بقلم الكاتبة / غادة العليمى
تغيرت الدنيا كثيرا صارت اسرع رتم واكثر رفاهية واعلى تواصل وصرت بكبسة زر بسيطة تستطيع ان تقتحم خلوة اى شخص فى اخر حدود الارض بمنتهى بساطة ودون سابق انذار
صار العالم كتاب مفتوح ولم يعد احد بوسعه خداع اى احد كل الاخبار متاحة بكل اللغات وصار للارض بدل من قمر واحد مئات الاقمار الصناعية التى تتجسس على كل سكان الارض بمباركة منهم وبمساعدتهم ايضا فلكل واحد فينا هاتف شخصى مزود بخاصية jbs لتدل عن مكانه وزمانه
وصار لكل واحد فينا موقع فيسبوكى ليفصح بنفسه عن حال نفسه ويصف شعوره وحالته بكل وضوح وبساطة ومن دون اى ضغط او تحايل من احد
واصبحت تستيقظ صباحك وتفتح هذا الجهاز المبهر فتعرف من استيقظ ومن مازال نائم ومن معافى ومن مريض ومن شقى ومن سعيد ومن مسافر ومن باقى ومن يأكل وماذا يأكل وماذا يصنع الجميع ولماذا وكيف ومتى يفرغون ، من دون مجهود منك لان المعلومات التى ستحصل عليها بفضل مجهودات الاخرين المتسابقين فى الافصاح والبوح عن انفسهم بانفسهم
اصبحنا سعداء بفضح حالنا بايدينا ساعين لوضع مزيد من المعلومات اول باول عنا وعن كل اعضاء اسرتنا ومدينتنا وبلدنا
وحدهم البسطاء معفيون من هذا العبث لكنهم مطاردون من اصحابه فجميعنا مطارد فى كل شارع بكاميرات مراقبه مهدد فى كل موقف او هفوه او كبوه بالتصوير والتشهير حتى الموتى لا يسلموا من اذى الاحياء فاكثر الحوادث آلما وفتكا وقتلى اشدها اغراء بالتصوير والتنزيل على الصفحات والمواقع ليشاهدها الجميع دون احترام لمصاب او مهابة لحرمة جسد وافته المنية او رافة باهل مكلومين فى عزيز
هذه الوحشية يسمونها الان تطور وتكنولوجيا وثورة اتصال
بينما اراها انا ثورة على الانسانية والحرية الشخصية الحقيقية
لا اعلم حقا ماذا تغيير فى كيميا عقولنا جعل هذا الهاتف اللعين هو عالمنا وجعل كاميرته صديقنا الصدوق الذى لا نبوح لغيره ولا نثق الا به فتجد المريض فى مشفى لا يلتفت للورد المهداه اليه ولا لمواساة الصحاب و لا لدعوات الاهل ممن حوله وتجده يصور ادويته ومحاليله ليستدر عطف اناس لا يهمهم امره ولا يشغلهم كونه من الاحياء او الاموات من الاساس فهو مجرد اسم فى قائمة اصدقاء ليسوا اصدقاء
وتجد السعيد يقطع طقوس سعادته ليكتب لاخرين لا تكترث لفرحه انه يشعر بالفرح
وتجد الحزين لا يفكر بحل ازمته بقدر تفكيره فيمن تطلع الى كلمته التى كتبها عن حزنه
حتى الفرد فى التجمعات الاسرية الجميلة لا يجتمع فيها مع العائلة وحدهما ولكن دوما ثالثهم شيطان الميديا والمواقع يراوضه بوصف وشرح تفاصيل التفاصيل
حتى الاعراس يغيب فيها العريس عن عروسه ليلتقط الصورة وينشر الخبر وتتفنن فيها العروسة عن تنزيل اكبر عدد من الصور لوصف اكثر حالات السعادة
التى تنشغل عن ان تحياها بان تصفها
تغير العالم كثيرا فلم يعد سيده العقل ولا حاكمه المنطق ولا مسيره الوعى
وانما زمرة من المجانيين بلا قمصان بيضاء وانما بهواتف سوداء ومشاعر مشوشه ، ولا استثنى احدا منا حتى انا اشارك فى هذا العبث واحذو حذو المجانيين امثالى وفور انتهاء تأملاتى.. ساكتب حالا على صدر صفحتى الفيسبوكية
حالتى.. غادة تشعر بالتأمل فلا تتعجبوا مما اقول وما افعل لانى ايضا اتعجب مما تقولوا وتفعلوا..
![]()

