتم توقيع اتفاقية تاريخية أُطلق عليها “مذكرة الكلول الدولية”، والتي بموجبها تورد إمبراطورية الروم للإمارة أطناناً من الزجاج المقسى الملون مجاناً مدى الحياة وبنداً تلو الآخر.
عادت البعثة الملكية المظفرة إلى إمارة سندباد المفقودة، واستُقبل فالح من قِبل الجماهير استقبال الفاتحين العظام الذين أذلوا إمبراطورية الروم بـ “كرات زجاجية صغيرة”.
في المساء الساكن، جلس فالح بوقار على عرشه، يحاول جاهداً تركيب قطعة بطاطس مقرمشة مدهونة بالخل فوق رأس الدجاجة سوسو كتاج ملكي جديد، بينما الأميرة ياقوتة تنظر إليه بعينين تملؤهما الهيبة والوقار والتقديس، والتفتت بكبرياء إلى ابنها الصغير مرزوق وقالت له بحكمة بليغة: “يا بني.. تعلّم من حكمة أبيك المطلقة. إن العالم مليء بالمجانين والأغبياء الذين يظنون أنهم أذكياء فيدمرون أنفسهم وممالكهم بحرصهم وزيادة تحليلهم للأمور، لكن أبوك العظيم هو العبقري الوحيد في هذا الكون الذي جعل العالم بأكمله يظنه عبقري زمانه.. بمجرد أنه قرر بذكاء ألا يفعل أي شيء عاقل على الإطلاق!”
وانطلقت ضحكات فالح البلهاء المجلجلة في أرجاء القاعة وهو يرى حبة البطاطس تسقط أرضاً وتأكلها المستشارة سوسو بشراهة، ليبقى الأمير فالح، الحاكم الفذ الذي لم يفلح في أي شيء قط في صغره وشبابه، لكنه بـ “مخالفته الصريحة للعقل والمنطق البشري” أفلح في حكم العالم بأسره بالبهجة العارمة، والسلام الدائم، والصدفة الكوميدية العظمى التي كتبها له القدر بمداد من ذهب!
محمد تمام
![]()

