مداد فوق القيد​ملحمة قصصيةملحمة الشيخ عمر بن سعيد السنغالي

​تأليف: محمد تمام

​التاريخُ ليس دائماً ما يكتبه المنتصرون بحد السيف، فأحياناً يكتبه المغلوبون بحد القلم، وفي الخفاء. هذه ليست مجرد قصة رجلٍ ساقه القدر من ضفاف نهر السنغال إلى مزارع القطن في كارولينا؛ بل هي سيرةُ “الحرف” حين يصبح درعاً، و”الذاكرة” حين تصبح وطناً بدلاً من الأوطان التي ضاعت. هي قصة عمر بن سعيد، الشيخ الذي لم تفلح السلاسل في تقييد لغته، ولم ينجح المحيط في غسل هويته. بين دفتي هذه الملحمة، سنرحل مع رجلٍ عاش مفارقة كبرى؛ جسدٌ يملكه “سيدٌ” أبيض، وعقلٌ يملكه “ربٌ” عظيم. سنرى كيف استطاع عالمٌ مسلم، في ذروة سنوات العبودية المظلمة، أن يحوّل “الفحم” في زنزانته إلى “مدادٍ” يخط به آيات الصمود، وكيف نافح عن إيمانِه بلغةٍ كانت بالنسبة لآسريه طلاسم مبهمة، لكنها كانت بالنسبة له حبل الوريد الذي يربطه بالسماء. إنها حكاية الانتصار الصامت؛ حين يموت الإنسانُ عبداً في سجلات الأرض، ويُبعث حراً في ذاكرة الزمان، لأن الكلمات التي تُكتب بالصدق.. لا تذهب مع الريح، ولا تموت بموت صاحبها. هنا تبدأ رحلة “الشيخ المجهول” الذي أصبح اليوم “الشاهد الأكبر” على تاريخٍ حاول الكثيرون محوه.
​كانت الشمسُ في “فوتا تورو” لا تغربُ كما تغربُ في سائر الأرض، بل كانت تسيلُ ذهباً مذاباً فوق صفحة نهر السنغال، لتعلنَ بدءَ طقسٍ من طقوس النور لا يعرفه إلا السالكون. في تلك البقعة القابعة بين النهرين، حيثُ تتنفس الأرضُ برائحة المطر والوحي، كان عمر بن سعيد يجلسُ متوسداً وقاره، وقد نيفَ على السابعة والثلاثين من رحلته في طلب الحق. لم تكن حياته مجرد أيامٍ تُحصى، بل كانت أوراشاً من العلم، يبري فيها لسان ريشته كما يبري المجاهد نصل سيفه. خمس وعشرون سنةً قضاها مرتحلاً بين المتون والحواشي، يقتفي أثر خليل في فقهه، ويغوص في لجة التفسير، حتى أضحى جبينه مرآةً لصفاء العقيدة، ويداهُ لا تعرفان إلا ملمس الرقّ ورائحة المداد. كان يظنُّ أن العالم ينتهي حيثُ تنتهي حدودُ مملكته الإيمانية، وأن السكينة التي تظلل “الخلاوي” سياجٌ لا تخرقه عوادي الزمن. لكنَّ القدر كان ينسجُ في خفاء الغيب كفناً من حديد. في فجرٍ غادر، تمزق فيه حجابُ السكون بصيحاتٍ لم تكن من جنس البشر، انقضَّت الجيوشُ الغازية على “فوتا تورو”. لم يكن هجوماً للملك، بل كان زلزالاً للهوية. رآهم عمر وهم يكتسحون قدسية المكان بسنابك خيلهم، رأى المصاحف التي خطّها بدم العروق تُداسُ تحت أحذيةٍ غليظة لا تعرفُ الرفع ولا النصب. في تلك اللحظة، سقط القلمُ من يده كأنه طائرٌ ذبيح، واختلط حبرُ الدواة بدموع التلامذة المنكسرين. لم يكن الأسرُ مجرد قيدٍ للمعصم، بل كان اقتلاعاً للجذور. سُحب الشيخُ من محرابه، وُضع الطوقُ في عنقٍ ما انحنى يوماً إلا لربه، وسيق في “طريقِ الندم” الطويل نحو البحر العظيم. كان المشيُ نحو الساحل جنازةً للروح؛ فكل خطوةٍ يخطوها عمر بعيداً عن ضفاف النهر كانت انتزاعاً لقطعةٍ من قلبه، وكل رنةٍ للسلاسل كانت ترثي مجداً تهاوى تحت سياط النخاسين.
