تأليف: محمد تمام
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً، والمدينة في الخارج غارقة في صمت شتوي ثقيل، إلا من صوت المطر الذي يقرع زجاج النافذة بانتظام رتيب، كأنه أصابع خفية تحاول لفت الانتباه. في الداخل، لم يكن هناك سوى وهج شاشة الكمبيوتر المحمول الأزرق البارد، ينعكس على وجه الكاتب الشاب “آدم”، مانحاً إياه ملامح شبحية وسط عتمة الغرفة.
كان آدم يجلس متكئاً على مقعده الخشبي، وعيناه مجهدتان تحدقان في بياض الصفحة الإلكترونية الفارغة، ذلك البياض الذي كان يبدو له ككفن يبتلع أحلامه. منذ أشهر و”حبسة الكاتب” تطوق عنقه كقيد من حديد؛ كلما خطّ جملة، محاها بزفرة ضيق، وكلما ولد في رأسه مجاز فريد، خنقه الشك والخوف من الفشل. كانت الأفكار تموت في رداء خياله قبل أن تنال شرف الولادة على الورق، مستحيلة إلى رماد وعزلة.
تنفس الصعداء، وأغلق الشاشة نصف إغلاق، ثم نهض ليعد كوباً من القهوة لعل مرارتها توقظ خلايا دماغه المخدرة، وتطرد أشباح العجز عن الكتابة.
في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم يكن في الحسبان.
سمع آدم صوتاً غريباً يصدر من ناحية المكتب. لم يكن صوت صرير الخشب المعتاد، ولا نقر المطر على الزجاج، بل كان صوتاً خافتاً يشبه خشخشة الأوراق الجافة في خريف مهجور، يتبعه تنهد عميق وآهة مسموعة تحمل شجن السنين!
التفت آدم ببطء، وقد تجمدت الدماء في عروقه وتملكه ذهول غريب. اقترب وفتح شاشة المحمول بالكامل، فصدمه ما رأى؛ على الصفحة البيضاء التي تركها فارغة منذ قليل، بدأت الحروف تتشكل تلقائياً دون أن تلمس يداه لوحة المفاتيح. كانت الحروف تقفز، تتشابك، وتصطف بسرعة مذهلة كأنها كائنات حية تتسابق لتنجو من العدم، لتشكل الكلمات التالية:
“أيها الواقف عند غلاية القهوة… التفت إليّ، أنا هنا!”
تراجع آدم خطوة إلى الخلف، وسقط الكوب من يده لينسكب الماء الساخن على الأرض محدثاً فوضى صامتة. مسح عينيه بعنف، ظناً منه أن الهلاوس السمعية والبصرية قد نالت منه بسبب قلة النوم والإنهاك النفسي. اقترب من الشاشة بخطوات مرتجفة، ونظر بتركيز؛ لم تكن هلاوس، فالحروف السوداء كانت تنبض على الشاشة الزرقاء كقلب حي يحارب الموت.
أمسك بلوحة المفاتيح وكتب بأصابع ترتعد: “مَن أنت؟ هل هذا اختراق ذكي لحاسوبي؟”
جاء الرد فوراً، وتدفقت الكلمات كشلال من الحبر الإلكتروني:
“أنا لستُ فيروساً عابراً، ولستُ قرصاناً يبحث عن أسرارك. أنا الفكرة التي طردتها من رأسك البارحة لأنك ظننتها تافهة لا تليق باسمك. أنا الحكاية التي تركتها مبتورة ولم تكتمل في مسوداتك القديمة. أنا شخصية هائمة بلا ملامح، وحبكة تبحث عن عقدة، ونهاية معلقة في فراغ النسيان. باختصار: أنا قصة قصيرة… وتبحث عن مؤلف!”
جلس آدم على طرف المقعد، مستغرقاً في حالة توازن حرجة بين الرعب الخالص والذهول الأدبي، ثم كتب: “كيف يمكن لقصة لم تُكتب بعد أن تتحدث وتملك وعياً؟”
ظهرت الإجابة سريعة كالإدانة: “وعينا نحن الأخيلة والأفكار يولد من حاجتكم الشديدة إلينا. عندما يفكر فينا الكاتب ثم يهملنا خوفاً أو كبراً، لا نموت؛ بل نظل عالقين في «برزخ الأفكار المهملة». نصبح كأرواح هائمة تبحث عن جسد يتسع لجنونها، والجسد بالنسبة لنا هو حبرك، وأسلوبك، وصوتك الأدبي الفريد. لقد طرقتُ أبواباً كثيرة الليلة؛ مررتُ بمحابر كتاب كثر، بعضهم كان غارقاً في النمطية فخفتُ أن يحولني إلى وعظ مباشر ممجوج يقتل فنيتي، وبعضهم كان يكتب من أجل الشهرة السريعة فخشيتُ أن يبتذلني في سوق الاستهلاك الأدبي. لكنني رأيت في بياض صفحتك الآن شغفاً حقيقيّاً وخوفاً مقدساً من الكتابة.. خوف المبدع الحقيقي. أنت مَن أريد… اكتبني!”
