ظل الملك … وشعلة الحقيقهملحمة قصصية تاريخية

بقم : Ahmed El sayed

تأليف محمد تمام

“هذه الملحمة القصصية مستوحاة من كواليس عصر ‘ملك الشمس’ لويس الرابع عشر؛ حيث كانت العظمة تُبنى فوق تلالٍ من الأسرار، والظلال التي تسكن ممرات ‘فرساي’ كانت أصدق أنباءً من الوجوه المذهبة. هي رحلة خلف الستائر المخملية لنكتشف كيف يمكن لخيط شمعةٍ واحد أن يربط مصير إمبراطورية، وكيف يمكن لخادمٍ منسي أن يعيد رسم التاريخ بمقصٍ من فضة.”

“خادمٌ مجهول يمتلك مقصاً، يقرر أن يطفئ شمس مَلِكٍ ظن أن التاريخ ملكُ يده.”

كان ليلُ “فرساي” لا يشبه ليل البشر؛ فهو ليلٌ مذهب، ثقيل، تفوح منه رائحة الشمع المحترق وخيانات الحرير. في الردهات التي لا تنام، حيث الجدران مرصعة بمرايا تعكس وجوهاً فقدت ملامحها خلف مساحيق التجميل، كان “جوليان” يتحرك كأنه جزء من الظلال.
لم يكن مجرد خادم، بل كان “مقصّ الفتائل الملكي”. وظيفته لم تكن إضاءة القصر، بل كانت “هندسة العتمة”. كان يحمل في يده مقصاً فضياً طويلاً، نحيفاً كخنجر غدر، وفي جيبه فتائل قطنية مُغموسة في أسرار لا يجرؤ أحد على الهمس بها. كان يمر على الشموع الضخمة، يقص الرؤوس المحترقة بدقة جراح، لكي لا يتجاسر دخانٌ أسود على خدش رئة “ملك الشمس”، أو تعكير صفو نوم “الدولة” المتجسدة في جسد لويس الرابع عشر.
في تلك الليلة، كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجراً، وهو الوقت الذي تسقط فيه الأقنعة عن الوجوه المتعبة. في الممر المؤدي إلى “المخدع المقدس”، توقف جوليان فجأة. شعر برعشة في فتيل الشمعة التي بين يديه، لم تكن رعشة ريح، بل كانت اضطراباً في أنفاس شخص يقف خلف الستارة المخملية الكبيرة.
انزلق جوليان خلف عمود رخامي، وكتم أنفاسه. كانت الأصوات القادمة همساً مسموماً. لم يخطئ أذنيه وقع الأقدام الخشبية: إنه “الكعب العالي الأحمر”، العلامة التي لا يرتديها إلا من نال رضا الملك المطلق.
“غداً.. عند طقس الاستيقاظ العلني،” جاء صوت الدوق “دي مورني” حاداً كشفرة الحلاقة، “حين يبلغ الخضوع ذروته، وينحني الخادم ليلبس جلالته جوربه الأيمن، سأدس الرسالة في جيب المعطف المذهب. سيعتقد لويس أن القائد العام للجيش هو من ينسج خيوط المؤامرة مع الإنجليز. غداً يا سيدتي.. سيسقط رأسٌ كبير ليظل رأسي معلقاً فوق كتفي.”
تحركت يد جوليان بغير قصد، فاصطدم مقصه الفضي بحافة المزهرية الرخامية.
“رنين!”.. صوتٌ صغير، لكنه في صمت فرساي كان يدوي كصاعقة.
توقف الهمس. استل الدوق خنجره المرصع بالياقوت، وسحب الستارة بعنف. وجد أمامه فتىً منحني الظهر، يرتدي سترة الخدم الزيتية، وعيناه غارقتان في بلاهة مصطنعة.
“من أنت يا حشرة؟” زأر الدوق والشرر يتطاير من عينيه.