​وعندما انحسر الغبارُ، وقف عمر أمام “الوحش الخشبي”. كانت السفينةُ رابضةً على صدر المحيط ككابوسٍ أبدي، تفتحُ جوفها المظلم لتبتلع شموس إفريقيا. هناك، على شاطئ “سانت لويس”، جُرّد الشيخُ من ثوبه الأبيض، ومن عمامته التي كانت شارة علمه، ومن كل ما يربطه بإنسانيته. دُفع به إلى “القبو”، ذلك المسلخ البشري حيثُ تضيقُ الأرضُ حتى لا يجد الإنسانُ مكاناً لزفرته. رُبط جسدهُ إلى أجسادٍ غريبة، في مساحةٍ لا تزيد عن حجم القبر، حيثُ يمتزجُ عرقُ الخوف بصدأ الحديد ورائحة الموت القادم. في ذلك الظلام الدامس، حيثُ يفقدُ الزمن معناه وتصبحُ الأيامُ كتلةً واحدة من الألم، انفتحت في صدر عمر “خلوةٌ” أخرى. حين عجز جسده عن السجود، سجد قلبه، وحين جفّ ريقه عن الكلام، استحضرت ذاكرته الآيات. كان “الرجل المسيحي” كما وصفه في مذكراته، يظنُّ أنه اشترى جسداً للخدمة، ولم يدرك أنه ابتاع جبلاً من الصبر. في جوف السفينة، وبينما كانت الأمواج تلطمُ الخشب بضراوة، كان عمر يمارسُ طقس البقاء. لم يكن يرى الجدران الرطبة، بل كان يستحضرُ سورة “الملك” آيةً آية، يرتلها في سره فتضيء له عتمة القاع. كان المحيطُ الأطلسي يفصل بينه وبين أرضه، لكن الحروف العربية التي حفظها في صدره كانت الجسر الذي لا يمكن هدمه. غادر عمر القارة السمراء، تاركاً خلفه بيتاً وعِلماً ونسباً، ليواجه شهراً ونصفاً من “الجحيم المالح”، حيثُ مات الكثيرون وبقي هو.. ليس لقوةٍ في جسده الهزيل، بل لأن القلم الذي في روحه لم يفرغ مداده بعد. كانت السفينة تمخرُ عباب الماء نحو “تشارلستون”، تحملُ معها “الشيخ العبد”، الرجل الذي سيثبتُ للتاريخ أن القيد قد يدمي المعصم، لكنه أبداً لا يستطيع أن يسجن الفكر الذي توضأ بنور اليقين.
