مِيقاتُ الأمانَة.. وستُّ البَنات قصة قصيرة

​تأليف: محمد تمام

​في ليلةٍ ممطرة، حيث كان وقع المطر على النافذة يشبه طرقات الذكريات على أبواب القلب، وقفت “صباح” أمام مرآتها. كانت الغرفة دافئة، لكن برودةً قديمة سكنت روحها منذ زمن. لمست وجهها بأصابع مرتعشة، وكأنها تتفحص خارطة الوجع التي رسمتها السنون، ثم أغمضت عينيها لتستحضر ذلك المشهد الذي غيّر مجرى حياتها.. المشهد الذي كان بداية الانكسار، وميقات الانبعاث في آنٍ واحد.

​تحدثت إلى مرآتها بصوتٍ متهدج:

“لم تكن الرؤية الشرعية بالنسبة لي مجرد طقسٍ اجتماعي، كانت عتبةً وقفتُ أمامها بقلبٍ يرتجفُ خلف ضلوعي كعصفورٍ ذبيح. في تلك الغرفة التي استوطنها صمتٌ جنائزي، واختلطت فيها رائحة البخور بتوتر الأنفاس، رفعتُ النقاب. كانت أصابعي تخوض حرباً مريرة مع القماش الأسود، كأنها تزيح الستار عن حقيقةٍ لا تملكُ سوى براءتها. وعيناي؟ كانت مسمرتين في الأرض، أفتشُ في برودة البلاط عن ثباتٍ خانتني فيه قدماي.”

​لم تسمع “صباح” حينها عبارات الترحيب، ولم يكسر السكون دعوات المجاملة المعتادة. كل ما اخترق مسامعها كان صوتاً جافاً، فجاً، نبتَ كالنصل البارد ليطعن قدسية اللحظة:

“لأ.. يلا بينا نمشي، أنا كنت فاكرها أحلى من كده!”

​تلك الكلمات لم تكن حروفاً، كانت أحجاراً رُجمت بها روحها في عز خجلها. شعرتُ حينها أنَّ الأرض تميدُ بها، وأنَّ الهواء قد نضب من رئتيها تماماً. لم تستوعب.. كيف يمكن لإنسان أن يُلقي بقلب إنسانة خلف ظهره لمجرد أنَّ ملامحها لم تطابق خيالاً مشوهاً رسمه في مخيلته؟

​منذ تلك اللحظة، أحكمت “صباح” رتـاج قلبها كما أحكمت رداء نقابها. انغلق في داخلها بابٌ كان يُسمى “الأمل”، وقررت أن تعتكف خلف حصنها الأسود؛ فلا أحد يستحق أن يرى ملامحها ليضعها تحت مقصلة حكمه. عاشت منسجمة مع صمتها، ومع خياطة ملابسها التي أصبحت هي والمقّص لغتها الوحيدة لمخاطبة العالم.

​مرت الأيام رتيبة، حتى أزفّ موعد زفاف أخيها. خرجت مكرهةً من عزلها لتشتري قماشاً لفستانها من تاجرٍ يقبع في أطراف المدينة البعيدة. حاسبت، ورحلت مسرعة تجرُّ أذيال خيبتها القديمة، باحثةً عن الهدوء في زحام الوجوه.

​وعندما وضعت الثوب أمام الخياطة، بدأ مقصها يتحركُ بآلية، ثم توقف فجأة. رفعت الخياطة نظرها بذهولٍ شابهُ بريقُ الطمع:

ـ “يا بنتي، التاجر أخطأ.. القماش زيادة أربعة أمتار كاملة! خامته باهظة، لو شئتِ اشتريتها منكِ ونقتسم ثمنها، ولن يدرك ذلك العجوز أبداً، فالحقُّ عليه لا عليكِ.”

​في تلك اللحظة، شعرت “صباح” وكأنَّ الأمتار الأربعة تحولت إلى جمرٍ في يدها. نظرت إليها، كانت تعني فستاناً آخر، أو مالاً يسدُّ رمق الاحتياج، لكنها رأت فيها صورتها التي “شُوّهت” يوماً بالكلمات؛ فأرادت أن تغسلها بالأمانة. أجابت بحسمٍ غريب لم تعهده في نفسها:

“لأ يا خالة.. قصي الزيادة وأعطيني إياها، لازم أرجعهم للراجل فوراً.”

