.

زلزال “الدستورية العليا” في جداول المخدرات: انتصار لسيادة القانون أم “ثغرة” قد تفتح أبواب السجون؟

بقلم: محمد تمام

“لم يكن مجرد خبرٍ عابر، بل كان (زلزالاً قانونياً) بكل ما تحمله الكلمة من فزع؛ فقد صُدم الرأي العام، وارتبكت الدوائر الأمنية، وشخصت أبصار القانونيين عند نشر نبأ سقوط أحد أهم قرارات ملاحقة تجار السموم في مصر. تلك الصدمة لم تأتِ من فراغ، بل من إدراكٍ مخيف بأن (خطأً إجرائياً) في أروقة الإدارة قد يمنح ‘أباطرة الكيف’ قبلة حياة غير متوقعة، ويحول الزنازين التي ضجت بتجار المخدرات التخليقية إلى ساحات انتظار للخروج المجاني. لقد وضع هذا الخبر.. الدولة والمجتمع أمام حقيقة صادمة: أن هيبة الردع قد تنهار إذا غاب عنها الدرع الدستوري الحصين.”
في واحدة من أهم اللحظات التاريخية التي تُعلي من شأن “دولة القانون”، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكماً مدوياً يقضي بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية المتعلق بإضافة مواد معينة إلى جداول المخدرات. وهذا حقهم فهم من يحددون المخدر من عدمه.، يا سادة هذا الحكم فتح “صندوقا” من التساؤلات الشائكة حول مصير آلاف الأحكام الجنائية، والحدود الفاصلة بين سلطة التجريم الإداري وبين حرمة النصوص الدستورية.

أولاً: الخطيئة القانونية.. “الولاية لا تُمنح بالقياس”
تأسس هذا الحكم التاريخي على قاعدة أصولية راسخة: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون”. فقانون مكافحة المخدرات المصري رقم 182 لسنة 1960 حصر سلطة تعديل جداول المخدرات (إضافة أو حذفاً) في شخص “وزير الصحة” بصفته المهنية والسياسية والرقابية. الأزمة بدأت عندما ظنت هيئة الدواء المصرية أن “سلطة التجريم” قد نُقلت إليها بالتبعية عقب إنشائها. وهنا جاءت كلمة فصل القضاء الدستوري: سلطة التحديد الجنائي لا تُنقل بالتفويض الضمني. إن هذا التغول الإداري اعتبرته المحكمة عبثاً بمبدأ “فصل السلطات”، مؤكدة أن الولاية في العقاب لا تُنتج بالقياس بل تُمنح بالنص الصريح. هذا ما تحدث به بعض المشتغلين والقانونيين.

ثانياً: تساؤلات حائرة في “شارع مصدوم” سأكتفي بذكر (6 نقاط) منها ،
لم يتوقف ضجيج هذا الحكم عند منصات القضاء، بل انتقل سريعاً ليثير تساؤلات شعبية مشروعة تضع علامات استفهام كبرى حول أمن المجتمع:
1-“هل سيخرجون فعلاً؟”: هل سنرى “تجار الاستروكس والآيس والشابو” يعودون لممارسة نشاطهم غداً بفضل (غلطة ورقة)؟
2-“ماذا عن الضحايا؟”: الأم التي فقدت ابنها والأسرة التي تحطم مستقبلها، مَن يرضي هؤلاء إذا كان الجاني سيستفيد من بطلان إجرائي؟
3-“مَن المسؤول عن هذا الخطأ؟”: كيف لمؤسسات كبرى أن تقع في خطأ (عدم الاختصاص) الذي كلفنا سنوات من التقاضي؟
4-“الخيط الرفيع بين البطلان والبراءة”: هل يدرك المجتمع أن بطلان القرار قد يجبر القاضي على تبرئة مجرم ضبط متلبساً لأن النص “وُلد ميتاً” دستورياً؟
5-“مصير الشحنات المصادرة”: كيف ستتعامل الدولة مع طلبات استرداد شحنات صودرت بناءً على قرار عُدم بقرار الدستورية؟
6-“بدائل العقاب الهزيلة”: إذا لجأت النيابة لـ “تعديل القيد والوصف”، فهل تكفي “الغرامة” لردع من كان يواجه “المؤبد”؟

ثالثاً: كابوس “البيع العلني”.. تخوفات من تفشي السموم
يسود تخوف حقيقي من أن يُسفر هذا الفراغ التشريعي عن “سيولة إجرامية” غير مسبوقة؛ فالتخوف الأكبر يكمن في تجرؤ المروجين وكسر حاجز الخوف؛ فالمجرم الذي كان يتخفى خشية الإعدام، قد يفهم هذا الحكم كإشارة “ضوء أخضر”. هذا الإدراك قد يدفعه لعرض بضاعته من المواد التخليقية بشكل أكثر علانية وجرأة، ظناً منه أن يد القانون أصبحت مغلولة ولن تطوله بسبب هذا الإلغاء.
كما يسود قلق بالغ من تحول المناطق الشعبية إلى “أسواق مفتوحة” لهذه السموم، تحت ذريعة قانونية واهية مفادها أن هذه المواد “لم تعد مخدرات قانونية” حتى يصدر قرار تصحيحي، مما قد يؤدي إلى كارثة مجتمعية تفتك بما تبقى من عقول الشباب. وأخيراً، يبرز خطر انهيار الصورة الذهنية لقوة القانون؛ فالمواطن عندما يرى التاجر يمارس نشاطه بجسارة، يفقد ثقته في الردع، فالمجرم الذي يرى ثغرة ينفذ منها لن يتردد في المجاهرة بجرمه.

