كتب محمد تمام
حين يقف الواقفون على حافة التاريخ، لا يلقون الكلمات هباء، ولا ينثرون الوعود في مهب ريح اللحظات العابرة. هناك، على منصة الأكاديمية العسكرية المصرية، حيث تتقاطع هيبة العسكرية المصرية مع نبض الشارع وهموم ملايين المواطنين، وحيث يمتزج صمت الانضباط وقوة الإرادة والعزيمة وتتشكل ملامح الغد تحت سماء تتسع لأحلام أمة بأسرها،
وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي لا ليخطب خطبة ترحيبية أو يلقي تحية بروتوكولية معتادة، بل ليوقع بمداد من اليقين وثيقة عمر، وعقدا غليظا مع الشعب، وإعلانا مدويا يقطع حبل الشائعات ويحسم جدلا طالما خاض فيه الخائضون. لقد كانت الكلمات هناك أشبه بضربة ازميل نحات علي صخرة الشك، ليقوم بنقش عميق على جدران المستقبل ،،
عام 2030 هو المدى، والدستور هو الميزان، ومصر هي الباقية، وكل ما عدا ذلك تفاصيل عابرة في كتاب الخلود.
طالما استمرت الألسنة تلوك الشائعات، وتنسج من خيوط الوهم حكايات وأساطير عن تمديد وتعديل وتوريث ، متناسية أن الأوطان الكبرى لا تُدار بأهواء البقاء الدائم، بل تُبنى على قواعد راسخة من القانون والنظام.
وفي لحظة واحدة، وبجملة قاطعة لا تقبل التأويل ولا التلاعب، أنهى الرئيس كل ذلك الصخب المفتعل.
حين أعلن الرئيس أن عام 2030 سيكون المحطة الأخيرة في رحلة رئاسته للبلاد، لم يكن يطلق تصريحا للاستهلاك الإعلامي أو مجاراة لأصوات المشككين، بل كان ينطلق من قناعة راسخة بأن الشرعية الدستورية وسيادة القانون هما الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات التشويش.
إن هذا الإعلان لم يكن تنازلا ولا تراجعا، بل كان انتصارا لمنطق الدولة المؤسسية الحديثة؛ إذ إن الدستور المصري خط أحمر لا يُمس، والنصوص الحاكمة لفترات الرئاسة واضحة جلية لا تحتمل التأويل. لقد أدرك بوعي القائد أن شرعية الإنجاز تكتمل وتتوهج حين تتوج باحترام الدستور، وأن كبرياء المسؤولية يكمن في الشجاعة على وضع نقطة النهاية بمثل تلك الشجاعة التي بدأ بها طريق البناء، مؤكدا بما لا يدع مجالا للشك أن الهدف الأسمى لم يكن يوما البقاء لذات البقاء، بل أداء مهمة كبرى في ظرف تاريخي بالغ الدقة والتعقيد.
أما العبارة التي تسللت إلى أعماق القلوب وهزت وجدان الملايين، فهي تلك الحقيقة الأزلية التي أكد عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي ..
مصر ليست عقيمة. في عالم تعاني فيه الشعوب أحيانا من عقم القيادات وأزمات الفراغ السياسي، وفي بيئة إقليمية ودولية تعصف بها رياح الاضطراب، يأتي هذا الصوت الرئاسي ليذكر الجميع بتاريخ هذا الوطن العريق؛ مصر التي أنجبت العظام وقادت مسيرة التنوير والبناء عبر آلاف السنين، هي حوض فوار لا ينضب، ومعمل دائم للرجال، ومنجم لا ينفد من العقول والأكفاء القادرة دائما على إفراز قيادات شابة، واعية، ومؤهلة لحمل الراية واستكمال مسيرة العطاء. إن هذا الإيمان المطلق بالشعب وبأبنائه هو رسالة ثقة في جيل الشباب وفي الأجيال القادمة التي تتشكل ملامحها اليوم في المدارس والمعاهد والجامعات والأكاديميات. إنها رؤية استراتيجية بعيدة المدى تؤمن بأن الأوطان العظيمة لا تقوم على أشخاص بعينهم ولا تحتكر المشهد في يد أحد، بل تقوم على مؤسسات راسخة، وعقول واعية، وتصاعد متعاقب للأجيال يتناوب على حمل الأمانة بإخلاص وتجرد. وحين يعلن القائد أنه يمهد الطريق لمن يأتوا من بعده، فإنه يرفع الحرج عن التاريخ، ويؤكد أن رهان الأوطان يجب أن يكون دائما على الشعب، وعلى عبقريته المتجددة التي طالما فاجأت العالم بابتكار أسباب النهوض من بين رماد المحن.