​رسَت السفينةُ في مرافئ “تشارلستون” كأنها قدرٌ محتوم ينفثُ سمومه في رئة الأفق، وهبط عمر بن سعيد إلى أرضٍ لا تشبهُ أحلامه، تسبقه السلاسلُ التي باتت لغته الثانية بعد الصمت. كانت المدينةُ تعجُّ بضجيجٍ غريب، صخبٌ لغويٌّ لا يستقيمُ فيه حرف، ووجوهٌ لفحتها القسوةُ قبل أن تلوّحها الشمس. وقف الشيخُ على منصة العرض، تحت شمسٍ أمريكية حارقة لا تعرفُ رفقاً بكبر السن ولا إجلالاً لعمامةٍ سقطت في وحل الأسر. كانت الأصابعُ الغليظة تتحسسُ مفاصلَه، وتفحصُ بريقَ عينيه كأنه متاعٌ نُفِضَ عنه الغبار. بيعَ عمر برقمٍ بخس، واقتيد إلى مزارع القطن حيثُ يتحولُ الإنسانُ إلى آلةٍ تحرثُ الأرضَ بدموعها. هناك، في كارولينا الجنوبية، ذاق مرارةَ “السيد القاسي”، الرجل الذي لم يَرَ في جبهة عمر سوى موضعٍ لصبّ العرق، ولم يدرك أن تلك الجبهة لم تسجد يوماً إلا لعظيم. كانت سياطُ العمل تنهشُ ظهره، لكن السوطَ الذي كان يمزقُ روحه حقاً هو الحرمانُ من “طهره”؛ فقد كان الماءُ عزيزاً، والصلاةُ تهمة، والكتابةُ جريمةً تُعادلُ الخيانة العظمى. ضاقت الأرضُ بما رحبت على الشيخ، فقرر أن يخوضَ غمارَ الهروب، ليس طلباً لنجاةِ الجسد فحسب، بل بحثاً عن محرابٍ يلمّ فيه شتات روحه. تسلل بين الغابات الكثيفة، يقتفي أثر النجوم التي طالما أرشدت القوافل في “فوتا تورو”. كان يركضُ بقلبٍ مثقلٍ بالآيات، يقتاتُ على أوراق الشجر وصبر الأنبياء، حتى وصل إلى “فايتفيل” في كارولينا الشمالية. كان الجوعُ قد نال من قواه، فدخل إلى كنيسةٍ صغيرة كانت تلوحُ في الأفق كملجأٍ للغرباء. لم يكن دخوله ردةً عن يقينه، بل كان بحثاً عن سكونٍ يشبهُ سكون المساجد التي هُدمت خلفه. هناك، أُلقي القبضُ عليه مرة أخرى، وأُودع في سجن المدينة الصغير. في تلك الزنزانة الضيقة، وُلدت المعجزة التي غيرت مسار التاريخ؛ فقد وجد عمر في زوايا السجن قطعاً من “الفحم” المتساقط من المدافئ، فقبض عليها كأنها كنزٌ ثمين، وبدلاً من أن يندب حظه، مدّ يده إلى الجدران البيضاء الباردة وبدأ يكتب.

​لم تكن كتابةً عادية، بل كانت انفجاراً للذاكرة المكبوتة. تحولت أصابعُ الشيخ إلى ريشةٍ ربانية، وقطعةُ الفحم إلى مدادٍ من نور. ملأ الجدرانَ بحروفٍ عربية منسابة كجداول النيل، خطَّ فيها أسماءه، ونسبه، واستغاثاته، وآياتٍ من الذكر الحكيم تحكي أنَّ الملكَ لله الواحد القهار. في الصباح، حين فتح السجانُ الباب، تراجعَ بذهولٍ أمام المشهد؛ لم تكن الجدرانُ مجرد حجارة، بل أصبحت “كتاباً مفتوحاً” ينطقُ بلغةٍ مجهولة تتسمُ بجلالٍ مهيب. تجمهر أهل المدينة أمام القضبان، ينظرون إلى “العبد الأسير” الذي يكتبُ لغةَ الملوك، وبدأ الهمسُ يسري كالنار في الهشيم: “هذا ليس عبداً عادياً، هذا أميرٌ تاه عن عرشه”. في تلك اللحظة، سقطت خرافةُ التفوق العرقي تحت أقدام الحرف العربي؛ فقد أثبت عمر أنَّ الروح التي سكنها العلمُ لا يمكن استعبادها، وأن القلمَ، حتى وإن كان من فحم، أقوى من السيف وإن كان من حديد. وصل النبأُ إلى “جيمس أوين”، الرجل الذي سيصبحُ فصلاً جديداً في ملحمة عمر. جاء أوين ليرى المعجزة، فوجد شيخاً وقوراً، يجلس وسط نقوشه الفحمية كأنه في محرابه القديم. اشتراه أوين وانتقل به إلى “مقاطعة بلادن”، لتبدأ مرحلةٌ أخرى من صراع الهوية؛ حيثُ توفرت له المحابرُ والورق، لكنها كانت محابرَ محفوفةً بضغوط “التنصير” ومحاولات الطمس. كان عمر يقبلُ الورقَ بامتنان، ويبدأ في تدوين سيرته التي ستظلُّ صرخةً في وجه الزمن. كان يكتبُ بالإنجليزية ما يرضي أسياده، لكنه كان يدسُّ بين الأسطر بالعربية أسرارَ قلبه النابض بالتوحيد. لقد أدرك عمر أنَّ مداد الفحم الذي لوّث جدران السجن كان هو الصدق المحض، وأن الكلمات التي تُكتب في الغربة هي الرسائل الوحيدة التي ستصلُ إلى ضفاف السنغال، ولو بعد قرنٍ من الزمان.