رابعاً: “المخدرات التخليقية”.. المستفيد الأول
تكمن خطورة الحكم في نوعية المواد التي شملها البطلان؛ فأغلبها مواد تخليقية مثل “الآيس، الشابو، الفودو، والاستروكس”. هذه السموم عادت (قانونياً) لتكون مجرد “مواد كيميائية” خلال فترة زمنية معينة.
إن المستفيد الأول هنا هو “كيميائي الموت”؛ فبموجب هذا الحكم، تخرج هذه المواد من نطاق “الجناية” المغلظة لتصبح مجرد تركيبات كيميائية غير مدرجة. هذا الوضع يفتح ثغرة مرعبة للمحامين للدفع بانتفاء الركن الشرعي للجريمة، مما قد يترتب عليه مطالبة تجار السموم باسترداد ما تم ضبطه لديهم بحجة أنها “بضاعة” لا يجرمها القانون، وهو ما يمثل ذروة الفاجعة المجتمعية وسؤالاً مرعباً عن مصير ما تم ضبطه.

خامساً: مأزق “التكييف البديل” وقانون السموم
قانونياً، قد تلجأ النيابة العامة إلى (تعديل القيد والوصف) لمحاكمة المتهم بموجب قانون الصيدلة أو قانون السموم. لكن المفارقة الصادمة تظل في “حجم العقوبة”؛ فالفارق بين عقوبة الإتجار في المخدرات وبين مخالفة قوانين تداول المواد الكيميائية هو فارق شاسع، قد يحول الحكم من “المؤبد” إلى مجرد “غرامة أو حبس بسيط”، مما يعني انتصاراً تقنياً للدفاع وانكساراً للردع.
إن الانتقال من “قانون المخدرات” الصارم إلى “قانون السموم” هو بمثابة استبدال السيف بعصا هشة؛ فبينما كانت العقوبة تلاحق رقاب المتاجرين بحبل الإعدام، قد نجدنا الآن أمام غرامات مالية يدفعها التاجر من حصيلة بيع يوم واحد، مما يفرغ العملية الأمنية من محتواها ويحول العقوبة إلى مجرد “ضريبة بسيطة” يتحملها المجرم مقابل استمراره في تدمير عقول الشباب.
سادساً: ما وراء الجداول.. هل نحتاج لثورة تشريعية؟

إن الحل الجذري لا يكمن فقط في “ترقيع” الجداول بقرار جديد، بل في ثورة تشريعية تتبنى مفهوم (المجموعات الكيميائية) بدلاً من الأسماء الجامدة. يجب أن ينص القانون على تجريم أي مادة لها ذات الأثر المخدر للجهاز العصبي، ليكون القانون هو “الصياد” لا “الفريسة” التي تلهث خلف ابتكارات تجار الموت.
نحن بحاجة إلى قانون “مرن” يتصدى لظاهرة المخدرات التخليقية التي تتطور يومياً؛ فالمجرمون يتلاعبون بذرة واحدة في التركيبة لإنتاج مخدر جديد لا يعرفه الجدول. الثورة التشريعية المطلوبة يجب أن تمنح الجهات الفنية والسيادية غطاءً قانونياً محصناً دستورياً يتيح إدراج المجموعات والآثار المخدرة ككل، لإغلاق أبواب “الحذلقة الكيميائية” التي يستغلها أباطرة الكيف للإفلات من العقاب.

وأخيراً.. العدالة بين الشكل والموضوع
إن حكم الدستورية العليا هو انتصار لسيادة القانون، وتذكير صارم بأن “الغاية لا تبرر الوسيلة”. فمحاربة المخدرات (غاية نبيلة) لا يجب أن تتم بإجراءات باطلة. إننا أمام مشهد يحتاج لتدخل تشريعي عاجل وحاسم من مجلس النواب، ليس فقط لتصحيح وضع جداول المخدرات، بل لإعادة صياغة العلاقة بين الهيئات الفنية والوزارات السيادية بما يمنع تكرار هذا “الارتباك القاتل”. العدالة لا تكتمل إلا إذا كان سيفها مسنوناً بشكل صحيح؛ أما السيوف الثلمة، فهي لا تقطع دابر الجريمة، بل تذبح جسد الثقة في دولة المؤسسات.
إن ما حدث يجب أن يكون نقطة انطلاق لتحديث شامل للمنظومة التشريعية الجنائية؛ فلا يصح أن تظل أمن المجتمعات معلقة بـ “توقيع موظف” أو “تبعية هيئة”. إن سيادة القانون لا تعني ترك المجرمين يعبثون بمقدرات الوطن، بل تعني أن تضرب الدولة بيد من حديد.. ولكن بقفاز قانوني سليم لا ينفذ منه باطل. إن الاستناد إلى نصوص مهترئة أو قرارات معيبة هو بمثابة بناء حصن من رمال أمام أمواج المخدرات العاتية. المطلوب الآن ليس مجرد ملاحقة قانونية للمجرمين، بل ملاحقة تشريعية للثغرات، لضمان أن تظل الزنازين موصودة في وجه من استباحوا عقول شبابنا، ولتظل هيبة الدولة عصية على الانكسار أمام “غلطة ورقة”. إن الوطن ينتظر قراراً يحمي الدستور ويحرس المجتمع في آن واحد، فالحقوق لا تتجزأ، والعدالة التي تتأخر أو تتعثر بالإجراءات هي عدالة تحتاج إلى من يقيل عثرتها فوراً، ليعود للردع بريقه وللقانون هيبته.

Loading

Ahmed El sayed

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