رفع جوليان رأسه ببطء، وفي عينيه لمعة لم يلحظها الدوق في غضبه. تظاهر بالارتعاش وهو يرفع شمعته المشتعلة، ليقرب نورها من وجه الدوق الشاحب. قال بصوتٍ خافت، لكنه يحمل رنيناً غامضاً:
“أنا مقص الفتائل يا مولاي.. كنت أطارد دخاناً أسود أراد التسسل لمخدع الملك. الشموع هنا يا صاحب السعادة لها طباعٌ غريبة؛ فهي تحترق لتكشف ما في الظلام، لكنها تنطفئ بسرعة إذا زاد الريح.. هل أضيء لك طريق العودة إلى غرفتك.. أم تختار أن تمضي في عتمتك وحدك؟”
تسمر الدوق في مكانه. الكلمات لم تكن كلمات خادم، بل كانت تهديداً مغلفاً بالخضوع. نظر إلى جوليان، محاولاً سبر أغوار هذا الفتى الذي يقف بينه وبين المشنقة. وفي لحظة صمتٍ ثقيلة، أدرك الدوق أن هذا الخادم “الصغير” قد أصبح الآن شريكاً في جريمة لم تكتمل بعد.
أرخى الدوق قبضته عن الخنجر، ودسّ قطعة ذهبية في جيب جوليان، وهمس بلهجة آمرة: “احرص على أن تظل شموعك صامتة غداً.. وإلا قصصت لسانك بمقصك هذا.”
ابتسم جوليان ابتسامة غابت خلف ظلال الممر، وانحنى بجسده حتى كاد يلامس الرخام البارد. لم يكن ينحني للدوق، بل كان ينحني لـ “اللحظة” التي انتظرها طويلاً.
بينما كان يبتعد، لمس جوليان بيده الأخرى، تحت سترة الخدم، ندبة قديمة على صدره.. ندبة خلفتها نيران حرق قصر عائلته “دي روشيفورت” قبل سنوات. همس لنفسه وهو يطفئ شمعة الممر بأنفاس باردة:
“غداً يا لويس.. سأعلمك أن الفتيل الذي أهملت قصه.. هو الذي سيحرق عرشك.”
انبلج فجر “فرساي” بارداً، كأنه يخشى الدخول إلى القصر. في تمام الثامنة، قرعت الأجراس معلنةً بدء طقس “الاستيقاظ الملكي” (Le Lever). خلف الأبواب الضخمة، كان مئات النبلاء يصطفون في تراتب هرمي مقيت؛ يتوسلون بنظراتهم أن يكونوا من “المحظوظين” الذين سيعبرون العتبة لمشاهدة الملك وهو يفتح عينيه.
في الزاوية البعيدة، كان جوليان يقف كشبحٍ محايد. لم يكن بين النبلاء الذين يتلألأون بالألماس، بل كان جزءاً من أثاث الغرفة. كان يراقب الدوق “دي مورني”، الذي بدا كطاووسٍ جريح؛ وجهه مطلي بمساحيق بيضاء تخفي شحوب ليلته الماضية، ويداه تختبئان داخل أكمام من الدانتيل الفاخر، حيث تقبع “الرسالة المسمومة”.
فُتحت الأبواب. تحركت الحاشية كقطيعٍ مدرب. كان الملك لويس الرابع عشر يربض فوق سريره العالي، محاطاً بستائر من المخمل الأرجواني. بدا في تلك اللحظة وكأنه إلهٌ من شمع، لا يتحرك إلا بآلية مذهلة.
بدأت المراسم. “الإسكافي الملكي” يتقدم بخطوات موزونة، ينحني ليلبس الملك جواربه الحمراء. “الحلاق” يجهز الباروكة الضخمة. الكل يتسابق لنيل شرف ملامسة “الجسد المقدس”.
تقدم الدوق “دي مورني” في دوره المحدد. كانت عيناه تلتقيان بعيني جوليان في زوايا الغرفة، وفي كل مرة، كان جوليان يرفع مقصه الفضي ويقص فتيل شمعةٍ قريبة، في إشارة صامتة لا يفهمها سواه.
