الرد على فرية “وصف المسجد الذي لم يكن موجوداً”. ** المسجد الاقصى**

بقم : أحمد السيد

بقلم..محمد تمام

صادفني وأنا أُقلب صفحات “الفيسبوك” مقالاً للدكتور يوسف زيدان، يحاول فيه تفنيد ثوابت إسلامية عبر التشكيك في حادثة “الإسراء والمعراج”، متسائلاً بإنكار: كيف يصف الرسول الكريم المسجد الأقصى وهو لم يُبنَ بعد؟! كما طال تشكيكه حقيقة “البراق” مستنداً إلى مقارنات ميثولوجية.
دعونا نُفند هذا الطرح، وبالاستعانة بالله نرد عليه علمياً وعملياً وتاريخياً:

أولاً: المغالطة اللغوية (فخ البناء المعماري)
أكبر سقطة سقط فيها هذا الطرح هي حصر كلمة “مسجد” في الهيكل المعماري المعاصر (قبة، مآذن، جدران).
لغوياً: المسجد في لسان العرب هو “مكان السجود” فحسب. وفي الحديث الصحيح: “جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً”.
تاريخياً: المسجد الحرام نفسه وقت نزول الآية لم يكن محاطاً بالجدران والأبنية الفارهة التي نراها اليوم، بل كان ساحة حول الكعبة. فبأي منطق يقبل الطاعن وجود “مسجد حرام” بلا مبنى خرساني، ويرفض وجود “مسجد أقصى” (بقعة مقدسة) لأنها كانت بانتظار البناء الأموي؟

ثانياً: فرية “الجعرانة” أو “الطائف” (التيه الجغرافي)
هذا الادعاء ليس بحثاً علمياً بل هو “تيه” في حقائق الجغرافيا:
القبلة هي البرهان: ظل المسلمون يصلون باتجاه “بيت المقدس” في الشام لسنوات. فلو كان الأقصى هو مسجد “الجعرانة” (على بعد كيلومترات من مكة)، فلماذا ولى النبي وصحابته وجوههم شطر الشمال البعيد؟
شهادة الخصوم: لم يقل أحد من قريش —وهم أحرص الناس على تكذيب النبي—: “يا محمد، الأقصى هو المسجد الذي نعرفه في ضواحي مكة!”. بل تعجبوا من وصفه لـ “بيت المقدس” في الشام لأنهم خبروه في رحلة الصيف.

ثالثاً: وصف النبي للمكان (كنيسة أم محراب؟)
يزعم البعض أن النبي وصف “كنيسة القيامة”، وهذا ينم عن جهل تام بجغرافية القدس؛ فالمسافة بين الكنيسة و”هضبة الحرم” واضحة، وقريش كانت تعرف الساحة التي تضم بقايا محراب داود ومعالم المكان القديم، ولو خلط النبي بينهما لما سكت له تجار قريش العارفون بتفاصيل “إيليا”.

