كتبت …شروق محمد
في حفل مهيب، احتضنت مكتبة الطفل والشباب بسنورس ندوة فكرية رفيعة المستوى لمناقشة روايتي “البشعة” و“عمارة 31” للكاتب المبدع محمد تمام. تميزت الندوة بفيض من الأطروحات النقدية التي غاصت في عمق الرسائل التنويرية للعملين، وسط حضور حاشد جمع بين رجال السياسة، ورموز الإعلام، وأقطاب الأدب.
أولاً: فرسان المنصة وأطروحاتهم النقدية
اتسمت كلمات أعضاء المنصة بالعمق والتحليل الاستراتيجي للبناء الدرامي:
الإذاعي القدير زينهم البدوي (الأمين العام لـ”اتحاد كتاب مصر”): أكد في كلمته على أن روايات “تمام” تمثل “أدب المواجهة”، مشيداً بقدرة الكاتب على تفكيك الموروث الشعبي المظلم وإعادة صياغته في قالب روائي يخدم الوعي الجمعي. وفي لفتة تقديرية قوية، أعلن عن ترشيحه لرواية “البشعة” لتكون موضوعاً لحلقة نقاشية خاصة في مقر اتحاد كتاب مصر.
الإعلامي القدير حسن سليم (عضو اتحاد الكتاب): ركز في مداخلته على “جماليات اللغة الروائية”، موضحاً أن الكاتب استطاع ببراعة أن ينقل القارئ من الحيز المحلي إلى آفاق إنسانية أرحب، مشيداً برسالة “عمارة 31” في كشف الفساد الأخلاقي.
الدكتور هادي حسان (الخبير الإذاعي ومقدم الندوة): أدار الجلسة ببراعة لغوية فائقة، وتحدث باستفاضة عن تاريخ مدينة سنورس كمركز للحضارة ومنارة للثقافة منذ أكثر من ستين عاماً، مشيراً إلى استضافتها لعمالقة في شتى المجالات كالمسرح والموسيقى. وأكد أنها لا تزال ولادة للأجيال التي تعلي من شأنها، واصفاً الروايتين بأنهما “مرآة تعكس صراع الإنسان المصري بين الحداثة والتقليد”.
ثانياً: كلمات الثناء من الحضور والنخب (تواصل الأجيال والخبرات)
أثرى الحضور المناقشة بمداخلات نقدية واجتماعية عكست قيمة العملين:
النائب أيمن الصفتي (عضو مجلس الشيوخ): أثنى على الجانب التنويري، مؤكداً أن الأدب هو السلاح الأول لإصلاح المجتمع. وأضاف بلمسة إنسانية: “أعرف محمد تمام صديقاً مقرباً منذ زمن، عرفته ممثلاً ومهتماً بالشأن المسرحي، وكان صدور كتابين له في المعرض مفاجأة سارة لي”.
المحاسب سيف الضاوي: أشاد بالحبكة الدرامية، معتبراً أن “عمارة 31” هي تشريح واقعي لآفات اجتماعية، وصيحة لإيقاظ الضمائر.
الأديب والناقد عويس معوض الخطيب: قدم قراءة نقدية متفحصة، مشيداً بالبناء النفسي للشخصيات، خاصة “نجلاء” في “البشعة” التي جسدت صمود العقل أمام الخرافة.
الدكتور عمرو صوفي (رئيس أدب سنورس): أكد أن محمد تمام أضاف للمشهد الثقافي في سنورس والفيوم عملاً يتسم بالخصوصية والجرأة الفكرية.
الحاج أحمد سيد (المدير التنفيذي للحلم العربي نيوز): ثمن الدور الإعلامي للأدب، مشيراً إلى أن الروايتين تقدمان مادة دسمة تخدم التنمية الفكرية.
الأستاذة ابتسام حسين (مدير التعليم الابتدائي): ركزت على الرسالة التربوية وأهمية غرس قيم الحق واليقين في نفوس الأجيال الصاعدة.
الأستاذة عفاف الزغبي والأستاذة نجاة محمود: عبرتا عن تقديرهما لتصوير المرأة في الروايات وكيف رسم الكاتب معاناتها وانتصارها في مواجهة الموروثات القاسية.
ثالثاً: شهادات الشعراء ومسك ختام المنصة
أضفى الشعراء محمد حسني إبراهيم، عبد الله الخطيب، أحمد السواح، محمد ياسين، وعبد التواب الجارحي لمسة جمالية، مؤكدين أن لغة الروايات تمتلك طاقة شعرية تنفذ للبصيرة. واختتم الدكتور عثمان متولي (رئيس الصالون الثقافي بسنورس) الكلمات مؤكداً أن هذه الأحداث الثقافية هي الرابط الذي يجمع المبدعين ويرتقي بالوعي.
رابعاً: في ضيافة الإخلاص والتكريم
أشاد الجميع بدور الأستاذ حسين علي (مدير المكتبة) وفريقه الذين بذلوا مجهوداً استثنائياً في التنظيم. وفي لحظة وفاء من مجلس إدارة الصالون الثقافي بسنورس، تم تكريم النقاد والإعلاميين، ومديرة فرع ثقافة الفيوم، ومدير مكتبة سنورس. كما كرم الأدباء والشعراء الكاتب محمد تمام في لمسة جمالية تنم عن محبة كبيرة، مؤكدين أن هذا النجاح هو بداية لمسيرة ستغير الكثير.
وفي ختام الحفل، وجه الكاتب محمد تمام كلمة شكر حارة لكل من لبى الدعوة، معبراً عن امتنانه العميق للحضور الذين تجشموا عناء السفر من أماكن بعيدة، مؤكداً أن حضورهم “طوق يزين عنقه”، وملتمساً العذر لكل من لم يستطع الحضور.
خاتمة التقرير: شمس التنوير تشرق من سنورس
لم تكن ندوة الصالون الثقافي بسنورس مجرد محفل أدبي عابر، بل كانت تظاهرة فكرية أعادت الاعتبار لدور الكلمة في صناعة الوعي ومواجهة غيابات الجهل. لقد أثبتت هذه الليلة أن الإبداع الحقيقي ينبت من قلب الواقع، يغوص في جراحه ليداويها، ويستنطق جدران الصمت ليحررها.
إن التفاف هذه النخبة من رجال السياسة ورموز الإعلام وفرسان الأدب حول أعمال الكاتب محمد تمام، هو شهادة استحقاق لميلاد روائي استثنائي استطاع أن يمسك بطرفي العصا؛ فمن جهة، طارد خرافة “البشعة” بسياط المنطق والعلم، ومن جهة أخرى، هدم جدران الزيف في “عمارة 31” ليبني صروحاً من اليقين.
لقد انفضت الندوة، لكن صدى الكلمات لا يزال يتردد في ردهات مكتبة سنورس، مؤكداً أن الحقيقة التي بشر بها “تمام” في رواياته—تلك التي وصفها بأنها “كالمياه الجوفية لا بد أن تجد ثقباً لتخرج منه”—قد وجدت طريقها بالفعل إلى عقول وقلوب الحاضرين. إن تكريم الكاتب كان احتفاءً بالأمل الذي نبت بين السطور، وإعلاناً صريحاً بأن شمس التنوير حين تشرق من عقول أبناء سنورس، فإنها قادرة على تبديد أعتى ظلمات الدجل والفساد.
ستظل “البشعة” و”عمارة 31″ علامتين فارقتين في مسيرة الأدب المعاصر، وستبقى هذه الندوة محفورة في الذاكرة كشاهد على أن “النصر النهائي ليس لمن يملك النار، بل لمن يملك العقل”.
![]()