حين حانت اللحظة، وانحنى الدوق ليتظاهر بتعديل معطف الملك المعلق، انزلقت يده نحو الجيب بخفة لصٍ محترف. ولكن، قبل أن تلمس يده القماش، دوى صوت الملك رخيماً، حاداً، وبارداً كالشتاء:
“توقف يا دي مورني.. يبدو أن يدك ترتجف اليوم، هل أثقلتها هموم الزراعة في الجنوب، أم أثقلها شيءٌ آخر تخبئه في كُمّك؟”
تجمدت الدوق في وضعيته المنكسرة. ساد صمتٌ في القاعة لدرجة أن صوت احتراق الشموع صار مسموعاً. التفت الملك ببطء، ولم ينظر للدوق، بل أشار بيده نحو الزاوية:
“أنت.. يا فتى الشموع.. اقترب.”
تحرك جوليان بخطىً لا صوت لها. انحنى أمام السرير الملكي. وضع الملك يده الثقيلة، المرصعة بالخواتم، على كتف جوليان، وضغط بقوة كأنه يغرس مخالبه في فريسة.
“أخبرني يا جوليان،” قال لويس الرابع عشر وهو يحدق في الحاضرين بنظرة صقر، “لقد أخبرتني بالأمس أن الشموع ترى كل شيء قبل أن تنطفئ. أريدك أن تضيء لنا هذا الصباح.. ماذا رأيت في الممرات المظلمة حين كان الجميع نياماً؟”
شحب وجه الدوق حتى صار بلون جدران الرخام. سقطت الرسالة من كُمّه فوق السجادة، فانقض عليها “الإسكافي الملكي” ليلتقطها، لكن نظرة من جوليان جعلت الإسكافي يتراجع.
رفع جوليان رأسه، ولم تعد عيناه تحملان تلك البلاهة المصطنعة. كانت عيناه تشتعلان بذكاءٍ حاد وهو ينظر للرسالة الملقاة على الأرض، ثم قال بنبرة واثقة، وجهها للملك لكنه أصاب بها قلوب المتآمرين:
“رأيتُ خفافيشاً يا مولاي، تظن أن الظلام سيحميها للأبد. ورأيتُ أيادٍ تمتد إلى جيوب العظمة لتدس فيها زيفاً. لكن الشمعة التي أحملها، علمتني أن الفتيل الذي يخرج منه الدخان الأسود يجب أن يُقص فوراً.. لكي لا يختنق صاحب البيت.”
مد الملك يده والتقط الرسالة بنفسه. فتحها ببرود، وقرأها. كانت عيناه تتنقلان بين السطور، بينما كان الدوق والإسكافي يتبادلان نظرات مذعورة.
ضحك الملك ضحكة قصيرة، ثم نظر إلى جوليان وقال: “أنت تمتلك عيناً ثاقبة يا فتى.. ولساناً يقطر حكمةً مراً. منذ هذه اللحظة، لن تقص الفتائل في الممرات العامة. ستكون ‘ظلي’ الذي يتبعني في الغرف الجانبية. أريدك أن تقص كل فتيلٍ يحاول إخراج دخانٍ أسود في وجهي.”
التفت الملك للدوق، الذي كان يرتجف: “أما أنت يا دي مورني.. فابقَ قريباً. أريدك أن تشهد كيف نكافئ الولاء.. وكيف نقهر الخيانة.”
خرج الجميع، وبقي جوليان في الغرفة مع الملك. أُغلق الباب الضخم، فتبددت مظاهر العظمة عن وجه لويس الرابع عشر، وظهر وجه رجلٍ أهلكه الشك. اقترب من جوليان وهمس في أذنه:
“أعلمُ أنك كاذب يا جوليان.. وأعلمُ أنك لست مجرد خادم. لكن في قصرٍ يسكنه الثعالب، أحتاجُ لغرابٍ مثلك يخبرني بموعد الجثث. الآن.. خذ هذا المفتاح، واذهب إلى مخدع الكونتيسة ‘دي لافاليير’. هناك رائحة ‘لوزٍ مر’ بدأت تفوح من نبيذي.. أريدك أن تعرف من الذي وضع الثمرة في الكأس.”
