قصة قصيرة بقلم / ياسر عامر
(صوت أزيز أجهزة… إشارات تومض في ظلامٍ خافت)
لم يعد العالم كما كان…
فالسماء أصبحت شاشةً عملاقة يغمرها لونٌ أحمر ثابت، تظهر عليها ملامح الرجل الآخر كل مساء، يراقب البشر بصمتٍ مخيف، وكأن البشرية أصبحت جزءًا من تجربة لا يعرف أحد نهايتها.
لكن بعيدًا عن أعين النظام الجديد، وتحت مدينةٍ مهجورة لا تظهر على أي خريطة، كان هناك ممر عميق تملؤه الأسلاك والرموز القديمة.
في قلب ذلك المكان، جلس رجل وحيد أمام جدارٍ من الشاشات السوداء.
كان نصف وجهه غارقًا في الظلام، والنصف الآخر تضيئه ومضات الأجهزة القديمة.
لم يعرف أحد اسمه الحقيقي…
لكن في الملفات المحظورة كان يُعرف باسم:
“الندّ الخفي”
عالم فيزياء سابق، قضى سنوات يبحث عن سر الرجل الآخر، ثم اختفى بعد أن اكتشف أن ما يواجهه ليس مجرد قوة تكنولوجية.
كان رجلًا فقد إيمانه بعد أن رأى ما لا يمكن للعقل تفسيره، ثم عاد إليه بعدما أدرك أن العلم وحده لن يكشف الحقيقة كاملة.
كان الوحيد الذي قرأ النص الأصلي لنبوءة “الظل والدم”، النبوءة التي تحدثت عن ظهور الرجل الآخر.
وكانت هناك جملة واحدة تتكرر فيها:
“لن يُهزم بالضياء… بل بانعكاسه.”
(صوت صفحات قديمة تُقلب… خطوات تقترب من بعيد)
ظل الندّ الخفي يراقب بث الرجل الآخر يومًا بعد يوم.
لم يكن يبحث عن نقطة ضعفه فقط…
كان يحاول أن يفهمه.
كيف يفكر؟
كيف يسيطر؟
ومن أي شيء صُنع؟
وفجأة، في ليلة لم يحدث فيها انقطاع للبث منذ سنوات، ظهرت إشارة غريبة على إحدى الشاشات.
وميض أحمر…
ثم كلمات متقطعة:
“نحن نراك…”
“لسنا جميعًا تحت سيطرته…”
“الحقيقة لم تمت.”
توقف الرجل للحظة.
فقد كان يعتقد أنه آخر من بقي يقاوم.
اقترب من الشاشة وكتب:
“من أنتم؟”
ساد الصمت.
ثم جاء الرد:
“نحن من تبقى من النور… نعمل من الداخل.”
كانت تلك اللحظة بداية اكتشاف أكبر.
لم يكن الندّ وحيدًا.
هناك شبكة سرية تختبئ داخل النظام نفسه، تضم علماء ورجال معرفة وحراسًا قدامى، يحاولون حماية ما تبقى من وعي البشر.
لكن الرسالة التالية كانت أكثر رعبًا:
“الرجل الآخر ليس مجرد آلة…”
“إنه مشروع قديم… جمع بين علم محرّم وقوة لم يفهمها صانعوه.”
(صوت نبضات معدنية تتسارع)
رفع الندّ الخفي رأسه نحو السقف.
وقال بصوت منخفض:
“إذن لم تكن اللعنة هي النهاية…”
“بل كانت البداية.”
في تلك اللحظة اهتزت جميع الشاشات.
انطفأت الإشارات.
ثم ظهر وجه الرجل الآخر.
لم يظهر على الشاشة فقط…
بل بدا كأنه ينظر من خلالها مباشرة إلى عينيه.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
“كنت أعلم أنك ستعود.”
صمت قليلًا، ثم تابع:
“لكنني لم أكن أخشى عودتك…”
“كنت أخشى أن تجد الحقيقة قبلي.”
(صوت انفجار إلكتروني قوي)
انطفأت المدينة كلها للحظات.
وفي الظلام، بدأت شاشة واحدة فقط في العمل.
ظهر عليها نص بلون أحمر متوهج:
“المرحلة الأخيرة بدأت.”
(صوت دقات قلب بطيئة)
كان الندّ الخفي يعلم أن القادم لن يكون مجرد حرب بين شخصين…
بل مواجهة ستحدد مصير البشر.
فإما أن تتحرر العقول…
أو يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة للبشرية.
النهاية المؤقتة…
يتبع في الجزء الأخير:
في الجزء الثامن سقوط الرجل الآخر وكشف أصل اللعنة.
![]()

