مطرية المحبةقصة قصيرة

بقم : Ahmed El sayed

تأليف…محمد تمام

“إلى الذين لا يملكون من الدنيا الكثير، لكنهم يملكون ما عجزت عنه الأمم.. إلى حراس الحبال، وصناع القرمشة، وسند الجدران.. إلى أهل ‘مطرية المحبة’.. حيث القلب هو بيت الرب.”

لم تكن شمس المطرية في ذلك اليوم مجرد قرص ذهبي ملتهب يودع السماء، بل كانت شاهداً أزلياً يتسلل عبر شقوق البيوت العتيقة التي اتكأت على بعضها البعض كعجوزين يتبادلان أسرار الدهر في ليلة صوفية. في “عزبة حمادة”، لم يكن الصمت ضيفاً مرحباً به؛ فالضجيج هناك هو سيمفونية البقاء، وصوت ارتطام القدور المعدنية ببعضها البعض كان ينسج “مارشاً” ملحمياً يعلن بدء المعركة الكبرى.. معركة الحب التي لا يعرف غبارها سوى عبق المودة.
​على ناصية الزقاق، حيث تفوح رائحة التاريخ الممتزجة بعرق الكدح، وقف “عم جرجس” بقميصه القطني الرمادي الذي غسلته سنوات الصبر. كانت تدلى من رقبته أيقونة خشبية لصليب محفور بدقة مذهلة، يعلوها وجهه الذي خط فيه الزمن أخاديد تشبه تعاريج خرائط النيل في فيضانه. كان يحمل ببراعة فطرية “حلة” ألومنيوم ضخمة، يخرج منها بخار كثيف يداعب أنوف المارة برائحة “التقلية” المصرية الأصيلة، تلك الرائحة التي تعتبر شيفرة المرور إلى القلوب. لم يكن جرجس غريباً في هذا الزقاق، بل كان “رب الدار” في كل بيت، والمؤتمن على سر الطبخة في كل مطبخ.
​بجوار الحائط الذي احتضن جملة كُتبت بخط كوفي عريض وثائر: “دايماً على بعض نسند”، كان “الشيخ منصور” يربت على كتف جرجس بيده التي أنهكها العمل وباركها الورع، بينما يفرغ صاعاً من الأرز في قدر مجاور وكأنه يصب الخير صباً. نظرا معاً إلى تلك الكلمات المحفورة فوقهما؛ كانت الحروف تتراقص تحت ضوء “وناسة” خضراء خافتة، علقت بعبقرية شعبية بجوار صورة للمسيح في ودعته، وأخرى للكعبة المشرفة في جلالها.
​قال منصور بصوت يتهدج بخشوع الصائم ويملؤه فخر الأرض:
— “أتراها يا جرجس؟ هذه الحائط حملت أثقالاً وبشراً، لكن هاتين الكلمتين هما اللتان تحملان الحائط نفسه وتمنعانه من السقوط في فخ النسيان.”
​ابتسم جرجس ابتسامة تقطر عذوبة، وضغط على يد جاره بقوة تختصر عهوداً من المواطنة:
— “يا عم منصور، هذا الجدار لو نطق لقال إن ريحة بخور الكنيسة في هذا الحي ذائبة في ترتيل صلاة التراويح.. نحن لا نسند أجسادنا على الحجر، نحن نسند أرواحنا على قلوب بعضنا البعض، والقلبُ بيتُ الرب.”
​في الأعلى، كانت الشرفات تتحول إلى خلايا نحل لا تهدأ، حيث تلاشت الحدود الجغرافية بين الشقق. “ست بهية” المسلمة، و“مدام ماري” المسيحية، تقفان في مطبخ واحد ضيق، تفصلان أوراق الكرنب بمهارة تضاهي مهارة الجراحين في غرف العمليات. لا تسأل إحداهما الأخرى عن معتقدها، بل تسألها عن “ذوقها في ضبط الملح”. كانت ماري، بإيثار فطري، تذوق بلسانها طرف “المرقة” لتقرر لبهية الصائمة ما إذا كان الطعام يحتاج لذرّة فلفل أو لمسة كمون، فصار لسان ماري هو البوصلة الروحية التي تهتدي بها صيام بهية، وصار صيام بهية هو القربان الذي تباركه ماري.
