ما الدور المنوط به موجّه تعليم رياض الأطفال للحصول على عملية تربوية ناجحة؟

بقلم: الأستاذة هاله حامد – موجّه رياض الأطفال

ليست رياض الأطفال مجرد مرحلة تسبق التعليم الابتدائي، وليست قاعات تضم أطفالًا يمارسون بعض الأنشطة والألعاب، بل هي حجر الأساس في بناء شخصية الطفل، وتنمية قدراته العقلية واللغوية والاجتماعية، وغرس القيم فيه.

وإذا كانت المعلمة هي قلب القاعة، فإن الموجّه هو عقل المنظومة وضميرها التربوي، هو الذي يضمن ألا تتحول الروضة إلى مكان للترفيه أو للتلقين المبكر، بل إلى بيئة تربوية سليمة ومتكاملة.

فما الدور المنوط به إذن؟

أولًا: الدور القيادي والتخطيطي

الموجّه الناجح لا يكتفي بالزيارة والتوقيع في دفتر الزيارات، بل:

يضع خطة واضحة للعام الدراسي، تتناسب مع خصائص كل روضة وإمكاناتها.
يتابع تنفيذ المنهج الجديد، ويتأكد أنه يُقدَّم باللعب والاكتشاف لا بالحفظ والواجبات.
يربط بين الروضات في إدارته، فينقل الخبرة الناجحة من روضة إلى أخرى، ويوحد الرؤية التربوية.
يرفع تقريرًا صادقًا عن الاحتياجات الحقيقية: عجز المعلمات، نقص الوسائل، مشكلات المبنى، ليُبنى القرار على واقع لا على ورق.

ثانيًا: الدور الفني والإرشادي مع المعلمة

هذا هو جوهر عمل الموجّه، فهو موجّه لا مفتش.

يزور القاعة ليرى لا ليتصيد الأخطاء: يجلس بين الأطفال، يلاحظ طريقة المعلمة في إدارة النشاط، وكيف تتحدث مع الطفل، وكيف تحتوي بكاءه وخوفه.
يقدم تغذية راجعة بنّاءة: بدلًا من أن يقول “النشاط ضعيف”، يقول: “لو بدأتِ النشاط بقصة قصيرة، سيندمج الأطفال أسرع، جرّبيها وستلاحظين الفرق”.
يدرّب أثناء العمل: يعلم المعلمة كيف تصنع وسيلة من خامات بسيطة، وكيف تدير ركنًا تعليميًا، وكيف تكتشف الطفل المتعثر مبكرًا.
يحترم الفروق الفردية بين المعلمات: فكما أن لكل طفل سرعته، لكل معلمة أسلوبها وخبرتها، ودور الموجّه أن ينمّيها لا أن يقارنها بغيرها.

ان المعلمة السليمة، كما أكدت سابقا ليست الأقسى ولا الأكثر أوراقًا، بل هي “معلمة أم قبل أن تكون معلمة: صبورة، حنونة، تفهم أن البكاء في الأيام الأولى أمر طبيعي، وأن كل طفل له سرعته الخاصة”.

ثالثًا: الدور التربوي مع الطفل

الموجّه لا يعمل مع المعلمة فقط، بل عينه دائمًا على الطفل:

يتأكد أن الطفل يتعلم بالحب واللعب والتجربة والقدوة، فالطفل من سن 3 إلى 6 سنوات “لا يتعلم بالتلقين، بل يتعلم بالحب، واللعب، والتجربة، والقدوة”.
يراقب البيئة: هل الفصل آمن ونظيف؟ هل الألعاب مناسبة؟ هل عدد الأطفال يسمح للمعلمة أن ترى كل طفل وتسمعه؟
يرفض الضغط الدراسي المبكر: كثرة الواجبات والامتحانات في رياض الأطفال تقتل حب التعلم، والعقاب بالصراخ لا يربي، فالطفل “لا يتعلم من الخوف، بل يتعلم من الفهم”.
يدعم القيم بالمواقف لا بالتلقين: الصدق، المشاركة، الاعتذار، انتظار الدور.

رابعًا: الدور التواصلي مع الأسرة والمجتمع

العملية التربوية لا تنجح بجهد الروضة وحدها.

يبني جسر ثقة بين الروضة والبيت، ويوعي أولياء الأمور بأن “الروضة لا تعوّض البيت، بل تُكمله”.
يشجع المعلمات على التواصل المستمر والصادق مع الأسرة، فالمعلمة الناجحة “لا تخفي عن الأم شيئًا، بل تخبرها بصدق عن تقدم طفلها وعن أي ملاحظة”.
يشارك في مجالس الآباء والندوات وورش العمل، ويشرح للأهالي أن اللعب هو عمل الطفل، وأن المقارنة بين الأطفال تدمر الثقة ولا تبنيها.

خامسًا: الدور التنموي والتطويري

الموجّه الناجح هو متعلم دائم:

يتابع كل جديد في التربية باللعب، وتعديل السلوك، والتعلم النشط، ودمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
ينظم ورشًا تدريبية حقيقية، لا شكلية، تعالج مشكلة ميدانية فعلية لاحظها في زياراته.
يشجع المعلمات على الابتكار وتبادل الأنشطة، فلا أحد ينجح وحده في رياض الأطفال.

وقد أكدت هنا في هذا المقال عن المعلم المثالي أن المعلم الناجح هو الذي “يبدأ من قلبه قبل دفتر التحضير”، وأن “الأطفال لا يتعلمون ممن لا يحبون”، وهذا المبدأ ينطبق على الموجّه أولًا: فالمعلمات لا يتطورن مع موجّه يخافونه، بل مع موجّه يحترمهن ويدعمهن.

خاتمة

إن نجاح العملية التربوية في رياض الأطفال يقوم على معادلة ثلاثية:

موجّه داعم + معلمة رحيمة + بيت واعٍ = طفل واثق، متزن، محب للتعلم.

وإذا أردنا جيلًا سليمًا، فلنبدأ من رياض الأطفال: بيت دافئ، وروضة آمنة، ومعلمة رحيمة، ولعب حر، وحب غير مشروط، وموجّه يرى في كل زيارة رسالة، وفي كل معلمة طاقة، وفي كل طفل مشروع إنسان.
فلنمنح أطفالنا طفولة سليمة، فهم لا يحتاجون أن يكونوا الأوائل في الفصل، بل يحتاجون أن يكونوا أسوياء في الحياة.

Loading

أحمد السيد

Learn More →