رابعاً: “البراق” و”بيغاسوس” (تسطيح الأساطير أم وحدة المصدر؟)
يمارس الطرح النقدي هنا نوعاً من “التسطيح المعرفي” عبر بوابة علم الأديان المقارن، حيث يكتفي بمجرد “التشابه الشكلي” ليصدر حكماً بـ “الاقتباس والسرقة الأدبية”. إن القول بأن “البراق” هو مجرد استنساخ لـ “بيغاسوس” اليوناني هو قراءة قاصرة لطبيعة الرموز الدينية والميثولوجية؛ فعلم النفس التحليلي (كارل يونغ) يخبرنا بوجود “نماذج أولية” في اللاشعور الجمعي للبشرية جمعاء، وفكرة “الدابة الخارقة” أو “المركب السماوي” الذي يكسر حاجز الزمن والمكان هي فكرة فطرية تعبر عن تواق الإنسان للتحرر من قيود الجسد والاتصال بالعالم العلوي، ووجود هذا الرمز في ثقافة لا يعني بالضرورة اقتباسه من أخرى، بل قد يعني نبعوهما من ذات المعين النفسي الإنساني.
ومن المنظور اللاهوتي الإسلامي، فإن الأرض لم تخلُ يوماً من نبي أو نذير، والرسالات السماوية تترى، والتشابه بين القصص الدينية (كالعربة النارية للنبي إيليا، أو الدواب المجنحة في رؤى حزقيال، أو البراق) وبين الأساطير الوثنية القديمة، لا يثبت بالضرورة أن الدين سرق من الأسطورة، بل على العكس؛ قد يشير ذلك إلى أن الأساطير هي مجرد تحريفات وتشوهات لقصص وحقائق دينية أقدم، بقيت في الذاكرة الجمعية للشعوب وصاغتها بأسلوبها الوثني الخاص، فالبراق هو الصورة “النقية” للحقيقة الإلهية التي حرفتها الأساطير اليونانية وجسدتها في “بيغاسوس”.
كما أن هناك اختلافاً جوهرياً في الوظيفة؛ فـ “بيغاسوس” في الأسطورة هو إله أو نصف إله، كائن مستقل يرتبط بقصص العنف والحروب، بينما “البراق” في النص الإسلامي هو “دابة مسخرة” مأمورة من الله، ليست إلهاً ولا تُعبد، وظيفتها محددة بوضوح كـ “واسطة نقل” لنبي لغرض تعبدي ومعرفي صرف، والخلط بين كائن أسطوري و”آية إلهية” مسخرة هو خلط بين “الخالق” و”المخلوق”.
أما السخرية من فكرة “ربط البراق” والتساؤل بتهكم: “هل تضيع دابة إلهية؟”، فهو تساؤل يغفل الحكمة التشريعية والتربوية العميقة؛ إن فعل النبي ﷺ بـ “ربط الدابة” هو درس عملي للأمة في “الأخذ بالأسباب” مع تمام التوكل على الله، هو يعلمنا أن نؤدي ما علينا من احتياطات دنيوية، حتى لو كنا في حضرة معجزة، تماماً كما أُمرت مريم بهز جذع النخلة وهي في قمة ضعفها لتنال الرزق، إنه تأكيد على أن “المعجزة” لا تلغي “السنن الكونية” بل تتجاوزها لحكمة، دون أن تدعو المسلم للتواكل أو ترك الأسباب.

خامساً: تسييس الدين (الأمويون وهدم الكعبة)
القول بأن الأمويين “اخترعوا” قدسية الأقصى أو “اصطنعوا” مكانته لصرف الناس عن مكة هو طرح متهافت يسقط أمام أبسط القواعد العلمية والزمنية؛ فآية الإسراء التي نصت صراحة على قدسية “المسجد الأقصى” نزلت في مكة المكرمة وقبل قيام الدولة الأموية بعقود طويلة، بل وقبل أن تُقام للمسلمين دولة من الأساس، فهل كان الوحي —حاشا لله— يتنبأ بصراع سياسي سيحدث بعد سبعين عاماً ليضع نصاً يخدم أجندة أموية مستقبلية؟ إن هذا الادعاء يضرب “منطق الزمن” في مقتل، ويتجاهل أن قدسية بيت المقدس كانت جزءاً أصيلاً من الوجدان الإسلامي منذ اللحظة الأولى، كونه القبلة التي اتجه إليها المسلمون في صلاتهم طوال العهد المكي وصدراً من العهد المدني، وهو ما يجعل الارتباط به ارتباطاً عقدياً سابقاً لكل الحسابات السياسية والصراعات على السلطة.
كما أن التاريخ يثبت أن الفاروق عمر بن الخطاب هو من طهر بقعة المسجد الأقصى بيده الشريفة وتسلم مفاتيح المدينة “إيليا” من البطريرك صفرونيوس في رحلة تاريخية لم تحدث لأي مدينة أخرى، وكان ذلك في وقت لم يكن لبني أمية فيه هيمنة ولا ملك، بل ذهب عمر ليبحث عن “محراب داود” ومصلى الأنبياء في تلك الساحة المهجورة، وهو ما يؤكد أن المسلمين لم يبتدعوا قدسية المكان، بل “استعادوا” إرث الأنبياء فيه. أما محاولة الربط بين بناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة وبين حصار ابن الزبير في مكة، فهي مغالطة تخلط بين “عمارة المكان” وبين “أصل قدسيته”؛ فالبناء الأموي كان “تشريفاً” وتخليداً لمكان مقدس بالفعل، وليس “اختراعاً” له، ولم يقل أحد من معاصري تلك الفتنة —بمن فيهم خصوم الأمويين كابن الزبير نفسه— إن المسجد الأقصى مكان مستحدث أو أن قدسيته مزيفة، بل كان الإجماع منعقداً على أن هذه البقعة هي مسرى النبي ﷺ ومباركٌ ما حولها.
إن محاولة تجريد الأقصى من قدسيته التاريخية بذريعة الصراعات السياسية الأموية، هي محاولة بائسة لتفكيك الهوية الروحية للأمة، ومحاكمة للنصوص الدينية الثابتة بأحداث سياسية عارضة؛ فالمكان الذي بارك الله حوله في كتابه الكريم لا يستمد شرعيته من حاكم أو باني، بل من نص الوحي وخطى الأنبياء التي سبقت كل الدول والممالك، وسيظل الأقصى في قلب العقيدة الإسلامية أسمى من أن يُحشر في زاوية المناكفات السياسية أو يُفسر بغير أبعاده الغيبية والروحية التي أرادها الله له.