​شهقت الخياطة بنبرة استنكار: “ترجعين الآن؟ الطريق يستغرق ساعتين في آخر الدنيا! والوقت يزحف نحو الغروب يا ابنتي!”

قالت “صباح” وهي تلملم أشتات نفسها: “سأعود.. فما قيمة الثوب الجميل إذا تلطخ بحقٍ ليس لي؟ الذمةُ لا تقبل القسمة، والراحة لا تُشترى بالدرهم الحرام.”

​خرجت في عز الهجير، شمسُ الظهيرة تصبُّ لهيبها فوق نقابها، والمسافة بدت كأنها جحيمٌ لا ينتهي. ساعتان من الجهاد النفسي في الحافلة، والزحام، والضجيج.. كانت تتصبب عرقاً خلف سوادها، وأنفاسها تتلاحق، لكن داخلها كان هناك يقينٌ غريب يبردُ قلبها؛ كأنها بقطع هذه المسافة كانت تغسلُ إهانة العريس الأول بماء الكرامة.

​وصلت إلى المحل وهي تكاد تسقط من الإعياء. ارتميت على أقرب مقعد تلهثُ بشدة، ففزع التاجر العجوز وسارع بإحضار كوب ماء وهو يقول بقلق: “ما بكِ يا ابنتي؟ هل حدث مكروه؟”

مددت يدها بالطرد كمن يُلقي عن كاهله حملاً ثقيلاً: “يا حاج.. هذا القماش زاد عما حاسبتني عليه، والخطأ بشريٌّ لكنَّ الحساب ربانيّ. اتفضل حقك.. سلامٌ عليكم.”

​تسمر الرجل في مكانه، نظر إلى القماش ثم إليها بنظرةٍ لم ترها من رجلٍ قط؛ نظرةً لم تعبر ملامحها المستترة، بل نفذت إلى أعماقها العميقة. لم يرَ وجهها، لكنه رأى “جوهر الأمانة” يتجسد في تلك المسافة التي قطعتها. قال بذهول: “وعلشان ٤ متر قماش، ترجعي المشوار ده كله وتتبهدلي البهدلة دي؟ كنتِ هاتيهم بكرة، أو حتى ما تجيبيهمش خالص!”

قالت بابتسامةٍ استقرت في نبرة صوتها: “ما خِفتُ من فوات القماش يا حاج، إنما خِفتُ من فوات العمر والحقُّ في ذمتي. استودعكم الله.”

​كانت تهمُّ بالرحيل، تجرُّ تعبها برضا، لكن صوته استوقفها بنداءٍ هزَّ كيانها وأوقف الزمن في عينيها:

“يا بنتي.. يا بنتي استني! انتي مخطوبة؟”

​تسمرت في مكانها، وارتدَّ إليها صدى ذلك الصوت القديم: “أنا كنت فاكرها أحلى من كده”، فصمتت طويلاً قبل أن تخرج الكلمة من بين شفتيها مبللةً بالصبر: “لأ.. لستُ مخطوبة.”

​وقف الحاج “منصور” خلف منضدة القماش، وكأنه يرى أمامه كنزاً لم تنجبه المناجم، بل صاغته التقوى في محرابِ الصبر. كرر سؤاله بلهفةٍ وقور، وعيناه تلمعان بصدقٍ أبوي: “إذن، فليكن ابني (ياسين) هو النصيب. هو طبيبٌ علمتُه الطب، لكنني اليوم وجدتُ له الأصل الذي يُؤتمن عليه العمر. باين من صوتكِ أنكِ صغيرة، ومن فعلكِ أنكِ نادرة، والبيوت لها أبواب، فهل تأذنين لي بقرع بابكم؟”

​حاولت “صباح” الاعتذار بكلماتٍ مرتبكة، فحصونها ما زالت مهدمة، لكنه قال بحكمة الشيوخ: “يا بنتي، النصيبُ يطرقُ الباب مرةً واحدة، وأنا لن أجدَ لولدي أصلًا أطيب من هذا.”

