أقسى ما في بعض النهايات أنها لا تأتي بعد أن ينتهي الحب، بل تأتي بينما لا يزال في القلب ما يكفي لعناقٍ أخير، وكلمةٍ صادقة، واعتذارٍ كان يمكن أن ينقذ كل شيء.
كنتُ أتمنى أن أقابلك بحضنٍ كبير…
حضنٍ يختصر كل المسافات التي صنعها الغياب، ويقول دون كلام: انتهى كل شيء، لكن ما كان بيننا يستحق، على الأقل، وداعًا يليق به.
كنتُ أتمنى، حين أراك، ألا أتذكر كيف انتهينا، بل كيف بدأنا؛ كيف كانت في الطريق لهفة، وفي الانتظار شوق، وفي التفاصيل الصغيرة حكاية كاملة لا يعرفها سوانا.
لكن المؤلم لم يكن أنك هربت بفعلتك …
المؤلم هو القسوة و الكبر و التعالي و الطريقة التي اخترت بها الرحيل.
ضيّعتَ بجبنك و هروبك أشياء كثيرة كان يمكن إنقاذها بالشجاعة. كنتَ ضعيفًا أمام مواجهة الحقيقة، وتصرفتَ بطيشٍ لا يليق بما كان بيننا؛ خفتَ من الناس أكثر مما خفتَ على قلبي، وهربتَ من مواجهة أخطائك بدلًا من الاعتراف بها، وكأن الهروب يستطيع أن يمحو طريقًا كاملًا مشيناه معًا.
وهنا تكمن إحدى أكثر الحقائق قسوة في العلاقات:
ليس كل من أحبَّ يملك شجاعة الحب.
فالحب شعور، أما الاستمرار فمسؤولية.
والكلمات عاطفة، أما الاعتراف بالخطأ فنضج.
والاقتراب سهل، لكن الوقوف إلى جوار من أحببت حين يصبح للموقف ثمن… هو الاختبار الحقيقي.
هناك من يستطيع أن يمشي معك أجمل مشوار، لكنه حين يصل إلى أول منعطف يحتاج منه إلى موقف، يرتبك. وحين تصبح العلاقة بحاجة إلى دفاع، يختبئ. وحين يُطلب منه أن يتحمل نتيجة قراراته، يهرب، ويترك الطرف الآخر واقفًا وحده، يحمل ذاكرة الطريق كاملة.
ومن منظور المشاعر، لا يعني الهروب دائمًا غياب الحب؛ فأحيانًا تكون قدرة الإنسان على تحمّل تبعات مشاعره أصغر من مشاعره نفسها. لكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية؛ فالأثر الذي نتركه في قلب إنسان لا تمحوه جملة: كنت خائفًا.
كان يمكن أن تقول: أخطأت.
كان يمكن أن تواجه.
كان يمكن أن تحمي ما صنعناه من أن يتحول في النهاية إلى شيء نخجل حتى من تذكّره.
لكنّك اخترت الطريق الأسهل لك… الهروب
ولم تعي يوماً أنه قاسي عليّ .. على الأقل أنك أقنعتني و أثبت لي سوء نواياك ..
هربتَ كالأطفال، بعدما أخذتَ ما أردت، واستمتعتَ ولعبتَ، ثم ألقيتَ كل شيء خلفك وتجاهلتني… فهربت.
لم تتحمل حتى مسؤولية أن تكون جديرًا بالأمان الذي منحته لك، ولا المسؤولية أمامي، ولا أمام نفسك، ولا أمام الجميع.
ولهذا، لو سألتني اليوم: ماذا كنتِ تتمنين لو التقينا؟
سأقول:
كنتُ أتمنى أن أقابلك بحضنٍ كبير جدًا، لا لأنني نسيت ما فعلت، ولا لأنني أريد أن نعود، بل لأنني كنت أتمنى أن أظل أراك شيئًا جميلًا كما رأيتك أول مرة؛ فارس أحلامي. كنت أتمنى أن تكون نهاية حبنا على قدر جمال بدايته.
كنت أتمنى أن أحتضن الإنسان الذي أحببته، لا الإنسان الذي صنعه الخوف والجبن في النهاية التي إتسمت بأكبر خداع و خذلان و وهم …كان يرسم نفسه أنه الرجل الملك و إتضح أنه أضعف ما يكون ..
فبعض العلاقات لا يقتلها انطفاء الحب،
يقتلها أن يكون أحد الطرفين أجبن من أن يتحمّل مسؤولية الحب الذي بدأه و الهروب الذي إختلقه …
والسؤال الأصعب ليس دائمًا:
هل أحببتني؟
ربما السؤال الأصدق هو:
إذا كنت قد أحببتني فعلًا… فلماذا لم تكن شجاعًا بما يكفي لتحمي ما أحببت؟… أو تحميني …
أو الأولى أن أسأل ( لماذا هربت بعد ما أخذت ؟ )
د. علياء رمزي
وزيرة السعادة
![]()