شعر آدم بقشعريرة تسري في جسده، وانمحت رغبة النوم تماماً. اللعبة استهوته، وصياد القصص الكامن في أعماقه، والذي ظن أنه مات، استيقظ فجأة بقوة عاتية. كتب: “وما هي حبكتكِ؟ ما الذي تريدين قوله للعالم من خلالي؟”
تحركت السطور صعوداً، وبدأت القصة تملي شروطها الفنية:
“أريد أن تبدأ برجل عجوز يجلس على مقعد خشبي متآكل في محطة قطار مهجورة نبت العشب بين قضبانها. يمسك في يده حقيبة جلدية قديمة، اهترأت أطرافها لكنها مغلقة بقفل نحاسي صدئ لا يُفتح أبداً. القطارات السريعة تمر من أمامه كالأيام، تثير الغبار ولا تتوقف، وهو ثابت لا يركب ولا يرحل. أريدك أن تصف تجاعيد وجهه الغائرة كأنها شوارع مدينة منسية دمّرتها الحروب، وتصف رائحة الحقيبة التي تفوح برطوبة الذكريات المنسية وخيانة الزمن. أريدك أن تجعل القارئ يلهث شوقاً، ويسائل نفسه مع كل سطر: ما الذي يخبئه هذا العجوز داخل الحقيبة؟ وعندما نصل إلى الذروة، وتتجه يده المرتجفة لكسر القفل…”
توقفت الكتابة فجأة. اختفت الحروف المتدفقة، وعاد المؤشر الأبيض يرمش بانتظام رتيب، كأنه يسخر من فضوله: ( … )
كتب آدم بلهفة عارمة وصوت أصابعه يضرب الأزرار بعنف: “وماذا بعد؟ ما هي الذروة؟ وماذا يوجد داخل الحقيبة؟ تكلمي!”
لم يظهر أي رد.
انتظر دقيقة، دقيقتين، عشر دقائق. ضرب لوحة المفاتيح بيده، وصرخ في وجه الشاشة الصامتة: “تكلمي! أكملي!”.. لكن الصفحة ظلت صامتة صمت القبور، وعاد البياض يفرض سيطرته.
في تلك اللحظة من الصمت المطبق، انقشعت الغمامة عن عقل آدم، وأدرك اللعبة الفلسفية الملعونة التي ورطته فيها هذه القصة المتمردة. إنها لم تأتِ لتمنحه نصاً جاهزاً يسرقه بلا عناء، بل جاءت لتبث في روحه جمرة الإبداع؛ جاءت ليستفزها وتستفزه. الحقيبة المغلقة في المحطة لم تكن مجرد عنصر في الحبكة، بل كانت تمثل عقله المغلق وخوفه من المغامرة بالكلمات.
توقف آدم عن الانتظار العقين. مسح العرق الذي تصبب من جبينه رغم برودة الجو، واستنشق هواء الغرفة البارد، وولدت في أعماقه فجأة طاقة إبداعية متدفقة لم يشعر بها منذ سنوات. لم تعد الصفحة تخيفه، ولم يعد البياض يهدده بـ “الحبسة”، بل تحول إلى ساحة معركة هو سيدها.
وضع أصابعه بثبات على لوحة المفاتيح، وبدأ هو يكتب؛ بأسلوبه، بنبضه، وبطول نفسه الأدبي الذي يعشق التفاصيل:
“كانت المحطة مهجورة، وقضبان الحديد تصدر صريراً حزيناً كلما عبرها ريح الشمال العاتية، كأنها تبكي مسافرين غادروها ولم يعودوا. هناك، في زاوية معتمة على مقعد خشبي تآكلت أطرافه بفعل العثة والرطوبة، جلس العجوز يوسف محتضناً حقيبته الجلدية العتيقة بـكلتا يديه، كمن يحتضن بقايا عمره الهارب من بين أصابعه. لم تكن الحقيبة تحتوي على ذهب، ولا على رسائل غرامية قديمة، بل كانت تحتوي على رماد الرسائل التي لم يجرؤ يوماً على إرسالها، وعلى تذاكر لقطارات ومواعيد تخلف عنها خوفاً من المواجهة. كانت الحقيبة ثقيلة؛ لأنها محملة بخيبات السنين، وبأصوات الذين غابوا وظلت أصداؤهم تطرق جدران ذاكرته المصمتة. كان يوسف ينظر إلى الأفق، وكلما مر قطار مسرع دون أن يلتفت إليه، كان يبتسم ابتسامة منكسرة، يعلم في قرارة نفسه أن القطار الحقيقي الذي ينتظره ليس قطاراً من حديد، بل هو…”
تدفقت الكلمات من أصابع آدم كالسيال الجارف، كأن سداً في عقله قد انفجر. غاب عن الوجود المادي حوله؛ غرق تماماً في تفاصيل المحطة، وفي ملامح العجوز يوسف، وفي فلسفة الانتظار المُر، وفي رمزية القطارات التي لا تتوقف. كان يكتب وعيناه تلمعان ببريق الهوس الإبداعي؛ يشطب جملاً ليصيغ أجمل منها، يغوص في أعماق الحالة الإنسانية المعقدة، ويوازن بدقة المعلم بين الإيقاع السريع للمشاعر اللاهثة والإيقاع المتمهل للوصف البصري السينمائي، حتى تلاشت الحدود تماماً بين الكاتب والمكتوب. لم يعد يعرف في تلك اللحظات السحرية: هل هو من يكتب القصة ويوجه مصائرها، أم أن القصة هي التي تكتبه وتعيد صياغة كيانه الإنساني؟
عندما لاحت تباشير الفجر الأولى مخترقة عتمة السماء، وسكن المطر فجأة تاركاً الصمت يعم المكان، وضع آدم النقطة الأخيرة في أسفل الصفحة.
