بين بسنت خالد وبسنت سليمان..حين يكتب اليأس نهايته في بثٍ حي وينتحر الضمير على رصيف الانتظار

بقم : أحمد السيد

​بقلم: محمد تمام

​لم تكن “بسنت” مجرد اسمٍ عابر في شريط أخبار الصباح، ولم تكن صرختها الأخيرة مجرد ضجيج إلكتروني سيتلاشى مع بزوغ “تريند” جديد؛ إنها المرآة التي وضعتنا جميعاً أمام قبح صمتنا، وقسوة تجاهلنا، وهشاشة عالمنا الذي يكتفي بالمشاهدة بينما الروح تودع جسدها في بثٍ مباشر أمام أعين الآلاف. إن السقوط من الطابق الثالث عشر لم يكن هو الارتفاع الحقيقي الذي هوت منه بسنت، بل سقطت قبل ذلك بكثير من طوابق الخذلان المتراكمة، ومن شرفات الوعود الزائفة، ومن قسوة قلوبٍ لم تدرك أن “جبر الخواطر” هو طوق النجاة الأخير قبل الغرق في محيط اليأس.

​عندما قررت بسنت أن تضع هاتفها وتفتح الكاميرا، لم تكن تبحث عن “إعجاب” أو شهرة زائفة، كانت تلك كاميرا “الوداع الأخير”؛ رسالة دامية مكتوبة بالهواء والجاذبية، تقول لنا جميعاً: “كنتُ أتألم ولم تلمحوا ذلك في عيني، فها أنا أريكم إياه بجسدي وهو يرتطم بالواقع الذي لم يرحمني”. إن جملتها الأخيرة “خلوا بالكم من ولادي” لم تكن مجرد وصية، بل كانت “سكينًا” غُرست في قلب كل إنسان ما زال يملك ذرة من ضمير، إذ كيف يصل الوجع بأمٍّ إلى درجة أن ترى رحيلها أخفّ وطأة على أطفالها من بقائها محطمة؟ لقد كان “الوجع” الذي سكن روحها أقوى من غريزة البقاء، وأشرس من عاطفة الأمومة التي تُعرف بأنها أقوى الروابط على الأرض، وهذا بحد ذاته إعلان إدانة لكل من كان سبباً في إطفاء تلك الروح.

​وهنا نجد أنفسنا أمام صرخة أكبر وأدوى، صرخة تربط بين “بسنت” الإسكندرية اليوم و”بسنت خالد” فتاة الغربية التي رحلت قبل سنوات؛ فالمأساة واحدة والقاتل واحد وإن تعددت الوجوه. بالأمس كانت بسنت خالد ضحية “ابتزاز” وصور مفبركة ومجتمع لا يرحم ولا يصدق الضحية بل يجلدها بسياط الشك، واليوم بسنت سليمان ضحية “انطفاء” داخلي ووجع نفسي لم يجد يداً حقيقية تمتد لتنتشله من حافة الهاوية. ما يربط بينهما هو ذلك الخيط الرفيع من “الظلم الاجتماعي”؛ فبسنت خالد قتلتها مخاوفها من “كلام الناس” ومن مجتمع يبرر للجاني ويحاكم المجني عليه، وبسنت سليمان قتلتها مرارة الشعور بأنها “وحدها” تماماً، وأن العالم من حولها تحول إلى شاشات باردة تراقب وتحلل وتنتظر لحظة السقوط لتملأ الفراغ بالتعليقات.

​نحن المتهمون في هذه القضية، ونحن القضاة الذين يرتدون ثوب الواعظين بعد فوات الأوان. نكتب المنشورات الطويلة عن الصبر والإيمان، ولكننا ننسى كم مرة ضغطنا فيها على أعصاب المقربين منا، كم مرة سخرنا من ضعف أحدهم واعتبرناه “دلعاً”، كم مرة مررنا بجوار إنسان “منطفئ” ولم نكلف أنفسنا عناء سؤاله: “هل أنت بخير؟”. إن الموت “بث مباشر” هو إعلان إفلاس لمشاعرنا الإنسانية، وهو دليل على أننا أصبحنا نعيش في “سيرك” رقمي موحش، ننتظر الفاجعة لنمارس طقوس العزاء الافتراضي، بينما كان بإمكان كلمة طيبة واحدة، أو احتواء صادق، أو نظرة رحمة، أن تغلق تلك الكاميرا وتنقذ تلك الروح من قرارها الانتحاري.

