بقلم / محمد فرج الله الشريف
كحال أغلب البشر، كان فاروق يحلم بالنجومية ؛ تلك التي تُبهر الأبصار وتستولي على القلوب ، وتمنح صاحبها شعورًا بالاكتمال في عالم لا يعترف إلا بالمشاهير ’ غير أن إمكانياته الضعيفة ، وقدراته المحدودة ، وملامحه العادية ، وسوء حظه العاثر – إذ لا واسطة تشفع ولا “عضمة كبيرة تنفع أوتفتح له الأبواب – اجتمعت كل هذه الأسباب لتدفع به بعيدًا عن الأضواء، وتلقي به في أقصى يسار الهامش، حيث لا يُرى المرء ولا يُسمع.
دار فاروق طويلًا في دوامات الحياة القاسية، يسأل نفسه في مرارة : ما جدوى ليسانس الآداب، قسم الفلسفة الذي حصلت عليه منذ عشر سنوات ، في عالمٍ فقد منطقه ، وتآكل فيه المعقول ، وصارت الفوضى عنوانه العريض ؟ ومع ذلك لم يتخلَّ عن حلمه، ظل يبحث عن مجدٍ ما ، عن شهرةٍ تعيد ثقته بنفسه ، وكان يردد دائمًا، بنبرةٍ لا تخلو من تعزية ذاتية :
” طول عمري كاريزما وشخصية قيادية… أمي الله يرحمها كانت دايمًا تقولّي كدة “
حتى قادته الأقدار إلى ضالته الكبرى : النافذة الزرقاء . عالمٌ فسيح ، سحري ، لا يطلب منك سوى شاشة مضيئة وأصابع سريعة وفراغ كبير وفلسفة بلا معنى .
هناك ، يمكنك أن تكون ما تشاء : سياسيًا مفوهًا ، أديبًا لامعًا ، فيلسوفًا عميقًا، أو نبيًّا صغيرًا للحكمة بلا مؤهلات ، بلا عناء ، يكفي أن تكتب فيصفّقون ، أن تدلي بدلوك فيما عرفت وما لم تعرف فيعجبون ، أن تبيع كلاما فيعلقون . أن تنقل من هنا أو من هناك فيشاركون . كل تجارب الآخرين أثبتت أن الفيساويين ناجحون ومشهورون .
وخلال أعوام قليلة، صار فاروق نجمًا لامعًا في ذلك الفضاء الافتراضي ؛ يعزّي الغرباء ، يشارك الأفراح ، يهنئ المسئولين بأعياد الميلاد ، يطلق الآراء ، ينتقد ، يشارك الصفحات ، ويرسل طلبات الصداقة ويقبل طلبات الآخرين .
ستون ألف متابع اصطفوا خلف اسمه ، جمعهم بجهدٍ فيساوي طويل ومنشورات لا تُحصى ، حتى ظنّ أن المجد بات قاب قوسين أو أدنى .
وفي صباحٍ بدا عاديًا، فتح نافذته الزرقاء ، فاستوقفه إعلان عن حفل كبير – تنظمه إحدى الجمعيات التي طالما علق على صفحتها مناشدا المجتمع للتبرع لها – يضم نجوم المجتمع ، معظمهم من أصدقائه على صفحته الزرقاء . خفق قلبه ؛ رآها فرصته التي طال انتظارها ’ آن الأوان أن ينتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع ، أن يسمع تصفيقًا حقيقيًا لا يُغلق بزر، وأن يرى إعجابًا نابعا من العيون لا من الرموز، وأن يلامس أيادي المعجبين بدلا من شاشاتهم الباردة .
تهيأ فاروق بثقةٍ مفرطة , أعدّ كلمةً ظنّ أنها ستُدهش الحضور، ارتدى أفخم ملابسه، تعطّر، وخرج منتشيًا بحلمٍ طال انتظاره …
دخل فاروق القاعة الواسعة، ومسح الحضور بنظرةٍ شاملة. يعرفهم جميعًا؛ أسماءً وصورًا وسيرًا ذاتية . يعرفهم جميعا صفحة صفحة , اقترب منهم واحدًا تلو الآخر، يصافح كل واحد باسمه ولقبه وهو يوزع ابتسامة عريضة … لكن الأيادي كانت باردة، كأنها بلا نبض . بادله الجميع مصافحات عابرة ، نظرات زائغة ، لا ترحيب ، لا اعتراف ، ولا أحد نطق اسمه . شعر فجأة أنه الوحيد في ذلك الحفل غير مرئي ، وكأن شبكة اتصاله مع الآخرين منقطة ، أو أنه حسابٍ عابر .
في تلك اللحظة ، أدرك فاروق أنه يقف في عالمٍ موازٍ، وأن أولئك الذين عرفهم خلف الشاشات ليسوا هم أنفسهم في الضوء الحقيقي . جذبته أركان القاعة التي انزوى إليها هاربا , ثم انسحب بصمت من القاعة التي تعالت فيها ضحكات الحضور ، ووقف خارجها وحيدًا ، يحمل خيبته كمعطفٍ ثقيل ,
أخرج هاتفه ، وفتح نافذته الزرقاء تردد قليلًا ، ثم قرر أن يُغلقها إلى الأبد ، يغلق هذا العالم المزيف ، وقبل أن يضغط زر الحذف ، ظهرت أمامه إشعارات جديدة : طلبات صداقة ، إعجابات ، تعليقات إشادة …
ابتسم ابتسامةً خافتة ، وأغلق شاشة الحذف ، وقبل طلبات الصداقة جميعها، وحمل عالمه الأزرق ، ومضى .
![]()

