كتب: 🖋️ د. خـــالـــد إبـراهــيم .
ليس كل صمتٍ ضعفاً، ولا كل ابتعادٍ هزيمة. فهناك لحظات يبلغ فيها الإنسان درجة من النضج تجعله يدرك أن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض، وأن بعض الكلمات لا تستحق أن تُقال، وأن راحة القلب أغلى من الانتصار في جدالٍ لا يغير شيئاً.
لعلّ من أجمل القرارات التي قد يتخذها الإنسان في حياته – دون ضجيج أو مواجهة – أن يختار الصمت الهادئ؛ ذلك الصمت الذي يشبه انسحاب الموج حين يدرك أن الشاطئ لم يعد يُصغي إليه.
“لم أعد ذلك الشخص الذي يسعى لإثبات نفسه لأحد، ولا ذاك الذي يُرهق قلبه ليُقنع الآخرين بأنه يستحق الاحترام. أنا أعرف نفسي جيداً… وهذا يكفيني.”
كانت هذه العبارة تتردد في داخله كلما استعاد ذكرياتٍ أثقلته يوماً، وكلما تذكر محاولاته المتكررة لإرضاء الآخرين على حساب نفسه. لكنه مع مرور الوقت أدرك حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن احترام الذات لا يُنتزع من الناس، بل يُبنى من الداخل.
لم يعد يرغب في خوض المعارك ليُثبت أنه لا يستحق الأذى، ولا في إصلاح ما لم يكن سبباً في كسره، ولا في تغيير طبعه ليحظى بقبول الجميع. فقد تعلّم أن من يحبك سيقبلك كما أنت، ومن يبحث عن عيوبك لن تكفيه كل محاولاتك لإرضائه.
ومع نضج التجربة، اكتشف أن الكرامة ليست باباً يُفتح ويُغلق وفق رغبات الآخرين، وأن المكانة الحقيقية لا تُطلب من قلبٍ متردد، ولا تُنتزع من شخصٍ لا يرى قيمتك. فالقيمة الحقيقية تُرى ولا تُشرح، وتُشعر ولا تُبرر.
لقد اعتدنا أحياناً أن نستنزف أنفسنا في محاولة إثبات من نكون، وأن نرهق أرواحنا في شرح نوايانا وتبرير مواقفنا. لكن الحياة تعلمنا، عاجلاً أم آجلاً، أن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى تفسير، وبعض المواقف لا تحتاج إلى رد، وبعض العلاقات لا يستحق استمرارها كل هذا الجهد.
لهذا نتعلم أن نتجاوز ما يعكر صفونا، وأن نعبر بجوار ما يؤذينا دون أن نحمله معنا. ليس ضعفاً ولا استسلاماً، بل لأن سلامنا الداخلي أغلى من كل جدال، وراحتنا النفسية أثمن من كل انتصارٍ مؤقت.
وحين نبلغ هذه المرحلة، لا نُكثر من إعلان النهايات، ولا نطرق الأبواب المغلقة، ولا نُطيل الوقوف عند من اختاروا الرحيل. نغلق بعض الصفحات بهدوء، ونترك للمسافات أن تقول ما عجزت الكلمات عن قوله.
وببساطة…
نصل إلى مرحلة ندرك فيها أن بعض الحضور لا يختلف كثيراً عن الغياب، وأن أعظم انتصار قد نحققه أحياناً هو أن نحافظ على أنفسنا دون ضجيج، وأن نمضي في طريقنا بسلام.

![]()

