يااااااااه أخيراً .. انتهاء زمن “برامج تحت السلم” واستعادة الهيبة الإعلامية المغصوبة

بقلم…محمد تمام

لم يكن قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحظر “بيع الهواء” والإيقاف الفوري لبرامج المساحات الإيجارية مجرد استجابة لنداءات خفتت طويلاً، بل جاء كإعلان دولة للتعافي الإعلامي؛ خطوة جادة نحو استرداد هيبة الشاشة التي استُبيحت لسنوات تحت وطأة ما يُعرف بـ “برامج تحت السلم”. لقد تحولت الشاشات الفضائية إلى دكاكين مفتوحة لمن يدفع، فنشأت ظاهرة “إعلاميي المصادفة” الذين اشتروا الساعات بالمال ليصنعوا وجاهة اجتماعية زائفة، أو ليمرروا مصالح شخصية، وسطوًا غير مشروع على عقول الجماهير.
إن القراءة الفاحصة لسلبيات هذا العبث تكشف عن تدمير شامل للبنية التحتية للوعي العام ولصناعة الإعلام ذاتها، ويمكن إيجاز أبرز الكوارث التي أنتجتها هذه الظاهرة في النقاط التالية. :
1- تغييب التخصص وتهميش القامات :
فتحت هذه البرامج الأبواب للجهلاء والدخلاء، بينما تهمشت الكوادر الأكاديمية والمبدعون الحقيقيون، ليجد الفن والثقافة والقضايا المجتمعية الجادة أنفسهم في زاوية الإهمال لصالح السطحية المطلقة.
2- التضليل الطبي والادعاءات الكاذبة :
تحولت الساعات المشتراة إلى منابر للترويج لمنتجات طبية مجهولة وخرافات تمس صحة المواطنين مباشرة، تحت غطاء “البرنامج التلفزيوني” الذي يمنح هذه السموم شرعية مجانية تخدع البسطاء.
3- ابتذال الخطاب وتردي الذائقة العامة :
غاب العقل المنطقي وحل محله الصراخ، والإثارة الرخيصة، وتوظيف الأوهام لجلب المشاهدات وتصدر “التريند” الزائف، مما أدى إلى تجريف الذائقة الفنية والثقافية.
4- ضرب المهنية وميثاق الشرف :
تساقطت قواعد الأمانة الصحفية والمصداقية، واختلط الحابل بالنابل حتى أصبح الإعلان يرتدي ثوب الخبر، والترويج الشائع يحل محل التحليل الموضوعي.
5- التخريب الاقتصادي لصناعة الإعلام :
تسبب رخص أسعار “الساعات المشتراة” في تهريب الرعاة والإعلانات بعيداً عن البرامج ذات التكلفة الإنتاجية العالية والرؤية الفكرية، وفق قاعدة “الإعلام الرديء يطرد الإعلام الجيد”، مما خلق منافسة غير عادلة أفرغت الشاشات من إنتاجها الأصيل.
6- تسقيع الشاشات واستبعاد الموهبة :
أصبح معيار الظهور على الشاشة هو القدرة المالية وليس امتلاك الفكرة أو الكفاءة، مما حول الإعلام إلى ثقب أسود يبتلع الموهبة الحقيقية ويغلق البوابات أمام أصحاب الفكر.
غير أن خطورة هذه الظاهرة لم تعد تقف عند حدود البث الفضائي؛ إذ يفرض الواقع الرقمي اليوم تحدياً أشد خطورة، حيث تميل هذه الكيانات والبرامج المطرودة تلقائياً للنزوح نحو منصات التواصل الاجتماعي والشبكات البصرية الرقمية، مستفيدة من عابريتها للحدود وضعف الرقابة عليها. إن هذا الانتقال الرقمي يفرض على سلطات التنظيم الشمولية في المواجهة، وعدم الاكتفاء بضبط الفضاء التلفزيوني التقليدي دون وضع أطر تنظيمية ملزمة للظهور الرقمي.
إن حظر هذا المزاد العلني هو انتصار تاريخي وقبلة حياة للإعلام الحقيقي، لكن النجاح المرهون بهذا القرار يتطلب التفكير العميق في “صناعة البديل”. فالإصلاح الحقيقي يقتضي صياغة استراتيجية تنفيذية تتجاوز حدود المنع إلى التأسيس المستدام، وفق المرتكزات الآتية:
صياغة نموذج اقتصادي مستدام للإنتاج البرامجي :
إن إنهاء “بيع الهواء” يترك القنوات أمام معضلة الموارد؛ لذا يتوجب إيجاد بدائل اقتصادية مثل إنشاء صندوق لدعم الإنتاج الإعلامي الجاد، وتوجيه الإعلانات المؤسسية والحكومية حصراً نحو البرامج ذات القيمة والتكلفة الإنتاجية الحقيقية، فضلاً عن تشجيع الشراكات بين القنوات والقطاع الخاص لإنتاج محتوى يرتقي بالذائقة ولا يحمّل الشاشات أعباء مالية تفوق طاقتها.
التكامل المؤسسي وضبط تصاريح مزاولة المهنة:
ضرورة التنسيق الصارم بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ونقابة الإعلاميين، والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة. يجب إغلاق منافذ الالتفاف على القرارات تحت مسميات جديدة، وتطبيق معايير مشددة لمنح “تصاريح مزاولة المهنة” تحصر الظهور التلفزيوني في الكوادر المؤهلة والخبرات الحقيقية.
إعادة بناء المحتوى البرامجي والتغطية الرقمية :
مبادرة القنوات الفضائية باستثمار طاقاتها في إنتاج برامج حوارية وثقافية وفنية جادة تُسند إلى أهل التخصص لملء الفراغ، بالتوازي مع تطوير منصات رقمية رسمية للقنوات لاستقطاب الجمهور الشاب وقطع الطريق على المنصات العشوائية.
لقد تأخر القرار بالفعل، وتجرع الشارع الإعلامي مرارة هذا التأخير، لكن وصوله يمثل نقطة التحول والتعافي. إنها خطوة جبارة لإعادة الانضباط والجمال لشاشاتنا، وإعلان صريح ومباشر بأن زمن التجارة بالهواء قد انتهى، وأن الكلمة ستظل دائماً لأصحابها الحقيقيين.
محمد تمام

Loading

أحمد السيد

Learn More →