​استقرّ المقامُ بعمر بن سعيد في كنفِ “آل أوين” بمقاطعة “بلادن”، حيثُ تبدلت قسوةُ السوطِ بنوعٍ آخر من القيد؛ قيدُ الامتنان والرقابة الناعمة. لم يكن عمر في نظرهم مجرد “يدٍ عاملة”، بل صار “أيقونةً” يُتباهى بها في المحافل، “الزنجي العالِم” الذي يقرأ لغة الغيب. في ركنه الهادئ، وفّر له “جيمس أوين” الورقَ الفاخر والمحابرَ المصقولة، ووضع بين يديه نسخةً من الإنجيل مترجمةً إلى العربية، طمعاً في أن يَصيدَ روحَ الشيخ بصنّارة لغته الأم. كان عمر يتأملُ الورقَ الأبيضَ الممتدَّ أمامه كأنه كفنٌ لذكرى قديمة، ويتحسسُ ريشةَ الكتابةِ بغصةٍ في حلقه؛ فقد كانت هذه الأدواتُ في “فوتا تورو” تُستخدمُ لتمجيد المطلق، أما هنا، فهي أدواتٌ لتشريحِ ذاكرته وتقديمها قرباناً لفضولِ سادته. في عام 1831، وتحت إلحاحِ “أوين”، غمسَ عمر ريشته في الدواة، لتبدأ ولادةُ أعظمِ وثيقةٍ في تاريخ الشتات الإفريقي. لم يبدأ بسردِ مأساته، ولم يستهلَّ بذكرِ قيوده، بل استجمعَ وقارَ “الشناقطة” وشموخَ علماء “تمبكتو”، وخطَّ بيده التي لم تخنها لغتها يوماً: “بسم الله الرحمن الرحيم.. تبارك الذي بيده الملك”. كانت تلك الاستهلالةُ بمثابةِ “إعلانِ استقلالٍ” روحيّ؛ فبينما كان جسدُه يُصنّفُ “مِلكاً” لآل أوين في سجلات الضرائب، كان قلمُه يصرخُ بأنَّ “الملك الحقيقي” لا يُباعُ ولا يُشترى. كتب سيرته بلغةٍ عربيةٍ رصينة، شابها بعضُ الوهنِ نتيجة عقودٍ من الانقطاع عن لسان العرب، لكنَّ وهنَ اللغةِ زادها جلالاً، كأنها “أطلالٌ” شامخة تحكي قصةَ القصر الذي كان.