​— “زيدي رشة فلفل يا بهية، السفرة الليلة تزدحم بضيوف جاؤوا من أقاصي الأرض، نريدهم أن يدركوا أن مطبخ المطرية متبلٌ بالحب قبل البهارات.”
ضحكت بهية وهي تمسح عرق جبينها بطرف طرحتها التي تحمل رائحة “الخبيز”:
— “الضيوف يا ماري لم يقطعوا الفيافي ليأكلوا، بل جاؤوا ليقرؤوا في وجوهنا كيف اتسعت هذه الحارة للعالم كله، وهي في الأصل لا تتسع إلا لخطوتين من المحبة.”
​تحولت الشوارع إلى مائدة ممتدة كشريان حياة لا نهاية له، أمتارٌ من الأقمشة المزركشة بنقوش الخيامية تكسو طاولات خشبية صنعها نجارو الحي بسواعد متطوعة. وبينما كان الأطفال يركضون بعبوات التمر الهندي وكأنهم رسل فرح صغيرون، كان هناك “وعي جمعي” صامت ينساب في الهواء كعطر الياسمين. لم يكن المشهد مجرد إفطار جماعي، بل كان رداً فيزيائياً حاسماً على كل همس خبيث حاول يوماً أن يزرع شوكة في هذا الجسد الواحد المشتعل بالوطنية.
​في تلك اللحظة الفارقة، وصلت سيارة سوداء فخمة عند مدخل الحي، ترجلت منها وزيرة ألمانية بملامحها الشقراء المندهشة، وخلفها وفود من سفارات دولية، جاؤوا ليروا “الأسطورة” حية. وقفوا مذهولين أمام مشهد “الحلل” التي تتدلى من النوافذ العالية بواسطة حبال متينة، يحملها شبابٌ بصدور عارية من الحقد، بعضهم يوشم الهلال والآخر يوشم الصليب، والكل يبتسم في وجه الكاميرا.. وفي وجه القدر الذي اصطفاهم ليكونوا حراس هذا النسيج.
​التفتت الوزيرة لمرافقها، وعيناها تشعان بذهول المستكشف:
— “هل يعقل أن كل هؤلاء الناس يطهون في مطابخهم الخاصة ليطعموا الغرباء في زقاق؟ أي نظام هذا الذي يدير هذا الإحكام؟”
​أجابها شاب من المنظمين، بقميصه المبلل بالعرق وابتسامة تمحو تعب النهار:
— “يا فندم، التنسيق هنا ليس مدوناً في الكراسات، إنه محفور في الجينات. نحن هنا لا نعرف من الذي طبخ، نحن نعرف فقط أننا جميعاً سنقتسم الرغيف ذاته عندما يرفع الأذان.”
​ومع اقتراب الشمس من لحظة العناق الأخير مع الأفق، بدأت مكبرات الصوت في المسجد تصدح بآيات الذكر الحكيم، وفي اللحظة ذاتها، كانت أجراس الكنيسة تقرع بتحية المساء. تلاقت الأصوات في سماء المطرية، لتشكل سيمفونية كونية لم يشهدها العالم من قبل.. سيمفونية “الوطن الذي لا يقبل القسمة على اثنين”.
كانت عقارب الساعة تهرول نحو السادسة إلا الربع، وفي “المطرية” لم تكن الدقائق مجرد وحدات زمنية، بل كانت نبضات قلبٍ جماعي يرتجفُ وجداً. الشوارع التي كانت تبدو ضيقةً في الصباحات العادية، تمددت الآن بكرامةٍ مذهلة لتستوعب قاراتٍ بأكملها داخل زقاق “عزبة حمادة”. لم تكن السفرة الطويلة الممتدة لمئات الأمتار مجرد طاولات خشبية، بل كانت “عموداً فقرياً” لجسدٍ واحد، يربط بين التاريخ البعيد واللحظة الراهنة، ويذيب المسافات المصطنعة بين “مينا” و”محمد”.
في زاويةٍ قصية من “حارة المنجدين”، وقف الشاب “بيشوي”، قابضاً على خرطوم مياهٍ ضخم وكأنه يمسك بشريان حياة، يرشُّ الأسفلت ببرودةٍ تلطفُ روع النهار المتأجج، ويغسلُ غبار الدرب قبل أن تستقر عليه أطباق “الفتة” التي أُعدت بعنايةٍ ملوكية. وبجانبه، كان “حمادة”، بطل الملاكمة الذي يفيضُ جسده قوةً وتواضعاً، يحمل صواني “الجلاش” الذهبية بخفةِ راقصِ باليه، وكأنها أوسمةُ استحقاقٍ تُمنحُ لهذا الحي العريق.