أعطته رقم والدها، وفي داخلها صوتٌ يهمسُ بيأس: “غداً سيرى وجهي، فيرتدُّ بصرُه خائباً كما فعل غيره، وتعود الجراح لتنزف تحت أضواء الحقيقة.”

​لكنَّ لقاء الأرواح يختلفُ حين يصمتُ الجسد. في اليوم التالي، كانت دارهم تضجُّ بحركةٍ غير معتادة، جاءوا وكأنهم يخشون ضياع تلك “الجوهرة” التي لم يروها بعد. ومن خلف شقوق الباب، لمحت “ياسين”.. كان شاباً يفيضُ وجلُه وسكينةُ ملامحه بالجمال، كان أبهى مما استطاع خيالها المنهك رسمه، وزادها جمالُه خوفاً؛ فالسمراء التي وُصمت بأنها “ليست جميلة” في سوق المظاهر، كيف لها أن تقف أمام هذا النور؟

​دخلت، جلست، وكان الصمتُ سيد الموقف، صمتاً لا يقطعه إلا حديثه الذي انساب نهراً من الأدب. لم يسأل عن ماديات، ولم يطلب منها خلع النقاب ليُعاين “البضاعة” كما فعل السابقون. تحدث عن الروح، عن السكينة، وعن البيوت التي تُبنى على المودة لا على الأشكال. وعندما أوشك المجلس على الانتهاء، شعرت برغبةٍ في إنهاء هذه المسرحية قبل أن تبدأ، أرادت أن تكشف له عن “القبح” الذي صوره لها الناس ليرحل مبكراً قبل أن تتعلق به.

قالت بصوتٍ مهتز: “استنى من فضلك.. ألن تراني؟ ربما لا أكون كما تظن!”

نظر إليها نظرةً لم تفهم مغزاها حينها، وقال بهدوءٍ يربك الجبال: “وأراكِ ليه؟ أنتِ عندي زي القمر.”

سألتُه بذهول: “وكيف جزمتَ بذلك وأنت لم تلمح وجهي؟”

أجابها بيقينٍ هزَّ أركان قلبها: “النبي ﷺ قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك). وهل في الدنيا جمالٌ يفوق تلك الأمانة التي أعادتكِ في هجير الشمس ساعتين لأجل حقٍ ليس لكِ؟ الروح التي تسكنكِ هي التي أضاءت لي الطريق، أما الملامح، فهي هديةُ الله، وأنا قبلتُ الهدية قبل فتحها.”

​بدأ ميثاقُ الشوكولاتة والجمالُ المُستتر. مرت شهور الخطبة الثلاثة، كان يأتي وفي جيبه دائماً قطعة “شوكولاتة”، يدسها في يدها كأنه يقدم لها قلبها. كانت تضحك بخجل: “يا دكتور، ألا تخشى على صحتي من السكر؟” فيجيب بابتسامةٍ تشرق في صوته: “المرُّ في الأيام كتير، ومهمتي أن أحلي حياتك بقطعة سكر.”

سألها يوماً باختبارٍ خفي: “ألا تسألين عن راتبي أو عما أملك؟”

فأجابته بفيضٍ من كرامةٍ صاغتها مدرسة الصبر: “من رضينا دينه وخُلقه، كفانا عن حطام الدنيا وما فيها.”

​وجاءت ليلةُ الجبْر.. حين بكت المرايا. في ليلة الزفاف، كانت كطيرٍ يحلقُ بجناحٍ كُسِر يوماً فصار أقوى. لبست الفستان الأبيض، ووضعت لمساتٍ بسيطة من الزينة، لا لتخفي ملامحها، بل لتحتفي بليلةِ “الجبر” التي لم تكن تظنها ستأتي.

دخلوا بيتهم، أُغلق البابُ خلفهم، وقال بصوتٍ يملؤه الحنان: “نورتي بيتك يا ست البنات.”

رفعت النقاب والدموعُ تغالبها، كانت تنتظر لحظة الصدمة، كانت تنتظر أن يرتدَّ بصرهُ خائباً.. لكنَّ الصدمة كانت لها هي! تسمر ياسين في مكانه، اتسعت عيناه بذهولٍ غريب، وبدلاً من الاعتراض، صرخ بعفويةٍ مبللة بالدموع: “اللهم صلِّ على كامل النور! ما شاء الله عليكِ.. إيه الجمال ده كله؟”

ثم رفع نظره إلى السماء بصدقٍ زلزل كيانها: “كتير عليا يارب.. والله كتير عليا، الحمد لله.”

