بقلم..محمد تمام
في الوقت الذي تصدح فيه المآذن بدعوات “الرحمة” والسكينة، وتغتسل القلوب في فيوضات الشهر الكريم، تطل برأسها أزمة طاحنة تكاد تحول “فرحة الإفطار” إلى “غصة قهر”. نحن اليوم لا نعيش مجرد موجة غلاء عابرة، بل نحن عالقون في تقاطع نيرانيّ مخيف؛ بين صراعات دولية كبرى تُدار بالبارود والنفط ، وبين جشع داخلي يُدار بالاستغلال وغياب الضمير .
فاتورة “الحرب البعيدة” في جيوبنا القريبة
لا يمكن لعاقل أن ينكر أن الدولة المصرية اليوم تقف في مواجهة “عاصفة كاملة”؛ فالمشهد المشتعل بين القوى الكبرى وحلفائها وبين إيران، لم يعد مجرد أخبار في نشرات السياسة، بل تحول إلى “أرقام” قاسية في فواتير المحروقات والطاقة عالمياً. إنها ضغوط “جاءت غصباً”، فرضتها لغة المصالح الدولية التي لا ترحم الدول الفقيرة المستوردة، مما جعل الدولة أمام خيارات أحلاها مُرّ لضمان استمرار التدفقات وتأمين الاحتياجات الأساسية وسط أمواج متلاطمة من صراعات النفوذ العالمي التي جعلت من “برميل النفط” سلاحاً يُشهر في وجه الجميع.
وفي خضم هذه الأحداث تظهر جرذان الظلام (تجار الأزمات).. السباق نحو “الامتلاء” الزائف
لكن، وألف لكن.. إذا كان الغلاء العالمي “قدراً سياسياً” لا مفر منه، فما بال “وحوش الجشع” في أسواقنا؟ أولئك الذين اتخذوا من “زيادة المحروقات” قميص سيدنا عثمان ذريعه، ليضاعفوا الضغط على أنفاس البسطاء بزيادات فلكية تسبق الواقع وتتجاوز المنطق.
إنه سباق غريب ومريب؛ من يسابق من ،
في تحويل حياة الناس إلى كوابيس؟
هل هي الأسعار العالمية أم هي “نفوس” لم تشبع رغم امتلائها؟ كيف يمكن لتاجر أن يرفع سعر سلعة مخزنة لديه من اسابيع مضت بمجرد سماع “خبر” الزيادة، متناسياً أننا في “شهر الرحمة”؟ إن “الامتلاء” الذي يسعون إليه بالمال الحرام، هو في الحقيقة “فراغ” موحش في القيم والإنسانية. إن هؤلاء “المنتهبين” لأوجاع الناس، الذين لا تنتهي رغبتهم في التضخم والربح الفاحش، ينسون أن البركة تُمحق مع كل قرش يُنتزع من عوز محتاج أو دمعة محروم.
الرحمة يا سادة فوق العدل.. هل هي صرخة في وادٍ فارغ أم نداء للضمير الحي؟
إن القاعدة الإنسانية التي تقول “الرحمة فوق العدل” يجب أن تكون هي الميزان الذي نحاكم به أنفسنا اليوم. إن الضغط الذي يمارسه هؤلاء التجار على الناس في هذه الأيام المباركة هو “إرهاب معيشي” لا يقل خطورة عن رصاص الحروب. فبينما تُقصف المدن في الخارج، يُقصف الفقير الصائم في الداخل بغلاء مصطنع يستهدف لقمة عيشه وقدرته على الصمود. إننا نلوذ بالحق العدل من هذا “السعار” الذي أصاب الضمائر، فإذا كانت الحروب العالمية قد فُرضت علينا بتبعاتها الاقتصادية، فإن “التراحم” هو سلاحنا الوجداني الوحيد للبقاء.
أيها السادة ولاة أمورنا لحظة من فضلكم
إن أردنا الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون فقط بانتظار هدوء العواصف العالمية انخفض الاسعار ، بل يجب أن يكون نقطة التحول الكبرى التي طال انتظارها. إن على الدولة أن تضرب بيد من حديد علي كل المستغلين والمتربحون من الازمات وتحريك جهازها الإداري بقوة للحد من هذا الاستغلال هذا اولا
أما ثانيا علي الدولة ان تقرأ الأحداث جيدا في هذه الأزمة العالمية “رسالة تحذير” أخيرة ومُلزمة؛ فالبقاء في قبضة التقلبات الدولية هو رهان خاسر.
إن الواجب الوطني اليوم يفرض استغلال هذا الظرف العصيب للتحرر من قيود التبعية الاستيرادية عبر شعار واحد لا بديل عنه: “الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الذات”. إنها اللحظة المناسبة لتفجير طاقات الإنتاج المحتجبة، ودعم الابتكار في كل المجالات، من الزراعة التي تؤمن رغيف الخبز، إلى الصناعة التي توفر الكساء والدواء، وصولاً إلى بدائل الطاقة التي تحمينا من تقلبات “براميل النفط” المسيسة.
يجب أن تتحول هذه الضغوط إلى “وقود” للمصانع والآلات، وإلى حافز للعقول المبدعة لتجد حلولاً محلية عبقرية تغنينا عن السؤال خلف الحدود. إن بناء اقتصاد “مقاوم للصدمات” هو الضمانة الوحيدة لكي لا تظل مائدة المواطن البسيط رهينة بقرار يُتخذ في “واشنطن” أو صرخة حرب تُطلق في “طهران”.
لقد آن الأوان ليكون “صُنع في بلادنا” هو درعنا الواقي، وأن يكون الإنتاج هو ردنا العملي على جشع التجار في الداخل وتآمر السياسة في الخارج. ارحموا من في الأرض بزيادة العمل والإنتاج، ليرحمكم من في السماء بفتح أبواب الرزق والاستقلال.. فلا خير في أمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع، وتنتظر أمنها المعيشي من خلف البحار.
”ليست القضية يا سادة مجرد أرقام في نشرة الأخبار، بل هي أنات في بيوت البسطاء لا يسمعها إلا الله. عندما تغيب الرحمة من القلوب، تصبح لقمة العيش هي المعركة الأصعب. نحن لا نطالب بالمستحيل، بل نطالب بضمير يتقي الله في “شهر الله”.”
محمد تمام
![]()