صاح بيشوي وهو يزيحُ رذاذ الماء عن جبينه الأسمر:
— “يا حمادة، رصّ هذه الصواني عند مائدة الوفود الدولية؛ نريدهم أن يدركوا أن هذه القرمشة هي ‘خلطةٌ سرية’ مصرية، لا تُباع ولا تُشترى، بل تُهدى بالمحبة!”
ضحك حمادة وهو يناور ببراعةٍ بين الحشود المتراصة:
— “اطمئن يا ‘بوب’.. ‘ست بهية’ و’مدام ماري’ وضعتا في هذا العجين خلاصة عمرهما. هذا الطعام لو وُزع على مناطق الصراع في العالم، لانتهت الحروب في ثانية!”
في هذه الأثناء، كانت الوزيرة الألمانية والوفود المرافقة يسيرون في حالةٍ من “الذهول الأنثروبولوجي”. لم تكن ترى مجرد مأدبة، بل كانت تشهدُ معجزةً اجتماعية تتحدى كل نظريات “الاندماج” الباردة في أوروبا. رأت “السبت” (السلة الخوصية) يتدلى بحبالٍ متينة من الدور الرابع في بيتٍ تكسو جدرانه تجاعيد الزمان، وبداخله “طواجن المعمر” التي تفوح منها رائحةُ الريف المصري الأصيل. وفي الشرفة المقابلة، وقفت سيدةٌ مسيحية متشحةً بوقار الجيرة، تلوح بيديها للصائمين وتطلق دعواتٍ تنسابُ كالبلسم: “صياماً مقبولاً يا أغلى الحبايب.. اللقمة تجمعنا والرب يحرسنا دايماً”.
توقفت الوزيرة، والتفتت لمرافقها الذي صهرته شمس المطرية وعلمته لغات العالم، وسألت بنبرةٍ يملؤها الشجن الأدبي:
— “أرى خيوطاً غير مرئية تربط هذه النوافذ المتقابلة.. هل هذه الحبال هي التي تنقل الطعام حقاً، أم أنها تنقلُ المودة الصافية؟”
أجابها الشاب، وعيناه تلمعان ببريق الانتماء:
— “هذه الحبال يا سيدتي ليست أدواتٍ مادية، إنها ‘أوردةُ’ الحي. كل بيت هنا يضخُ دماء كرمه في عروق الشارع. نحن لا نُشبعُ البطون الخاوية فحسب، نحن نُرممُ الروح التي حاولوا تمزيقها، ونغذي الوعي الذي يحمينا من الزوال.”
فجأة، ساد صمتٌ مهيبٌ قطعَ دابر الضجيج. كان “الشيخ منصور” قد ارتقى منصةً خشبية متواضعة بجوار رفيق دربه “عم جرجس”. وقف الاثنان كتفاً بكتف؛ جرجس بصلبيبه الخشبي الذي يحكي قصة إيمانٍ راسخ، ومنصور بمسبحته الخضراء التي تسبحُ بحمد رب العالمين. نظرا إلى الحشود التي تمازجت فيها الألوان واللغات؛ من الأفارقة بجلابيبهم الزاهية، إلى الخلايجة بعباءاتهم البيضاء، إلى الأجانب بعدساتهم التي تحاول اصطياد لحظةٍ من “الصدق المصري”.
رفع الشيخ منصور الميكروفون، ولم يلقِ خطبةً عصماء أو كلاماً منمقاً، بل أطلق جملةً واحدة زلزلت أركان المطرية:
— “يا أهل مصر.. يا أهل العالم.. الجوعُ يتبدد بلقمة، والعطشُ يرتوي بشربة ماء، ولكن الوطن لا ينتهي أبداً طالما ظلت يدُ جرجس قابضةً على يد منصور في الشدة قبل الرخاء.”