​في تلك اللحظة، سقطت عن كاهل “صباح” كل سنين الانكسار. أدركت أنَّ الجمال ليس لوناً ولا رسماً، بل هو “رزقٌ” يضعه الله في عين من يحبك. من يومها، وهي تقف أمام مرآتي فلا ترى إلا “ست البنات”، لأنها سكنت في قلب رجلٍ لم ينظر إلى وجهها ليعرف قدرها، بل نظر إلى قلبها، فوجد فيه وجهها.. أجمل من كل الوجوه.

​لم تكن حكايتها مجرد انتصارِ امرأةٍ على مرآتها، بل كانت برهاناً ساطعاً على أنَّ الأقدارَ لا تُخطئ عناوينها مهما طال المسير، وأنَّ الوجوه التي رُجمت يوماً بكلمات القُبح لم تكن قبيحةً قط، بل كانت “البصيرةُ” في أعينهم هي التي أصابها الرَّمد. إنَّ الأمانة التي دفعتها لقطع الفيافي تحت لهيب الشمس، لم تكن مجرد أمتارٍ من قماش عابر، بل كانت “صكَّ استحقاقٍ” وقّعه الله لها في الغيب؛ ليُثبت لها بيقينٍ لا يخبو، أنَّ مَن يحفظ حقَّ الغريب في دراهم معدودة، يحفظ اللهُ حقَّ قلبه في سنين العمر المديدة.

​اليوم، حين يهمس في أذنها: “يا ستَّ البنات”، تدرك أنَّ الجمال الحقيقي هو ذلك الضياء الذي ينبعثُ من سكينة الروح، وأنَّ أصدقَ موازين الأرض هي تلك التي تضع “الدِّين والخُلق” في كفّة، وتلقي بالعالم أجمع في الكفة الأخرى. لقد كانت تظن أنها تشتري قماشاً لثوبِ عرسٍ مؤقت، ولم تكن تعلم أنها كانت تغزلُ بخيوطِ الأمانةِ كفناً لماضٍ منكسر، وتحيكُ ثوبَ حياةٍ جديدة لا تليقُ إلا بمن أبصروا بقلوبهم حين عميت الأبصار.

​ستبقى قصتها هذه وصيةً مُخلدة لكلِّ روحٍ كسرها حُكمُ البشر الجائر: “كُوني مع الله في الخفاء، وسيتولى هو جَبْرَكِ أمام العالمين.. فاللهُ إذا أعطى أدهش، وإذا جَبَرَ رَمّمَ كلَّ صدوع الروح حتى كأنها لم تنكسر يوماً.”

​تمت بحمد الله

Loading

أحمد السيد

Learn More →

بيانات حكومية

2 Minutes
أخبار محليه اخبار مصر المرأه والجمال بيانات حكومية توك شو ثقافه ثقافه وفن رجال ونساء فن
لجنة الثقافة والفنون بالمجلس القومي للمرأة تنظم ندوة”رسائل نساء أكتوبر” بقلم ليلى حسين
6 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر اخر الاخبار بيانات حكومية
تعرف بالتفصيل على الـ28 فرصة استثمارية واعدة المحددة من وزارة الصناعة بهدف تعميق التصنيع المحلي وتلبية احتياجات السوق بقلم ليلي حسين
1 Minute
أخبار المحافظات أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
وزيرا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتربية والتعليم والتعليم الفنى يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركة ” إتش بى – مصر” بشأن تنفيذ البرنامج العالمى الخاص بأكاديمية إتش بى للابتكار والتعليم الرقمى HP IDEA فى مدارس WE للتكنولوجيا التطبيقية بجميع محافظات الجمهوريةبقلم ليلى حسين
0 Minutes
أخبار محليه أقتصاد اخبار مصر بيانات حكومية
بمناسبة اليوم العالمي للبريد‏36.8 % زيادة في قيمة المبالغ المودعة في صندوق توفير البريد عام 2024 / 2025 بقلم ليلى حسين ‏