​عاش عمر في ذلك القصر “برزخاً” بين عالمين؛ عالمٌ يرتدي فيه بزةَ “العبد المهذب” الذي يرافقُ أسيادَه إلى الكنيسةِ كلَّ أحد، ويفتحُ كتابهم المقدس بوقارٍ مُصطنع، وعالمٌ آخر يختلي فيه بنفسه حين يجنُّ الليل، فيتحولُ غطاؤه إلى سجادةِ صلاة، ولسانه إلى مئذنةٍ تهمسُ بـ “الفاتحة” في وجهِ سكون كارولينا الشمالية. كان يمارسُ “التقيةَ” بأبهى صورها الفنية؛ فكان يكتبُ لهم في دفاترهم ما يظنونه ترانيمَ مسيحية، بينما كانت في حقيقتها آياتٍ قرآنيةٍ منتقاة بعناية، تدعو للتوحيد وتذمُّ الطغيان. كانت ريشتُه تراقصُ الورقَ في مناورةٍ لغوية مذهلة؛ يخفي الإيمانَ في ثنايا البيان، ويجعلُ من الحرف العربي شفرةً لا يفكُّ رموزها إلا من سجدت جبهتُه لربِّ الحرمين. لم تكن كتابات عمر في تلك المرحلة مجرد “مذكرات”، بل كانت “فعلَ مقاومةٍ” عابراً للمحيطات. كان يكتبُ عن رحلة السبعة وثلاثين يوماً في “البحر العظيم”، وعن “الرجل القاسي” الذي اشتراه في تشارلستون، وعن “آل أوين” الذين وصفهم بالصلاح، لكنَّ القارئَ الفطنَ يلمحُ بين سطوره أنَّ “الصلاحَ” لا يستقيمُ مع امتلاكِ النفوس. كان يضعُ “تاريخَ الإسلام” في غرب إفريقيا في مواجهة “حداثةِ العبودية” في أمريكا، ليثبتَ لنفسه أولاً وللعالم ثانياً، أنَّ النور الذي شربه من ضفاف السنغال لم تستطع غيومُ الأطلسي أن تطفئه. استمرَّ عمر في هذه اللعبةِ الوجودية، يغزلُ من خيوط الحبرِ كفناً لليأس، ويحفرُ في ذاكرة الورقِ طريقاً للعودة، حتى وإن كانت تلك العودةُ بالروحِ لا بالجسد. لقد أدرك الشيخُ العجوزُ أنَّ مأساته لن تنتهي بالحرية الجسدية، فآثر أن يتركَ للعالم “نصاً” يكون هو سيده المطلق، نصاً يظلُّ لغزاً يحيّرُ العقول، وشهادةً على أنَّ “المداد” هو المعدنُ الوحيدُ الذي لا يصدأُ بمرورِ القرون، ولا يذوبُ في أحماضِ الاستعباد.
​تآكلت السنونُ من جسدِ عمر بن سعيد كما تتآكلُ ضفافُ النهرِ بفعلِ المدِّ العاتي، حتى صار في تسعينياتِه خيطاً من نورٍ يوشكُ أن يذوبَ في غسقِ الأبدية. في مقاطعة “بلادن”، وحيثُ كانت ريحُ كارولينا الشمالية تهبُّ مثقلةً برائحةِ التبغِ وصراخِ المدافعِ في الحربِ الأهلية، كان الشيخُ يقفُ على شرفةِ عمرِه المطلةِ على المجهول. لم يعد يرى بعينيه المتعبتينِ ملامحَ الوجوهِ الغريبةِ التي تطوفُ حوله، بل استبدلَ بها بصيرةً تخترقُ الحُجب؛ فكان يرى “فوتا تورو” تتجلى في الغيم، ويسمعُ صليلَ الماءِ في السنغال يطغى على ضجيجِ العالم. كان جالسًا في صمتِه المَهيب، يحملُ في صدرِه قرناً من الزمان، ونصفَ قرنٍ من الغربة، وكتاباً لم يكتملْ بعدُ مدادُه في ديوانِ الخلود. في تلك الأيامِ الأخيرة، صارت يدُه التي خطّتْ “سورة الملك” على جدرانِ الزنازينِ قديماً، ترتجفُ كغصنٍ جفَّ ماؤه، لكنَّ عقلَه ظلَّ قلعةً حصينةً لم يقتحمْها نسيان. كان يشعرُ بدنوِّ الأجل، فكانت وقفاتُه مع الورقِ وقفاتِ وداعٍ وحساب. غمسَ ريشته للمرةِ الأخيرة، لا ليكتبَ فخراً ولا استعطافاً، بل ليتركَ وصيةً مشفرةً للأجيالِ التي لم تولدْ بعد. كتبَ بكلماتٍ أوهنَها التعبُ وأقواها اليقين: “يا إخواني، أسألكم باللهِ ألا تلوموني..”. كان اعتذاراً نبيلًا عن لغةٍ تكسرتْ في فمه تحت وطأةِ العجمة، وعن جسدٍ خانه قبل أن يبلغَ مآربَ الروح. كانت تلك الكلماتُ هي الزفرةُ الأخيرة لمسافرٍ أدركَ أنَّ الرحلةَ الطويلةَ قد آنَ لها أن ترسو، لا في تشارلستون، بل في رحابِ “مَليكٍ مقتدر”.
