بقلم…محمد تمام
لطالما كانت “دولة التلاوة المصرية” هي القوة الناعمة التي لا تُقهر، والمحراب الذي تهوي إليه أفئدة المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها. لكننا اليوم أمام هجمة شرسة، تتدثر بعباءة “الحفاظ على التقاليد” بينما هي في جوهرها دعوة للجمود، ومحاولة لتعطيل قطار التطوير الذي يقوده الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، بالتعاون مع أعرق مؤسسة إعلامية دينية: “إذاعة القرآن الكريم”. إن ما يحدث اليوم ليس “تجرؤاً” على الثوابت، بل هو “ضخ للدماء” في عروق مدرسة أوشكت أن تحبس نفسها في الماضي.
أولاً: وزارة الأوقاف.. رهانٌ على “العبقرية” لا “الأقدمية”
إن سياسة الوزارة الحالية لا تهمش “الكبار”، بل تفتح باب الأمل أمام جيلٍ كاد أن يبتلعه اليأس بسبب بيروقراطية الاختبارات التي قد تمتد لعقود. الوزير الأزهري يدرك أن “الموهبة لا تنتظر طابور الموظفين”، وأن مصر الولادة لا يمكن أن تظل حبيسة تسجيلات الماضي فقط. هل نسي المهاجمون أن العمالقة كالشيوخ مصطفى إسماعيل، والمنشاوي، والبنا، لم ينتظروا خريف العمر ليثبتوا جدارتهم، بل فرضوا عبقريتهم وهم في مقتبل الشباب؟ إن التمكين الحالي هو استردادٌ لروح دولة التلاوة التي قامت أصلاً على الاكتشاف المبكر للنابغين، وتحويلهم من “ظواهر رقمية” على السوشيال ميديا إلى “قامات مؤسسية” تخدم الدولة.
ثانياً: إذاعة القرآن الكريم.. منارة حية لا “أرشيف” للتاريخ
يجب أن نفرق بوضوح بين “احترام الأعراف” وبين “جمود المؤسسة”؛ فإذاعة القرآن الكريم ليست متحفاً، بل كائن حي يتنفس بصوت العصر. إن هيبة الإذاعة تزداد قوة عندما تكون هي المنصة التي تكتشف “رفعت” الجديد و”الحصري” القادم. إن ما يحدث الآن هو “تكامل مؤسسي” رفيع المستوى؛ حيث تقدم وزارة الأوقاف الصفوة من نتاج مسابقاتها العالمية، وتتولى الإذاعة صقل هذه المواهب وتقديمها للجمهور، لتبقى الإذاعة مرجعية حية تستوعب طاقات الشباب ولا تنعزل عن جيل “التيك توك” و”اليوتيوب” الذي يحتاج لمن يخاطبه بلغته وصوته.
ثالثاً: تصحيح مفهوم “الهيبة” وواقعة السادات
يستشهد البعض بواقعة الدكتور أحمد نعينع مع الرئيس السادات للتدليل على الانضباط، وهي واقعة تُحسب للإدارة آنذاك، ولكن السؤال الأهم: هل كان نعينع ليصبح “قارئ الرؤساء” لولا أن الدولة احتضنت موهبته وهو في مقتبل العمر؟ إن الهيبة لا تعني “المنع” أو “الإقصاء”، بل تعني “إحسان الاختيار”. والشباب الذين تصدروا المشهد مؤخراً أثبتوا جدارة صوتية وأدائية شهد بها المتخصصون، وهم ثمار مسابقات خضعوا فيها للجان تحكيم دولية، وما دعم الوزير لهم إلا استكمالاً لنهج الدولة في احتضان النابغين.
رابعاً: الريادة المصرية في مواجهة المنافسة الدولية
يغفل المهاجمون بعداً استراتيجياً غاية في الأهمية، وهو أن “دولة التلاوة” أمن قومي مصري. في ظل صعود مدارس تلاوة إقليمية أخرى تحاول سحب البساط من تحت أقدام المدرسة المصرية، كان لزاماً على وزارة الأوقاف أن تتحرك لضخ دماء جديدة قادرة على المنافسة عالمياً. إن حبس الإذاعة في قوالب قديمة دون تقديم “رموز شابة” يعني طواعية التنازل عن ريادتنا. الوزير الأزهري لا يغير هوية الإذاعة، بل يحميها من “التآكل” بفعل الزمن والمنافسة الخارجية.
خامساً: الرد على افتراءات “التخريب” والتوازن المنصف
من العيب والجهل وصف قراءٍ حصدوا مراكز دولية بأنهم “بلوجرز” أو “عيال”. إن استخدام لغة التخوين يعكس إفلاساً في الحجة. والإنصاف يقتضي أن نقول: “نحن لا نهدم القديم، بل نبني عليه”. إن القراء العمالقة المعتمدين تيجان فوق الرؤوس، ومكانتهم في شعائر الفجر والجمعة محفوظة. لكن “المناسبات القومية” هي مساحة للإبداع والاحتفاء بالنشء، والوزارة لها كامل الحق في إظهار ثمار جهودها في رعاية الموهوبين، في مشهد يجمع بين وقار الشيوخ وحيوية الشباب.
خاتمة إلى الباحثين عن الفتنة:
إن القطار قد تحرك، ودولة التلاوة المصرية في عهدها الجديد لن تلتفت لأصوات الهدم. نحن أمام رؤية وطنية شاملة تهدف لأن تظل مصر هي “القبلة” التي يُشد إليها الرحال سماعاً وتلاوةً.
إلى وزير الأوقاف: امضِ في طريقك، فالتاريخ ينصف المجددين والباحثين عن رفعة الوطن.
إلى إذاعة القرآن الكريم: ستظلين شامخة بكل صوت عذب، يُعلي اسم مصر في الآفاق.
إلى المتربصين: القرآن يُعز ولا يُذل، ومصر ستبقى دولة القرآن؛ شيوخها تيجان على الرؤوس، وشبابها ذخرٌ للمستقبل، وإذاعتها صوت الحق الذي لا يغيب.
محمد تمام
![]()