في الختام، يجب أن ندرك أن محاولات حصر “المسجد الأقصى” في أحجارٍ شُيدت أو قِبابٍ رُفعت، هي محاولة بائسة لاختزال “العقيدة” في “هندسة معمارية”. إن المسجد الأقصى في الوجدان الإسلامي —وفي نص القرآن القاطع— هو “مباركة ربانية للبقعة” لا للمبنى، وهو إعلانٌ إلهي بأن هذه الأرض هي ميراث الأنبياء الذي آل في النهاية إلى خاتمهم.
إن الذين يحاولون “مكيَدة” التاريخ واختراع جغرافيا بديلة في “الجعرانة” أو غيرها، لا يصطدمون مع المسلمين فحسب، بل يصطدمون مع “منطق الأشياء”؛ فلو كان الأقصى في ضواحي مكة، لما احتاجت الرحلة إلى “براق”، ولما سألت قريش النبيَّ عن وصف “بيت المقدس” لتعجيزه، ولما سهرت أجيالٌ من الصحابة والتابعين يشدون الرحال إلى بيت المقدس في الشام وهم يعلمون يقيناً أين صلى نبيهم وأين عُرج به.
إن تشكيك البعض لا يضيف للعلم شيئاً، بقدر ما يكشف عن رغبة في فك الارتباط بين المسلم وبين أقدس بقاعه بعد مكة والمدينة، وهو فك ارتباط يخدم الروايات التي تود تجريد هذه الأرض من تاريخها الإسلامي الممتد. إن “الأقصى” لم يكن يوماً مجرد مسجد بناه الأمويون، بل هو “صك ملكية روحي” وُقع ليلة الإسراء، قبل أن تلمس معاول البنائين أحجاره بعقود.
سيظل الأقصى هو “المسجد” بقدسية المكان، لا بحدود البناء، وسيظل الإسراء معجزة تتجاوز حدود المادة لتؤكد أن هذا الدين ليس ديناً محلياً نبت في صحراء الحجاز فحسب، بل هو “رسالة عالمية” ختمت الرسالات، وربطت بين الكعبة وبين الأرض التي بارك الله حولها برباطٍ مقدّس لا تحله شبهة كاتب، ولا يمحوه تزييف مؤرخ.
فليطمئن كل ذي لب؛ فالحقائق لا تُهدم بالتشكيك، والجغرافيا التي رُسمت بـ “الوحي” لا تغيرها أقلامٌ تبحث عن “الشو الإعلامي” على حساب ثوابت الأمة.
تمت.

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