حبرٌ وأكلاشيه .. أو عندما ينقذ الـ “Print” حياة مريض!

بقلم…محمد تمام

​”الدواء اللي صرفته لأبوي الأسبوع اللي فات طلع غلط.. دكتور الباطنة شاف الروشتة وقال إن نوعين من العلاج مش هما المطلوبين خالص!”
​كانت هذه الجملة بداية مشادة كلامية حادة شهدتها بعيني قبل أيام داخل إحدى الصيدليات. مواطن غاضب يصرخ خوفاً على صحة والده، وصيدلي مجهد يحاول الدفاع عن نفسه وهو يمسك الورقة بنبرة حسرة: “يا أستاذ، الدكتور كاتب بخط مش ممكن حد يفك طلاسمه، والاسمين اللي تم صرفهم هما الأقرب للرسم المكتوب قدامي!”
​انتهت المشادة برحيل المواطن وهو يتأفف، ودخل الصيدلي ليرتاح ووجهه يعلوه الإرهاق والضيق. اقتربت منه وقلت له بفضول وشفقة: “بدل الأخطاء والمشادات اليومية دي، وبدل ما نعيش في دوامة فك الشفرات.. ليه الروشتة ما تكونش مطبوعة ومكتوبة على اللابتوب عند الدكتور؟ يكتبها ويطبعها ويحط أكلاشيهه وخلاص؟”
​تنهد الصيدلي بحرقة وقال لي كلمة واحدة: “يا ريت! دي تبقى رحمة لينا وللمريض!”
​هذا الموقف المؤلم ليس حدثاً فردياً، بل واقع يومي يتكرر آلاف المرات في صيدلياتنا. مشهد مألوف يتكرر كل مساء: يدخل المريض يحمل ورقة صغيرة تُسمى “روشتة”، يقف الصيدلي أمامها مشدوهاً يفك رموزاً وشفرات طُبست بأحرف مبهمة.
​هنا يتحول الصيدلي من خبير دوائي إلى “منجم” أو قارئ فنجان! ويقع تحت ضغط عصبي ونفسي رهيب؛ فإن هو اجتهد وأخطأ في قراءة اسم الدواء أو تركيزه، كانت الكارثة على صحة المريض.. وإن هو رفض الصرف وطلب التثبت، وُصم بالتعطيل والتقصير!
​لقد آن الأوان لنضع حداً لهذه المأساة اليومية. والحل ليس بعيداً، ولا يحتاج ميزانيات ضخمة، ولا مشاريع تقنية معقدة وربط شبكي سيادي يمتد لسنوات.. الحل بسيط جداً وفي متناول اليد: إلزامية “الروشتة المطبوعة” في جميع العيادات.
​الحل أبسط مما نتخيل!
​عندما نطرح فكرة “تطوير الروشتة”، تذهب العقول فوراً إلى السيستم الموحد، والسجلات الإلكترونية، والإنترنت.. وهي أمور عظيمة لكنها تأخذ وقتاً.
​المقترح العملي الذي أضعه بين أيديكم اليوم أقصر وأسهل بكثير:
لا نحتاج سوى لابتوب وطابعة صغيرة على مكتب كل طبيب!
​بدلاً من أن يمسك الطبيب القلم ليكتب بخط يده، يكتب الأسماء على جهاز الكمبيوتر في ثوانٍ معدودة، ويضغط أمر “طباعة”، ثم يضع ختمه الرسمي (الأكلاشيه) وتوقيعه الحي على الورقة المطبوعة لتأخذ صفاتها الرسمية والقانونية التامة.
​بهذه الخطوة البسيطة، نكون قد ألغينا 90% من الأخطاء الدوائية في لحظة واحدة، ووفرنا على أنفسنا مشادات واشتباكات نحن في غنى عنها!
​فائدة للجميع دون استثناء:
​للمريض: حقك الأولي أن تقرأ اسم دوائك وجرعاتك بوضوح، دون أن تحتار أو تخلط بين أدوية متشابهة.
​للصيدلي: يرفع عنه عبء “التخمين” والتأويل، ليفرغ جهده لدوره الحقيقي في توجيه المريض ومراجعة التفاعلات الدوائية بآمان.
​لطبيبنا العزيز: توفر عليه الوقت، وتحفظ أرشيف أدوية مرضاه بسهولة، وتحميه قانونياً وأخلاقياً من أي خطأ ينجم عن سوء قراءة خطه.
​إن التطوير لا يتطلب دائماً خيالاً علمياً، بل يتطلب إرادة وقراراً.
​قرار تنظيم بسيط من نقاباتنا والجهات المعنية بمنع الروشتات المكتوبة يدوياً، وااشتراط طباعتها، كفيل بأن يكتب تاريخاً جديداً للأمان الطبي في مجتمعنا.
​لقد انقضى زمن “خط الطبيب العجيب”، والحفاظ على الأرواح يستوجب وضوحاً كاملاً لا يقبل الشك. فالكلمة التي تُكتب في الروشتة ليست مجرد حروف.. بل هي الفارق الدقيق جداً بين الشفاء وخطر لا يُحمد عقباه.
​#الروشتةالمطبوعة #صحةالمريض #أماندوائي #محمدتمام

Loading

أحمد السيد

Learn More →