في تلك اللحظة، انطلقت صيحاتُ “تحيا مصر” من حناجر آلاف الحاضرين، لتمتزج في توقيتٍ عبقري مع رنين أجراس الكنيسة المجاورة التي بدأت تدق “دقات المساء” بوقارٍ مذهل. بدا وكأن القسيس في الداخل كان يرقبُ نبض الشارع، لينضم بجوقته إلى سيمفونية الوحدة، محولاً الهواء إلى مزيجٍ مقدس من التكبير والترنيم.
وعلى وقع هذا الهتاف، أطلت “مدام ماري” من شرفتها حاملةً صينيةً ضخمة من “القطايف” التي نقشتها بيدها خصيصاً لجيرانها الصائمين، ونادت بصوتٍ جهوريٍ يملؤه الحنان:
— “يا بهية.. يا أم محمد.. ارفعي السبت بسرعة، ‘تحلية’ المحبة وصلت!”
كان المصورون الدوليون يقفون أمام لوحة “على بعض نتسند” في حالة من الانبهار. قال أحد الدبلوماسيين لزميله وهو يمسح دمعةً فرت من عينه:
— “جئنا لنحضر مأدبة، فإذا بنا نحضر درساً في صياغة التاريخ. هؤلاء البسطاء كتبوا دستور تعايشهم بدمائهم وعرقهم فوق جدران بيوتهم، قبل أن تعرف البشرية معنى المواثيق الدولية.”
ومع اقتراب الشمس من الأفق القرمزي، وبداية توزيع “البلح” باللبن، تشابكت الأيدي وتوحدت النظرات. لم يكن هناك فرقٌ بين من يستعد لصلاة المغرب، ومن يتأهب لإضاءة شمعة؛ فالكل كان ينتظر “النداء الكبير”، والكل كان يدرك أن المطرية الليلة ليست مجرد حي، بل هي قلبُ العالم النابض بالسلام.
قبيل الأذان بدقيقتين، وبينما كان الكون يحبس أنفاسه انتظاراً للحظة الانعتاق، حدث ما لم يكن في الحسبان. وسط هذا الحشد المهيب الذي يضم نخب العالم وبسطاء الأرض، انسلّ شابٌ غريب السحنة، زائغ النظرات، يحمل في طيات نفسه بقايا سمومٍ غُذيت بها العقول الضعيفة. بدأ يهمسُ بكلماتٍ مسمومة، كالخرير في أذن مجموعة من الشباب الذين تأججت فيهم العاطفة دون وعيٍ كافٍ:
— “ألا ترون؟ كيف تقبلون بصلبانٍ تُرفع فوق مائدة إفطاركم؟ ألا تشعرون بأن حضور هؤلاء الأجانب هو استعراضٌ يكسرُ هيبة دينكم وخصوصية عباداتكم؟ إنها مؤامرةٌ لتذويب هويتكم تحت مسمى الجيرة!”
توقف الزمان في تلك البقعة للحظةٍ بدت كالأبد. تنبه “بيشوي” الذي كان يوزع حبات التمر، و“حمادة” الذي كان يوازن أطباق الشوربة الساخنة فوق ذراعيه القويتين. تبادلا نظرةً خاطفة، لم تكن مجرد إشارة، بل كانت “عهداً” قديماً يتجدد في ثانية. اقترب حمادة من الشاب الغريب، وبدلاً من أن ينفجر فيه غضباً أو يطرده، وضع يده الثقيلة فوق كتفه بوقار الجبال وحنان الأخ، وقال بصوتٍ رخيمٍ واثق، وصل أثره إلى قلوب كل من حوله:
— “يا أخي، إن ما تراه عيناك هو القشور، أما ما تدركه قلوبنا فهو الجوهر. هذا الصليب الذي تراه فوق الأكل، هو في الحقيقة نابعٌ من قلب جاري الذي قضى نهاره يطبخ معي ليطعم أهلي. والوزيرة التي هنا لم تأتِ لتتملكنا، بل جاءت لتتلمذ في مدرسة ‘البشر’ التي أسسها أجدادنا. إن كان هذا الحب يزعجك، فأنت الغريبُ الوحيدُ هنا.. لا الصليب، ولا الضيوف.”
