لأن بعض الغياب لا يترك مكانًا فارغًا… بل يترك قلبًا ينادي
مقالة بريد الجمعة
بقلم: وزيرة السعادة – د. علياء رمزي
هل سألت نفسك يومًا: لماذا نفتقد شخصًا طيبًا مريحًا بعينه، رغم أن حولنا عشرات الأشخاص؟ ولماذا يستطيع غياب إنسان واحد أن يصنع في القلب وحشةً لا يبددها حضور العالم كله؟
لماذا نقول لشخص دون سواه: «وحشتني»؟ وما الذي نفتقده حقًا حين نفتقده: وجهه؟ صوته؟ حضوره؟ أم ذلك الجزء من أرواحنا الذي لم يكن يظهر إلا معه؟
بعض البشر يمرون في حياتنا فلا يتركون إلا أسماءً نتذكرها، وبعضهم يدخلون تكويننا النفسي والعاطفي، فيصبح وجودهم جزءًا من الطريقة التي نشعر بها بالحياة.
فما الذي وضعه الله في هذا القلب حتى يحب، ويألف، ويحنّ، ويشتاق، ثم يشعر بالوحشة إذا غاب مَن أحب؟
وهبنا الله أفئدةً تعرف الأُنس والحنين، وألسنةً تفصح عمّا يفيض فيها؛ فنقول: أحبك… افتقدتك… وحشتني.
وما «وحشتني» بكلمة عابرة؛ إنها اعتراف صغير في حروفه، هائل في معناه:
كان لك مكانٌ في يومي، وحين غبتَ مضى اليوم… لكن مكانك لم يمضِ معك.
فالوحشة ليست أن تكون وحدك، بل أن يغيب مَن كان وجوده يصنع الأُنس. قد تمتلئ الأماكن بالناس، ويبقى في الروح مقعد واحد فارغًا؛ فالقلوب لا تحسب البشر بالعدد، بل بالأثر.
أما الشوق، فهو ذلك الشعور الذي يُسقط المسافات من حساب القلب. فالعقل يعرف أن الغائب بعيد، بينما تحتفظ Emotional Memory – الذاكرة العاطفية بالصوت والضحكة ونبرة الحديث، والأهم: بالشعور الذي كان يصنعه وجوده فينا.
ولهذا قد لا نشتاق إلى الإنسان وحده، بل إلى نسختنا نحن حين كنا معه؛ إلى خفّتنا وطمأنينتنا، وإلى ذلك الجزء الجميل من أرواحنا الذي كان يظهر في حضوره.
وربما لهذا تؤلمنا بعض الذكريات؛ ليس لأنها كانت سيئة، بل لأنها كانت جميلة ولم تعد موجودة إلا فينا.
وهنا يأتي السؤال الأعمق:
وما الحب؟
ليس الحب أن تقول «أحبك» فحسب؛ فقد تجيد الألسنة إعلان الحب وتعجز الأفعال عن إثباته.
الحب ليس كثرة الكلام عن المشاعر، بل جودة الشعور الذي يتركه الإنسان فيك.
الحب الناضج أن يكون وجودك في حياة الآخر طمأنينة لا تهديدًا، وأمانًا لا قلقًا، وراحة لا استنزافًا.
إنه Emotional Safety – الأمان العاطفي؛ أن تستطيع أن تكون نفسك بلا أقنعة، وبلا خوف دائم من سوء الفهم، وبلا حاجة مستمرة إلى إثبات أنك جدير بالحب.
فبعض الأشخاص يُبهروننا، لكن قليلين هم مَن تطمئن إليهم أرواحنا.
مع بعض البشر نتحدث طويلًا ولا نقول شيئًا، ومع بعضهم نصمت… فتقول أرواحنا كل شيء.
وهذه هي الراحة؛ ليست فتورًا ولا غيابًا للشغف، بل أن تجد إنسانًا لا تحتاج أمامه إلى تجميل حقيقتك، فتشعر ببساطة:
هنا أستطيع أن أكون أنا.
أما السعادة بوجود من نحب، فلا تعني أن يصبح الآخر مسؤولًا عن سعادتنا؛ فذلك Emotional Dependency – اعتماد عاطفي لا حب ناضج.
النضج أن تقول:
أستطيع الحياة وحدي… لكن الحياة معك أجمل.
أن يكون الآخر إضافةً لا بديلًا، ورفيقًا لا عكازًا، وسكينةً لا قيدًا.
ولهذا نشتاق؛ لأن بعض البشر يتركون فينا شيئًا منهم، ويأخذون معهم شيئًا منا. وقد يغيبون عن المكان، لكنهم يبقون في التفاصيل: أغنية، رائحة، شارع، فنجان قهوة، جملة، أو ذكرى عابرة.
فبعض البشر لا يسكنون الأماكن… إنهم يسكنون التفاصيل.
لذلك لا تجعلوا الكبرياء عدوًا للمشاعر الصادقة.
إذا أحببتم فقولوا، وإذا اشتقتم فعبّروا، وإذا منحكم إنسان راحةً وأمانًا فأخبروه أن وجوده جميل.
فالعمر أسرع مما نتصور، وبعض اللحظات التي نظنها عادية اليوم قد نكتشف يومًا أنها كانت أجمل أيام العمر ونحن لا ندري.
خُلقنا نحب لأن القلب يألف، ونشتاق لأن الأثر لا ينتهي بالغياب، ونقول «وحشتني» لأن بعض المشاعر أكبر من أن يحتملها الصمت.
فالحب أن تصبح الحياة في وجود إنسان أكثر حياة.
والشوق أن يغيب عن العين… ولا يعرف كيف يغيب عن القلب.
والوحشة أن يمتلئ المكان بالناس، ولا تجد بينهم مَن تريد.
أما «وحشتني» فربما تكون أصدق اختصار لكل ذلك:
لقد استمرت الحياة في غيابك… لكنها لم تكن كما كانت في حضورك.
فطوبى لمن إذا حضر أراح، وإذا اقترب أَمِنّا، وإذا أحبَّ صدق، وإذا غاب بقي أثره.
فبعض الناس نلتقيهم في الطريق،
وبعضهم يغيّرون معنى الطريق كله.
وبعضهم حين يغيب، لا نفتقده وحده؛ بل نفتقد شيئًا من أنفسنا كان لا يظهر إلا معه.
وهنا تكمن حكاية الشوق كلها:
أن يرحل الإنسان من أمام عينيك… ولا يرحل منك.
وزيرة السعادة – د. علياء رمزي
#وزيرة_السعادة
#برنامج_وزيرة_السعادة
#د_علياء_رمزي
#قناة_المحور
#قناة_هي
![]()