انحنى جوليان، وفي داخله، كانت النيران تشتعل. لقد دخل الآن إلى قلب “الفرن”، وأصبح أقرب من أي وقتٍ مضى من رقبة الرجل الذي دمر عائلته.
تسلل جوليان عبر الممرات الجانبية، تلك الشرايين الضيقة التي تجري في جدران القصر بعيداً عن أعين الرخام. كان يحمل في يده صينية فضية عليها شموعٌ جديدة، لكنه كان يحمل في صدره قلباً يقرع كطبلِ حرب.
وصل إلى جناح الكونتيسة “دي لافاليير”. كانت الغرفة تفوح برائحة البخور الشرقي الثقيل، رائحة صُممت خصيصاً لتغطية روائح أخرى أكثر حامضية. خلف ستارة من الدانتيل، رأى جوليان ما لم يكن يتوقعه؛ لم يكن الدوق “دي مورني” هناك، بل كان “الإسكافي الملكي” يرتجف أمام امرأة تجلس على مقعد مذهب، وجهها مغطى ببرقع من الشاش الأسود كأنها أرملة الحقيقة.
“لقد فشل الدوق،” قالت الكونتيسة بصوتٍ هادئ كجريان السم في العروق. “الفتى صاحب المقص ليس مجرد خادم، إنه عينٌ نبتت للملك في الظلام. إذا لم يُشرب النبيذ الليلة، فسيكون رأسك أنت يا ‘سيد الجوارب’ هو الثمن.”
سقط الإسكافي على ركبتيه: “سيدتي.. النبيذ جاهز، مسحوق ‘اللوز المر’ وُضع بدقة. لكن الفتى يراقب الزجاجات كأنه يحرس روحه!”
في تلك اللحظة، تعمد جوليان أن يخرج صوتاً بمقصه. تراجع الإسكافي بذعر، ورفعت الكونتيسة رأسها. خرج جوليان من خلف الستارة بمنتهى الهدوء، ووضع الشموع على الطاولة.
“اعتذر عن المقاطعة،” قال جوليان وهو يقص فتيل شمعةٍ كانت تخرج دخاناً أسود كثيفاً. “لكن الملك أرسلني لأتأكد أن الأجواء.. ‘صافية’ تماماً قبل زيارته.”
ساد صمتٌ مخيف. اقتربت الكونتيسة من جوليان، وتحركت حوله كأفعى تطوق فريستها. شم جوليان رائحة المسك، وخلفها تلك الرائحة الحادة: السيانيد.
“أنت ذكي يا جوليان،” همست الكونتيسة وهي تضع يدها على كتفه. “والأذكياء في فرساي يعرفون أن الولاء للملك هو رهانٌ خاسر، لأن لويس يحب نفسه فقط. انضم إلينا.. وسأجعل مقصك هذا يقطع خيوط الذهب، لا خيوط القطن. ضع هذا المسحوق في كأس الملك بنفسك، وغداً ستستيقظ وأنت ‘بارون’ على أنقاض عائلتك القديمة.”
نظر جوليان إلى زجاجة النبيذ “الشاتو” الحمراء. تظاهر بالتردد، ثم مد يده وأخذ ظرف المسحوق الصغير. “أريدُ ثمناً أكبر من رتبة بارون،” قال جوليان بصوتٍ غريب. “أريدُ ‘صك الملكية’ لأراضي دي روشيفورت.. الأراضي التي صادرها الملك.”
لمعت عينا الكونتيسة بانتصار: “لك ذلك.. بمجرد أن يغلق لويس عينيه للأبد.”
انطلق جوليان نحو قاعة المرايا، حيث كان الملك ينتظره وحيداً. وجد لويس الرابع عشر يقف أمام مرآة ضخمة، يتأمل تجاعيد وجهه التي بدأت تحفر خنادقها رغم المساحيق.
“هل وجدت الثمرة يا جوليان؟” سأل الملك دون أن يلتفت.