وفي تلك اللحظة الحاسمة، ومن فوق مئذنة المسجد التي تعانق في شموخها سماء المطرية، انطلق صوت المؤذن مجلجلاً، شاقاً الصمت المهيب:
“الله أكبر.. الله أكبر”
كانت الصرخة بمثابة رصاصة الرحمة على كل فكرٍ دخيل، ونشيد نصرٍ للروح المصرية التي لا تقبل الانكسار. وفي التوقيت ذاته، وبترتيبٍ قدريٍ مذهل لا تصنعه إلا العناية الإلهية، كانت أجراس الكنيسة تقرعُ دقاتها الوقورة لتعلن تمام الساعة السادسة. تداخل التكبير مع الرنين، لينسجا معاً “هارمونياً” كونياً لم تشهده أعظم دور الأوبرا، بل عزفه “وعي المطرية” الفطري الذي يسبقُ النظريات والكتب.
بدأ الإفطار، فانطلقت آلاف الأيدي في حركةٍ موحدة لتكسر الصيام بـ “بلحة” قدمها جرجس، أو شربة ماءٍ سكبها مينا بيده المبللة بوضوء المحبة. رأت الوزيرة الألمانية مشهداً جعل العبرات تخنق صوتها؛ رأت شاباً مسلماً، في ريعان شبابه، يقتطعُ أشهى قطعة لحمٍ من طبقه ليضعها في طبق جارٍ مسيحيٍ مسن، قائلاً بابتسامةٍ تملأ الوجه نوراً: “كُل يا عم جرجس، لقد أنضجتَ أنت الطعام، ونحنُ حصدنا طعمه بفضلك”.
التفتت الوزيرة إلى المصور العالمي المرافق لها، وأشارت بيدها المرتجفة:
— “أوقف عدستك الآن.. هذا المشهد أسمى من أن يُسجن في كادرٍ فوتوغرافي، إنه يُحفر في وجدان التاريخ. نحن في أوروبا نضع الدساتير والقوانين لنعلم الناس ‘الاندماج’، وهنا في هذا الزقاق المنسي، الاندماج هو الهواء الذي يستنشقونه، والملح الذي يقتسمونه دونما تفكير.”
تحولت المائدة الممتدة إلى “برلمانٍ شعبي” عالمي الطراز. جلس السفير بجوار العامل، والوزيرة بجوار “ست بهية”. دارت النقاشات بلغاتٍ شتى، لكن لغة “القلوب” كانت المترجم الموحد والوحيد.
— “هذا الطعام له مذاقٌ غيبي يا بهية”، قالتها زوجة دبلوماسيٍ رفيع وهي تتذوق “المحشي” المسبك.
ردت بهية بفطرةٍ مصريةٍ تقطرُ حكمة:
— “السر في ‘النَفَس’ يا سيدتي.. والنفسُ عندنا ليس مهارةً في الطبخ، بل هو صفاءُ نيةٍ وراحةُ بال. نحن نطهو ونحن نشعر أننا نُطعم أرواحنا، لا مجرد ضيوفٍ عابرين.”
وبينما كانت اللقمةُ تجمعُ الشتات، كان “الوعي الجمعي” الذي صوّرته عدساتُ الأمل، يترسخُ كحصنٍ أخير. كان الشباب يتحركون كتروسِ ساعةٍ دقيقة، يرفعون الأطباق ويضعون الشاي والفاكهة، دون أن يجرؤ أحدٌ على السؤال: “من الذي تحمل التكلفة؟”. الإجابة كانت تلمعُ في العيون: “مصرُ هي التي دفعت الثمن من صبرها، وهي التي تقبضُ الآن ثمن أمانها ووحدتها الغالية.”
وعندما انقضت المأدبة، وقام المصلون لأداء صلاة المغرب في قلب الشارع، فوق سجاجيد صلاةٍ فرشها شبابُ الكنيسة بأيديهم وبكل توقير، وقف “جرجس” ورفاقه يحرسون ظهور الساجدين. لم يقفوا حراسةً من خوف، بل وقفوا “حراسةً من عشق”، في مشهدٍ أعاد صياغة التاريخ، مؤكداً للعالم أن المطرية لا تنسى من هم “سندها” الحقيقي.لم تكن لحظة رفع الأطباق عن الموائد مجرد عملية تنظيفٍ روتينية للمكان، بل كانت طقساً جماعياً يشبه تنقية النفوس من شوائب النهار. وبمجرد أن رُفعت آخر “حلة” ألومنيوم وآخر ملعقة خشبية، استحال الزقاق في “عزبة حمادة” إلى خلية نحلٍ مذهلة، تتحرك بإيقاعٍ فطري لا يحتاج إلى قائد. انبرى الشباب، بصدورٍ يملؤها الفخر، يطهرون الأرض برذاذ المسك والماء، بينما يطوي آخرون مفارش “الخيامية” الملونة بوقارٍ، وكأنهم يطوون أجنحة ملائكة هبطت لتبارك الجمع.