وما إن فرغ الرئيس من تحديد المدى الزمني، حتى أردف ذلك بعهد العمل الدؤوب؛ إذ لم يكن الإعلان عن موعد الرحيل دعوة للركون إلى الراحة أو تقليص طموحات البناء، بل كان على العكس تماما؛ حافزا إضافيا لمضاعفة الجهد ومواصلة البناء. أكد الرئيس أنه مستمر في بذل أقصى الغاية والطاقة حتى اليوم الأخير من ولايته في عام 2030، مشددا على أن هذا العام بالنسبة له ليس خط النهاية للاسترخاء، بل هو خط الشوط الأخير الذي يجب أن يُقطع بكل عزم وطاقة وقوة. إن التحديات الجسام التي تواجهها مصر اليوم من لهيب الأزمات الاقتصادية العالمية، إلى تعقيدات جغرافية سياسية تكاد تأكل الأخضر واليابس في محيط إقليمي ملتهب يغلي بالصراعات، تتطلب جلدا صبورا وعملا دؤوبا لا يعرف الوهن ولا الاستكانة. ورسالة “العمل حتى اللحظة الأخيرة” هي ترجمة عملية لمعنى الانتماء الحقيقي؛ فالوطن ليس مجرد شعار نرفعه في المناسبات، بل هو عرق يصيب الجباه ، ومصانع تبني،
وأراضي تستصلح، ومستشفيات تشيد، وأجيال تُسلح بالعلم والمعرفة.
إنها عبادة والتزام مقدس لا يتوقف عند حسابات المكاسب الشخصية أو توقيتات المغادرة، بل ملحمة يومية يخوضها المصريون بقيادة لا تعرف المستحيل، وتصر على أن تترك خلفها أرضا صلبة لا تهزها الرياح.
إن قراءة متأنية لما دار في تلك الأمسية الوطنية تكشف عن هندسة متكاملة لملامح الجمهورية الجديدة ومرحلة انتقالية كبرى تتجاوز حدود الخطابات البروتوكولية، لتتأسس على قواعد سياسية صلبة وواعية تقوم على ركائز أساسية: الشرعية الدستورية المطلقة بحماية القوانين المنظمة للحكم كضمانة لاستمرار البناء، والاستمرارية المؤسسية بربط مصير الوطن بالمؤسسات الراسخة لا بالأفراد العابرين، والشفافية الخالصة بمصارحة الشعب بالتوقيتات والحقائق، وصولا إلى إعداد وتأهيل رجال الدولة وقيادات المستقبل لتسليم الراية لجيل جديد في مناخ مفعم بالاستقرار والوعي الوطني.
في نهاية المطاف، تتلاشى الوجوه والأشخاص، وتتبدل المواقع والكراسي، وتبقى مصر وحدها هي الأزلية الخالدة؛ تمتد جذورها في أعماق التاريخ وتعانق قمم المستقبل، ويبقى التاريخ هو الشاهد الأصدق على من خدم تراب هذا الوطن بإخلاص ومن سعى لغاية أخرى.
إن إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عن نهاية فترته الرئاسية في 2030 يثبت أن بناء الدول العظيمة يُقاس بقدرتها على إنفاذ القانون، واحترام الدستور، وغرس الثقة في نفوس أبنائها بأن الغد دائما أفضل لمن يخلص العمل ويبذل العرق. وفي هذا التوقيت بالذات، تلقي هذه اللحظة التاريخية بمسؤولية كبرى على عاتق الأحزاب والنخب السياسية لتتحرك من مقراتها إلى الشارع وتستعد للسباق بجدية وكفاءة تليق بحجم مصر؛ فهذا الموقف يجسد فصلا جديدا من فصول العظمة المصرية، يثبت أن الرجال الكبار هم من يصنعون قواعد وداعهم بأنفسهم، تاركين خلفهم وطنا يقف على قدميه بثبات، وشعبا يدرك تماما كيف يصنع غده بيده.
هكذا تُبنى الأمم، وهكذا تُكتب السير العطرة، وهكذا يُسطر الرجال مواقفهم في صفحات التاريخ بحبر من نور.. عهد وُفي، ومهمة أُديت، ومستقبل يُنسج بخيوط الوعي والعمل واليقين.
محمد تمام
![]()