ارتمى جوليان تحت قدمي الملك، لكنه هذه المرة لم يكن يمثل. وضع ظرف المسحوق على الرخام وقال لهثاً:
“مولاي.. الخيانة أعمق من الدوق. الكونتيسة والإسكافي وضعوا حياتك في هذا الكأس. النبيذ مسموم برائحة اللوز.”
التفت الملك ببطء. لم يبدُ عليه الرعب، بل بدت عليه خيبة أملٍ أزلية. “الكل يريدُ موتي يا جوليان.. حتى الذين ألبستهم الحرير بيدي.” ثم نظر إلى جوليان بغرابة: “ولماذا لم تقبل عرضهم؟ كنت ستحصل على أراضيك.”
توقف نبض جوليان للحظة. الملك يعرف هويته!
“لأن موتك الآن رحمةٌ لا تستحقها يا مولاي،” قال جوليان بصوتٍ تجرد من كل خضوع. “أريدك أن تراهم وهم يسقطون قبلك. أريد أن أذيقهم كأس الخيانة الذي صنعوه.”
ابتسم لويس الرابع عشر ابتسامة شيطانية. “إذن.. لنمنحهم العرض الذي ينتظرونه.”
عاد جوليان بالصينية الذهبية إلى حيث يختبئ المتآمرون خلف الستائر في غرفة الملك. دخل الملك لويس، وجلس بعظمة مصطنعة. قدم له جوليان الكأس.
حبس الإسكافي والكونتيسة أنفاسهما خلف الحرير. رفع الملك الكأس، وصاح بصوتٍ سمعه كل من في الرواق:
“نخبُ فرساي.. ونخبُ العيون التي ترى في الظلام!”
تجرع الملك الكأس دفعة واحدة.
ثوانٍ.. ثم بدأ الملك يختنق. سقط الكأس وتحطم. تشنج جسد “ملك الشمس” وسقط فوق سريره الذهبي كجثة هامدة.
خرج المتآمرون من مخابئهم بضحكاتٍ هستيرية. اندفع الدوق “دي مورني” ليمسك التاج الموضوع على الطاولة. “انتهى العصر القديم! فرنسا لنا!” صرخ الإسكافي وهو يركل جثة الملك باحتقار.
لكن جوليان ظل واقفاً في مكانه، يراقبهم ببرود مرعب.
وفجأة.. فُتحت الأبواب الضخمة، ودخل الحرس الملكي بسيوفٍ مشهرة، يتصدرهم القائد العام للجيش.
توقف الدوق عن الضحك: “ماذا تفعلون؟ الملك مات! أنا الحاكم الآن!”
في تلك اللحظة، تحركت “الجثة” على السرير. جلس لويس الرابع عشر ببطء، ومسح النبيذ عن شفتيه. “النبيذ كان رائعاً يا دوق.. لكن يبدو أنكم نسيتم أن جوليان خبيرٌ في ‘الفتائل’، وقد استبدل مسحوقكم بمسحوقٍ يجعل المرء يبدو ميتاً لدقائق فقط.”
شحب الجميع. أشار الملك للحرس: “خذوهم إلى الباستيل.. سيموتون بالسم الذي صنعوه، لكن ببطء شديد.”
بقي جوليان والملك وحدهما مجدداً. التفت الملك لجوليان، ومد يده ليعطيه “صك أراضي دي روشيفورت”: “لقد وفت الكونتيسة بوعدها لك.. ها هي أراضيك. ارحل الآن، فقد أثبتَّ أنك أوفى من نبلاء فرنسا جميعاً.”
لكن جوليان لم يأخذ الصك. نظر للملك وقال بنبرة جعلت فرائص لويس ترتعد:
“لقد تأخرت في الوفاء يا مولاي.. السم الذي استبدلتُه في كأسك، لم يكن مخدراً فقط.. كان يحمل ‘علامة’ أخرى.”