وفجأة، تجلى المشهد الذي أوقف الزمن في عيون الوفود الدولية؛ خرج الرجال والشباب، كلٌ من عقر داره، يحمل “حصيرته” أو “سجادة صلاته” الطويلة التي تفوح منها رائحة بيوتهم الطيبة. تلاصقت الحصائر ببعضها البعض في تلاحمٍ عضوي، حتى اختفى لون الأسفلت تماماً، وصار الشارعُ “صحناً” واحداً لمسجدٍ كونيّ، سقفه السماءُ المرصعة بالنجوم، وجدرانه شرفاتُ المطرية التي لا تغلق أجفانها في حضرة الحب.
في الصفوف الأولى، وقف “الشيخ منصور” مرتدياً قفطانه الأزهري الذي يفوح وقاراً، يضبط الصفوف لصلوات التراويح بصوتٍ يملؤه الهدوء الروحاني. وخلف المصلين مباشرة، وفي حركةٍ بدت وكأنها “مانشيت” عسكري صاغه وجدانُ الأمة، وقف “بيشوي” و“عم جرجس” وكتيبة من شباب الكنيسة. لم يقفوا كمتفرجين أو عابري سبيل، بل وقفوا كـ “حراسٍ للمحراب”. شكلوا نصف دائرةٍ تحيط بالمصلين، بصدورٍ مفرودةٍ كدروعٍ بشرية وعيونٍ يقظة، يحمون ظهر إخوانهم الساجدين من ضجيج المارة أو تطفل الغرباء. كان جرجس يقبض على مسبحته بيده التي أتعبها العمل، يهز رأسه مع تلاوة منصور الخاشعة، وكأن الآيات التي تخترق سكون الليل كانت تلمس وتراً مقدساً في قلبه المسيحي، فصار ترتيل القرآن صلاةً في محراب روحه.
التفتت الوزيرة الألمانية لمرافقها، وقد لجمت الدهشةُ لسانها، وغرقت عيناها في بحرٍ من التساؤلات الوجودية:
— “لقد رأيتهم قبل قليل يقتسمون الرغيف، فقلتُ هذا كرمٌ حاتمي. لكن أن أراهم الآن، فريقٌ يسجدُ لله وفريقٌ يحرسُ ظهر الساجد بدمه، فهذا ليس مجرد كرم.. هذا ‘انصهارٌ’ لا تدركه العقول الباردة. هل هؤلاء الرجال الذين يسيجون المصلين بصدورهم هم مسيحيون حقاً؟”
أومأ المرافق برأسه، والاعتزازُ يفيضُ من نبرة صوته:
— “نعم يا سيدتي. في المطرية، عندما يسجد المسلم، فإنه يضع أمانه وأمان روحه في يد جاره المسيحي. وعندما يدق جرس الكنيسة، يفتح المسلم صدره ليكون درعاً لناقوسها. نحن هنا لا نمارس ‘بروتوكولات’ سياسية، نحن نحمي ‘سندنا’ في الحياة.. نحمي المعنى الذي يجعلنا بشراً.”
انطلق صوت الشيخ منصور بالقرآن، يرتل آيات السكينة والوقار، فخيم صمتٌ مهيبٌ لم تشهده المطرية من قبل؛ حتى الأطفال كفوا عن صخبهم، وتوقفت الفوانيس عن التأرجح، ليفسحوا المجال لهذه السيمفونية. كانت الكاميرات العالمية تلتقط تلك اللقطة “الأيقونية”: جبهة شابٍ مسلم تلمس تراب الأرض في سجدةٍ طويلة، بينما ظل صليب “بيشوي” المتدلي من عنقه يمر فوق رأس الساجد وهو يتحرك بيقظةٍ ليفسح الطريق لشيخٍ عجوز يريد الانضمام للصلاة. خلف الحائط الذي صرخ بكلمة “دايماً على بعض نسند”، كانت الحصائر تتراص كبنيانٍ مرصوص، ترسل رسالةً مشفرة لكل من حاول “شحن” القلوب: “انظروا.. نحن الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحراسة”.
