بين أشلاء الأوطان و”تريند” التافهين: هل فقدنا بوصلة الوجود؟

كتب.. محمد تمام

في الوقت الذي تئنُّ فيه غزة تحت وطأة إبادة جماعية لم يشهد التاريخ المعاصر لها مثيلاً، وتتمزق أحشاء السودان بصمتٍ مريب يبتلع آلاف الأرواح، ويغرق اليمن وليبيا والصومال في دوامات حروب منسية تُحرق الشجر والحجر، تنشغل شاشاتنا العربية ومنصاتنا الرقمية بـ “وليمة تفاهة” مقززة لا تنتهي. نحن اليوم لا نعيش مجرد فجوة إعلامية عابرة، بل نعيش حالة من “التخدير الجماعي” المُمنهج الذي تم تصميمه بدقة لتحويل قضايا الوجود والمصير إلى مجرد أخبار هامشية تمر أمام أعيننا كسراب، بينما تُرفع “خناقات” المشاهير وتفاصيل طلاقهم وعشقهم لمرتبة القضايا الوطنية الكبرى التي تستحق النقاش والتحليل لساعات طويلة.
إن ما يحدث على منصات التواصل الاجتماعي ليس عفوياً ولا وليد الصدفة، بل هو “اقتصاد الانتباه” في أقذر صوره، حيث تحولت عقولنا إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق الخوارزميات التي لا تبالي بمأساة طفل يرتجف برداً في فلسطين أو اليمن أو الخرطوم، ولا بنازح يبحث عن لقمة عيش في تعز،
بل تلهث خلف “الفضيحة” والخصوصيات المنهوبة لأنها الوحيدة القادرة على جلب المشاهدات وتحويلها إلى دولارات في جيوب صُنّاع التفاهة. والنتيجة الكارثية لهذا المسار هي صناعة “إنسان فارغ” وجيل مشوه الوعي، يعرف عن تفاصيل يوميات “البلوجرز” ورحلاتهم ومقتنياتهم أكثر مما يعرف عن جغرافيا الجرح في بلاده أو تاريخ الصمود في عروق أمته.
هذا “الغيّ الممنهج” لم يتوقف عند حدود الهواة، بل ابتلع الإعلام الرسمي الذي كان يُفترض به أن يكون كشافاً يسلط الضوء على الكوارث الإنسانية والسياسية، فإذا به يتحول إلى “حكواتي” رخيص يروي سخافات “تيك توك” ويعيد تدوير نفايات السوشيال ميديا. لقد أصبح من الطبيعي جداً أن نرى المذيعين والخبراء يستهلكون ساعات البث في مناقشة “إطلالة فنانة” في مهرجان باذخ، في ذات اللحظة التي تُقصف فيها المشافي وتُباد فيها عائلات كاملة تحت الأنقاض. هذا الضجيج المقصود يهدف في جوهره إلى إغراق العقل الجمعي في بحار من السطحية، لكي لا يجد الإنسان العربي وقتاً لطرح الأسئلة الوجودية الصعبة: لماذا نموت؟ وكيف تُسرق ثرواتنا؟ ومن هو المستفيد الحقيقي من صمتنا المطبق وتغيبنا عن الواقع؟
إننا نعيش اليوم “جائحة اللا مبالاة”، وهي الحالة الأكثر رعباً في تاريخ الأمم، حيث اعتدنا مشهد الدم حتى تبلدت المشاعر، وصار خبر سقوط مائة شهيد يمر علينا ببرود كأنه نتيجة مباراة كرة قدم أو نشرة لحالة الطقس، بينما “ستوري” لخطوبة مشهور أو خلاف زوجي لـ “مؤثر” يثير زلزالاً من الجدل والتحليلات لعدة أيام. لقد فُقدت “حرمة الدم” في زحمة “اللايكات”، وغرقت القضايا القومية في مستنقع “التريند” المبتذل، حتى انطبق علينا الوصف الأقسى بأننا أمة تضحك في جنازتها، وتنشغل بزينة التابوت والحرير الذي يغطيه بينما البيت كله يحترق بمن فيه.
إن المعركة اليوم ليست مجرد مواجهة بالرصاص في ميادين القتال، بل هي معركة “وعي” شرسة تُخاض خلف هذه الشاشات الصغيرة التي نسكن فيها. إذا لم نملك الشجاعة لإعادة ترتيب أولوياتنا فوراً، وإذا لم نوقف دعمنا ومتابعتنا لرموز التفاهة الذين يسرقون أعمارنا وعقولنا، فإننا نسير بخطى ثابتة نحو الهاوية. سنستيقظ يوماً لنجد أن الأوطان قد بيعت وضاعت في سوق المزايدات، ولن يتبقى لنا حينها سوى “فيديوهات قصيرة” توثق نهايتنا المخزية، لتكون شاهداً على أمة انشغلت بـ “رقصة” بينما كان عدوها يكتب فصلها الأخير.

Loading

Ahmed El sayed

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