ساد صمتٌ أثقل من رصاص القبور. تجمد الملك لويس الرابع عشر ويده معلقة في الهواء بـ “صك الملكية” الذي لم يمتد جوليان لأخذه. تلاشت ملامح النصر عن وجه الملك، وحلّ مكانها رعبٌ بدائي لم يعرفه منذ طفولته.
“ماذا تقصد بالعلامة الأخرى؟” سأل الملك بصوتٍ متهدج، وهو يشعر ببرودة غريبة تزحف من أطراف أصابعه نحو قلبه.
خطا جوليان خطوة واحدة نحو السرير الملكي، وبدأ يخلع سترة الخدم الزيتية الملطخة برماد الشموع. لم يكن ينحني هذه المرة؛ بل كان يتطاول في وقفته حتى بدا وكأنه هو من يرتدي التاج. وتحت السترة الوضيعة، برز قميصٌ من الكتان العتيق، مطرزٌ بخيوط باهتة تحمل شعار “عائلة دي روشيفورت”.
“لقد ظننتَ يا مولاي أنني أنقذتك لأنني أهوى خدمتك،” قال جوليان، وصوته يتردد في القاعة كحكم إعدام. “لكني أنقذتك لأن الموت بالسم ‘رحمة’ لا تليق بمن أحرق عائلتي وهم أحياء. لقد استبدلتُ سم الكونتيسة بمسحوقٍ مخدّر فعلاً.. لكن الشموع التي تحيط بسريرك الآن، والتي أشعلتها بيدي قبل قليل، ليست شموعاً عادية.”
نظر الملك بذعر إلى الشموع الضخمة التي تحيط بمخدعه. كانت تخرج منها هالاتٌ زرقاء باهتة، ورائحة بخورٍ لم يشمها من قبل.
تابع جوليان وعيناه تلمعان ببريقٍ مخيف: “هذا هو ‘غاز النسيان’ يا ملك الشمس. لقد خلطتُ فتائل هذه الشموع بمسحوق الكيمياء السوداء الذي تعلمتُه في أزقة باريس المظلمة بعد أن شردتني. كل جندي يقف خلف هذا الباب، كل خادم في الردهة، سيغط في نومٍ عميق خلال دقائق. ولن يستيقظ أحدٌ قبل أن ينتهي حسابنا.”
حاول الملك أن يصرخ، أن يستدعي حرساً، لكن حنجرته خانته. شعر بجسده يغرق في نعاسٍ قسري، وكأن أطرافه تحولت إلى رصاص. ارتمى فوق وسائده، يلهث كسمكةٍ أُخرجت من مائها المالح.
“أقنعتَ النبلاء أن القرب من جسدك هو ‘السطة’،” همس جوليان وهو يقترب من أذن الملك، “وجعلتهم يتصارعون على شرف غسل قدميك وإلباسك جواربك الحمراء. لكنك نسيتَ أن الذين يلمسون جسدك كل يوم هم أكثر من يرون قذارتك. نحن الخياطون، والإسكافيون، ومقصّو الفتائل.. نحن من نشمّ عرق خوفك خلف العطور، ونرى ارتجاف يدك خلف الخواتم. لقد حوّلتَ فرنسا إلى مسرح، واليوم.. سأطفيء أنوار المسرح فوق رأسك.”
مد جوليان يده والتقط “التاج” الذي سقط من يد الدوق “دي مورني” قبل قليل. لم يضعه على رأسه، بل قلّبه بين يديه باحتقار، ثم وضعه ببرود عند قدمي الملك فوق السجادة.
“لن أقتلك يا لويس،” قال جوليان وهو يرى عيني الملك تبدآن في الانغلاق رغماً عنه. “سأتركك تعيش لتستيقظ غداً وحيداً تماماً. سأخرج من هنا، وسأغلق الأبواب خلفي. غداً حين تفتح عينيك، لن تجد أحداً يقدم لك ‘الاستيقاظ العلني’. لن تجد من يلبسك، أو يطعمك، أو يهمس في أذنك بالنفاق. ستكتشف أخيراً أن ‘ملك الشمس’ ليس سوى رجل عجوز، عاجز، لا يستطيع حتى ربط حذائه دون عبدٍ ينحني تحت قدميه.”