نظر إلى الشاشة بزهو الصياد الذي اقتنص لؤلؤة فريدة من قاع المحيط؛ كانت قصة كاملة الأركان، شاهقة البناء، تنبض بالعمق الفلسفي والجمال الأدبي المبتكر، من ذلك النوع الذي يبهر النقاد في لجان التحكيم ويهز وجدان الجمهور في آن واحد.
تنفس الصعداء في نشوة انتصار لم يذقها من قبل، ومال برأسه إلى الخلف على مقعده، مغلقاً عينيه المتعبتين لثوانٍ معدودات من الراحة المستحقة.
لكنه عندما فتح عينيه بعد لحظات ونظر إلى الشاشة ليقرأ نصره الأخير ويسعد بجنى أفكاره… تجمدت أنفاسه في صدره، وشعر بصدمة زلزلت كيانه!
لم تكن القصة هناك. اختفى العجوز، واختفت المحطة والحقيبة.
كانت الصفحة البيضاء فارغة تماماً وكأنها لم تُمَس، تماماً كما كانت في الثالثة فجراً قبل بدء هذا المخاض الطويل، ولم يتبقَّ في وسط ذلك الفراغ الشاسع سوى سطر واحد كُتب بخط مائل، أنيق، ويحمل نزعة تهكمية ساحرة:
“شكراً لك أيها المؤلف العظيم… لقد كنت رائعاً ومبدعاً فوق الوصف. لقد منحتني الملامح الحية، والروح النابضة، والحبكة المتماسكة التي كنت أحتاجها لأولد. والآن، أنا قصة مكتملة، قوية، وجذابة، وأستطيع الطيران بمفردي… ولم أعد بحاجة إليك أو لسجن صفحتك. أنا ذاهبة الآن لأبحث عن… قارئ!”
في تلك اللحظة الفارقة، لم يصرخ آدم، ولم يضرب لوحة المفاتيح بعبث، ولم يبكِ جهده الضائع ونصّه المفقود؛ بل على العكس تماماً.. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، عميقة، وماكرة، تحمل زهو الصانع الماهر الذي يعلم خبايا لعبته ويثق في أدواته.
نهض من مقعده بحركة واثقة، وتوجه نحو النافذة حيث كان فلق الصبح يشق عتمة الليل الشتوي بلون ذهبي دافئ. أسند جبهته إلى الزجاج الذي لم يعد بارداً، وهمس في نفسه بنبرة تملأها الحرية: “اذهبي كما تشائين أيتها المارقة وسافري في عقول البشر… فالكاتب الحقيقي لا يملك نصه بعد تمامه، والأمهات لا يسجنّ الأبناء في الرحم بعد الفطام. لقد أخذتِ مني ملامحكِ وصيغتكِ الفنية، لكنكِ تركتِ لي في المقابل مفاتيح سجني الذاتي.. لم تعد لديّ حبسة كاتب بعد الآن، ولقد استعدتُ روحي”.
أغلق نافذته، والتفت ينظر إلى بياض الشاشة المغري؛ لم يعد يراه فراغاً مهدداً بالعدم، بل أرضاً خصبة بكراً تنتظر محراثه وإبداعه. جلس من جديد، وبأصابع ثابتة لا تعرف الموات، تملأها ثقة الملهمين، ضغط على زر (صفحة جديدة)، وبدأ يخط عنواناً آخر لقصة أخرى… قصة لم تكن تبحث عن مؤلف، بل كان هو، بكل قوته الأدبية، من يبحث عنها وقادراً على ترويضها.
محمد تمام
![]()