ومع انقضاء الركعات الأخيرة، وقبل أن تُطوى الحصائر، التفت الشيخ منصور للمصلين والدموع تترقرق في عينيه:
— “يا أهل الله.. شكروا جيرانكم الذين وقفوا في ظهوركم بينما كنتم بين يدي الرحمن. هؤلاء ليسوا مجرد جيران، هؤلاء هم ‘الحصن’ و’السند’ الذي لولاه لما استقامت لنا صلاة ولا حياة.”
في تلك اللحظة، لم يغادر المصلون أماكنهم، بل ارتموا في أحضان حراسهم. تعانقت “العمامة” مع “الصليب” في عناقٍ كونيّ أبكى الدبلوماسيين الأجانب الذين وقفوا يصفقون بعفويةٍ لهذا “البرلمان الشعبي” الذي لا يحتاج لترجمة. ومع انسحاب خيوط الليل نحو السحر، بدأت الوفود بالرحيل، يحملون في أيديهم “علب الحلوى” المهداة من “ست بهية ومدام ماري”، لكنهم في الحقيقة كانوا يحملون “دستوراً جديداً” للبشرية؛ أن مصر ليست مجرد جغرافيا، بل هي “روحٌ” قاهرة للتمزق.
عند مدخل الحي، توقفت الوزيرة لآخر مرة، نظرت إلى الحائط الشهير، ثم إلى الشاب الذي حاول قبل ساعات نفث سمومه، فرأته جالساً منكسراً أمام جلال هذا الحب الذي ابتلع كراهيته. ابتسمت وقالت لمرافقها:
— “لقد هُزم الكرهُ الليلة بشرعية ‘الملح والعيش’. المطرية لم تطعم الجوعى فحسب، بل أطعمت العالم كله درساً في الكرامة الإنسانية.”
انطفأت الأنوار تدريجياً، وعاد الهدوء لـ “عزبة حمادة”. وقف “جرجس ومنصور” يلملمان ما تبقى من كراسي السمر. تلاقت أعينهما في صمتٍ بليغ، ثم ضحكا بعفوية الأطفال.
— “تفتكر الصور دي هتتعبهم يا جرجس؟” سأل منصور وهو يشير إلى شاشات الهواتف الزرقاء.
رد جرجس وهو يغلق باب بيته بيقينٍ لا يتزعزع:
— “يتعبوا أو يحترقوا يا صاحبي.. المهم أننا ننام الليلة وهذا الجدار في ظهرنا، مكتوبٌ عليه بمداد القلوب: ‘على بعض نتسند’. وطالما أننا نسند، فلا ريح ولا إعصار سيهز لنا شعرة.”
وهكذا، أغلقت المطرية أجفانها على وعدٍ باللقاء، تاركةً خلفها ملحمةً لم يكتبها حبرٌ، بل كتبها “وعي” شعبٍ قرر أن يظل دائمًا وأبدًا.. على بعض يسند.
“… ومع رحيل آخر ضيف، انطفأت أنوار الفوانيس لترتاح، لكن ضوءاً خفياً ظل يشع من بين شقوق جدار المطرية العتيق. لم يكن ذلك ضوء “وناسة” منسية، بل كان وهج “الأرواح” التي انصهرت في بوتقة الملح والعيش. في تلك الليلة، لم تسجل السماء في دفاترها مجرد مأدبة إطعام، بل سجلت لحظة انتصار لـ “الفطرة” على “الفتنة”.
غفا “عزبة حمادة” وهو يبتسم، وفي أحلام بسطائه، كان الطريق إلى الله يمر دائماً عبر شرفة الجار، وكان “الصليب” ينام آمناً في ظل “المئذنة”، بينما ظل التاريخ واقفاً عند ناصية الزقاق، يمسح غبار النسيان عن وجه مصر، ويكتب بماء الذهب: هنا المطرية.. هنا لا يجوعُ غريبٌ، ولا ينكسرُ وطنٌ.. طالما ظل القلبُ على القلبِ، والكتفُ بالكتفِ، والروحُ في الروحِ.. دايماً وأبداً على بعض نسند.”

Loading

Ahmed El sayed

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