بدأ الملك يغيب عن الوعي، وكانت آخر صورة رآها هي وجه جوليان، الذي انحنى وأشعل فتيل شمعةٍ صغيرة بجانب وجه الملك، ثم همس بكلماته الأخيرة في هذا الليل:
“لقد احترق الفتيل يا مولاي.. ولم يتبقَ سوى الرماد.”
استدار جوليان، وخطا فوق التاج الملقى على الأرض، ومضى نحو الأبواب الضخمة بخطىً ثابتة، تاركاً خلفه أقوى رجل في العالم يغرق في نومٍ يشبه الموت، في قصرٍ صار فجأةً أضيق من زنزانة.
لم يكن رحيل جوليان عن “فرساي” مجرد هروب خادمٍ من مخدع سيدِه، بل كان خروج “الحقيقة” عاريةً من هيكل “الأكذوبة” الضخم.
بينما كانت خطواته تطرق الحصى البارد في ساحة القصر الشاسعة، التفت وراءه للمرة الأخيرة. كان قصر فرساي، ذلك المارد الرخامي الذي أراده لويس الرابع عشر شاهداً على خلوده، يبدو تحت ضوء الفجر الرمادي وكأنه ضريحٌ أسطوري يبتلع ذكريات الذين قايضوا كرامتهم بـ “نظرةٍ ملكية”. هناك، خلف تلك النوافذ المذهبة التي تعكس خيوط الشمس الأولى، يقبع رجلٌ ظن أنه المحور الذي يدور حوله الكون، فاكتشف في لحظة عجزٍ واحدة أنه ليس سوى ظلٍ تسكنه الوحشة، يسجنه ذهبُه، ويقتله احتياجه لمن كان يحتقرهم.
أخرج جوليان من جيبه مقص الفتائل الفضي، ونظر إليه طويلاً؛ ذلك المعدن النحيل الذي قاد مؤامرات الدول، والذي كان مفتاحاً لأبوابٍ لم تفتحها المدافع. لم يعد المقص أداة خدمة، بل صار “مشرطاً” استأصل به ورم الغرور من قلب القصر. وبحركةٍ هادئة، ألقى به في جوف نافورة “لاتونا” العظيمة، ليستقر في القاع مع أمنيات الضحايا المنسية، بعيداً عن أيدي الجلادين.
ومع أول شعاعٍ للشمس الحقيقية التي بدأت تشق عباب السماء، لم تشرق الأنوار على الجدران كما اعتادت، بل كشفت عن “العفن” الفاخر الذي يغطيه بريق الذهب. أدرك جوليان حينها أن السلطة الحقيقية ليست في “تاجٍ” يُلبس، ولا في “عرشٍ” يُعتلى، بل في تلك المساحة الضيقة من الحرية التي لا يستطيع ملكٌ صادرها، ولا خائنٌ بيعها.
لقد ترك خلفه مَلِكاً سيعيش ما بقي من عمره يطارد “فتيلاً” انطفأ، ونبلاءً سيبحثون في زوايا القصر عن “سيدٍ” يمنح لحياتهم معنى الخضوع. ترك خلفه مسرحيةً انتهى عرضها، وانطفأت أنوارها، ولم يتبقَ منها سوى رائحة الدخان المرّ، ورائحة التاريخ الذي لا يرحم.
مضى جوليان نحو الأفق، حيث لا بروتوكول يحكم خطواته، ولا سموم تلوث أنفاسه. سار وهو يعلم أن المؤرخين سيسوّدون آلاف الصفحات عن “لويس العظيم”، لكن جدران فرساي ستظل تهمس للأبد، في أذن كل من يدخلها، قصة “الفتى الذي أطفأ الشمس بمقصٍ من فضة”.
ففي مملكة المظاهر، قد يملك الملكُ الأرض والرقاب.. لكن الخادم الذي يمتلك السر، هو وحده من يملك مفاتيح الخلود.

Loading

Ahmed El sayed

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