​إن دماء “بسنت” و”بسنت” ستظل تطارد كل من جرح بكلمة، وكل من ضغط بجهل، وكل من استعرض بخصوصيات الناس أو زاد من أوجاعهم ببرود أعصاب. إنها دعوة لأن نتوقف عن جعل البيوت زنازين اختيارية لمن نحب، وأن ندرك أن خلف كل وجه صامت بركاناً من الهموم لا يعلمه إلا الله. إن الندم بعد الفقد هو صراخ في وادٍ سحيق لا يسمعه الموتى، فليراجع كل منا نفسه: هل كنت سبباً في وجع أحد؟ هل كسرت نفس أحد دون أن تشعر؟ ارحموا من في الأرض، وطبطبوا على القلوب قبل أن تتحول إلى رماد، فالحياة أقصر من أن نقضيها في تبادل الطعنات، والموت لا يعطي فرصة ثانية لنقول: “آسفون، لم نكن نقصد”. اللهم ارحم من رحلت مكسورة، واجعل وجعها برداً وسلاماً على روحها، واربط على قلوب أطفالها برباط من عندك، واجعل موتها زلزالاً يوقظ الضمائر التي ماتت قبل أصحابها.

​إن القصة لم تنتهِ بارتطام جسد بسنت بالأرض، بل بدأت الآن في رقبة كل من شاهد ولم يتحرك، وكل من سمع الأنين فصمّ أذنيه، وكل من كان مسماراً في نعشها بكلمة قاسية أو تجاهل متعمد. إننا نعيش في زمنٍ مخيف، أصبح فيه الموت “محتوى” يُشاهد، والوجع “مادة” تُحلل، بينما الإنسان يذوب احتراقاً خلف الشاشات. إن الربط بين رحيل “بسنت خالد” و”بسنت سليمان” هو إدانة تاريخية لهذا المجتمع؛ فالأولى هربت من “سياط الظلم” والثانية هربت من “جحيم الصمت”، وكأن القدر يصفعنا مرتين ليخبرنا أن قسوتنا لا تفرق بين فتاة تبتزها الأرواح الخبيثة، وأمٍّ يبتزها الوجع النفسي والوحدة القاتلة.

​يا سادة، إن “البث المباشر” الذي فتحته بسنت قبل رحيلها لم يكن موجهاً لمتابعيها فحسب، بل كان بلاغاً مفتوحاً ضدنا جميعاً، وضد برود مشاعرنا، وضد بيوتنا التي أصبحت أحياناً جدراناً صماء لا تسمع نبض المتألمين بداخلها. كيف نمتلك الجرأة لنتساءل “لماذا فعلت ذلك؟” ونحن لم نتساءل يوماً “كيف حالكِ حقاً؟”. إن أطفال بسنت الذين تركتهم خلفها هم أمانة في عنق كل من يدّعي الإنسانية، ووصيتها “خلوا بالكم من ولادي” هي مرثية لجيل كامل قد ينشأ وهو يرى أن الهروب هو الحل الوحيد حين يضيق الصدر بالبشر.

​فلنتوقف عن كوننا “جمهوراً” يشاهد المآسي بفضول بارد، ولنبدأ بكوننا “بشراً” يشعرون بالخطر قبل وقوعه. إن الكلمة التي نحبسها اليوم قد تكون هي الرصاصة التي تقتل غداً، والنظرة التي نتجاهلها الآن قد تكون هي النظرة الأخيرة لروح قررت الرحيل. إن بسنت اليوم ليست مجرد ضحية، بل هي “قربان” قُدم على مذبح القسوة الاجتماعية، لعل وعسى نستفيق من غيبوبتنا قبل أن يفتح ضحية أخرى كاميرا هاتفه ليعلن انتهاء صبره. ارحموا من في الأرض رحمةً حقيقية، لا بالمنشورات والتعليقات، بل باللين والاحتواء والصدق، فما قيمة العزاء فوق القبور إذا كنا قد بخلنا بالحب فوق الأرض؟ اللهم إن هذا الوجع قد فاق المدى، فارحم ضعفنا، واغفر لتقصيرنا، واجعل من مأساة “بسنت” درساً يحيي القلوب التي كادت أن تتحول إلى حجارة أو أشد قسوة.
محمد تمام

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