​وفي ليلةٍ سكنتْ فيها أنفاسُ الأرض، عام 1864، وبينما كان العالمُ من حوله يتصارعُ على مَن يملكُ الأرضَ ومَن يملكُ العبيد، انعتقتْ روحُ عمر من قيدِها الطينيِّ لتطيرَ نحوَ الشرق. مات الشيخُ العجوزُ في صمتٍ يشبهُ صمتَ الحبرِ قبل أن يلامسَ الورق. دُفن في ترابٍ لا يعرفُ اسمَه الحقيقي، وتحت سماءٍ لم تكن تسمعُ دعاءَه إلا في الخفاء. ظنَّ آلُ “أوين” وجيرانُهم أنهم وارَوْا في الترابِ مجردَ “عبدٍ مخلصٍ” وعجيبةً من عجائبِ القارةِ المنسية، وظنَّ التاريخُ لبرهةٍ أنَّ حكايةَ عمر قد أُغلقتْ بآخرِ مسمارٍ في نعشه. غابتْ أوراقُه، وتفرقتْ مذكراتُه بين الأدراجِ المنسيةِ والرفوفِ المتربة، وغطى غبارُ الزمنِ ذلك الحرفَ العربيَّ الصامدَ الذي تحدى به أمةً بأكملها. لكنَّ “المداد” لا يموتُ بموتِ صاحبه، بل يتربصُ بالزمنِ حتى تحينَ لحظةُ القيامة. وبعدَ أكثرَ من مئةٍ وثلاثين عاماً من الصمتِ القبري، خرجتْ مخطوطاتُ عمر من “شاحنةٍ مهملة” لتزلزلَ أركانَ الروايةِ الرسمية. انبعثتْ كلماتُه من مرقدِها، لتقولَ للعالمِ إنَّ الرجلَ الذي عاشَ بينهم عبداً ستة عقود، لم يكن يوماً واحداً عبداً لمِلتهم ولا لثقافتهم. كانت سورةُ “الملك” التي تصدّرتْ مذكراتِه هي “صيحةَ الحق” التي اخترقتْ جدارَ الزمن؛ لتثبتَ أنَّ عمر بن سعيد لم يكن مجردَ ضحيةٍ للتاريخ، بل كان شاهداً عليه، ومؤرخاً لآلامِه بلسانِ الوحي. اليوم، حين تقفُ تلك المخطوطاتُ في واجهاتِ أعظمِ المكتباتِ العالمية، لا تُرى فيها مجردُ نصوصٍ قديمة، بل يُرى فيها “عمر”؛ ببردته البيضاء، ووقارِه الإفريقي، وقلمِه الذي هزَّ عروشَ النسيان. لقد عاد الشيخُ إلى “فوتا تورو” عبرَ الكلمات، وبقيَ في أمريكا عبرَ الأثر، ليصبحَ مزاراً لكلِّ من يبحثُ عن كرامةِ الإنسانِ الضائعة. رحل عمر بن سعيد، وبقيَ “مدادُه” شاهداً على أنَّ الحديدَ قد يغُلُّ اليد، لكنَّ الروحَ التي تذوقتْ طعمَ الحرفِ تظلُّ حرةً، تحلقُ فوقَ القاراتِ والقرون، حاملةً رسالةً واحدةً لا تموت: إنَّ الكلمةَ الصادقةَ هي الحريةُ المطلقة، وإنَّ المدادَ الحقَّ هو الذي يكتبُه الإنسانُ بدمِ قلبِه، ثم يتركه للتاريخ.. ليقولَ ما لم يستطعْ اللسانُ قولَه في زمنِ القيد.
​لم يكن رحيلُ عُمر بن سعيد مجردَ توقُّفِ نبضٍ، بل كان “انفجاراً للصمت”. فالموتُ الذي ظنَّه النخاسون نهايةً للحكاية، لم يكن سوى “اللمسةِ الأخيرة” التي جفَّفت المدادَ ليصبحَ عصياً على المحو. لقد غابَ الجسدُ الهزيلُ الذي أرهقته حقولُ القطن، لكنَّ الرجلَ الذي كان يسكنُ ذلك الجسدَ غادرَ زنزانته الضيقة ليحتلَّ حيزاً في ذاكرة الكون لا يطالهُ نسيان. إنَّ مأساةَ عُمر لم تكن في القيدِ الذي كبّلَ مِعصميه، بل كانت في “الغربةِ المزدوجة”؛ غربةِ الوطنِ الذي سُلبَ منه، وغربةِ الحرفِ الذي لم يجدْ من يفهمُه من حوله. ومع ذلك، فقد حوّلَ هذا الغريبُ صمتَه إلى “لغةٍ عالمية”، وجعلَ من أوراقه المبعثرة “جوازَ سفرٍ” عابراً للأزمنة. واليوم، حين يرتدُّ إلينا صوتُه من خلفِ القرنين، لا نسمعُ أنينَ عبدٍ منكسر، بل نسمعُ ترتيلَ عالمٍ منتصر. لقد انتصرَ عُمر حين رفضَ أن يذوبَ في “إناءِ الآخر”، وانتصرَ حين جعلَ من دينه ولسانِه حصناً لا يُقتحم، فماتَ وهو يحملُ مفاتيحَ هويتِه كاملةً، لم ينقصْ منها حرفٌ واحد. إنَّ القيمةَ الكبرى لهذه الملحمة ليست في كونها تأريخاً للظلم، بل في كونها “مانيفستو” للروح البشرية في أقصى تجلياتها. هي تذكيرٌ أبديٌّ بأنَّ القوةَ الحقيقية ليست لمن يملكُ السوط، بل لمن يملكُ “الكلمة”؛ فالسياطُ تتكسر، والسادةُ يرحلون، والممالكُ تتهاوى، لكنَّ الحرفَ الذي يُكتبُ باليقين يظلُّ واقفاً كالمآذنِ لا تنحني للريح. عُمر بن سعيد لم يتركْ خلفه قصوراً ولا جيوشاً، لكنه تركَ “أثراً من مِداد” هزَّ ضميرَ الإنسانية، وأثبتَ أنَّ العبدَ الحقيقي هو مَن استُعبدَ عقلُه ولسانُه، أما مَن ظلَّ يرتلُ سورةَ “المُلك” في أعماقِ السجن، فهو المَلِكُ الحقيقيُّ وإنْ قُيّدَ بالحديد. فسلامٌ على عُمر في الأولين، حين كان شيخاً يملأُ السنغالَ علماً. وسلامٌ عليه في الغابرين، حين كان صابراً يملأُ الغربةَ صموداً. وسلامٌ عليه في الخالدين، صرخةً عربيةً في وجهِ المحيط، ومنارةً إفريقيةً لا تنطفئ، وقصةً ستبقى محفورةً في قلبِ التاريخ.. لتُخبرَ كلَّ مَن يقرأها: “أنَّ الحبرَ أطولُ عمراً من الجلاد، وأنَّ الحريةَ تبدأُ من فكرةٍ لا تقبلُ الأسر، وتنتهي بكلمةٍ لا تعرفُ الموت.”

Loading

Ahmed El sayed

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